آخر الأخبار

سيد العديسي.. شاعر الجنوب الذي أتقن المسكوت عنه

شارك

رحل اليوم الشاعر المصري سيد العديسي تاركا خلفه مسيرة إبداعية امتدت لعقدين ونيّف، شكّل فيها صوتا شعريا مغايرا، لا يشبه إلا نفسه، إنه صوت الجنوب الذي يعرف كيف يقول ما لا يُقال، وكيف يحوّل البساطة إلى عمق، والمألوف إلى دهشة.

الموت فاجأه وهو يعمل، فقد كان تحت الطبع له ديوان بعنوان لافت هو "يشير بيده لمشيعيه"

اختار العديسي نفسه تعريف مشروعه الإبداعي بأنه كتابة "المسكوت عنه في صعيد مصر"، وهو التعبير الذي أعدّه عنوانا لكتاب كان يكتبه قبل رحيله. وتكشف قصائده أن هذا المسكوت عنه يتجلى في أشكال متعددة، منها الرغبة المختبئة خلف طقس حمل الجرة، والحب الذي لا يجد اسمه في مجتمع لا يعرف كلمة "أحبك"، والنقد السياسي المبطّن الذي يتسلل بين صور الفلاحين والصنابير والنجوع.

ولد العديسي في الأول من يونيو/حزيران عام 1973 في قرية "العديسات" بمحافظة الأقصر، وفي هذه الجغرافيا التي تجمع النيل والتاريخ والصمت الصعيدي الثقيل، تشكّلت رؤيته للعالم وللشعر معاً. لم يهرب من الجنوب ليكتبه عن بُعد، بل حمله معه أينما ذهب، حتى حين استقرّ في القاهرة وعمل محررا صحفيا في مجلة الإذاعة والتلفزيون.

كان الصعيد حاضرا في كل قصيدة، فنجده في لغته المقطّرة من الحياة اليومية للفلاحين، وفي مواضيعه التي تحفر تحت سطح ما هو مسكوت عنه في مجتمعات الجنوب.

أصدر العديسي سبعة دواوين شعرية ورواية، بدأها بـ"قبل النجع" عام 2004 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ثم توالت دواوينه: "ابتسامة نذل يموت"، و"يقف احتراماً لامرأة تمر"، و"أموت ليظل اسمها سراً"، و"كيف حالك جداً"، و"كقاطع طريق"، وصولاً إلى "صباح الخير تقريبا" عام 2023. وفي السنة الأخيرة من حياته صدرت له رواية "طواحين الهوى" التي تدور في فضاء صعيد مصر وأسراره، مثبتاً أن طاقته الإبداعية لم تكن تعرف توقفاً. بل إن الموت فاجأه وهو يعمل، فقد كان تحت الطبع له ديوان بعنوان لافت هو "يشير بيده لمشيعيه"، ورواية "نصف العمى"، وكتاب "المسكوت عنه في صعيد مصر"، وفق تصريحات صحفية للشاعر الراحل.

مصدر الصورة «طواحين الهوى» ليست فقط رواية عن قصة حب في قرية صغيرة؛ بل تأمل سردي في معنى الهامش (الجزيرة)

ما يميّز العديسي في المشهد الشعري المصري المعاصر أنه لم يسعَ إلى الإبهار اللغوي ولم يجرِ خلف المصطلح النقدي الرنّان، لقد اختار بدلاً من ذلك لغة تبدو في ظاهرها قريبة من الكلام العادي، لكنها في الحقيقة محكمة البناء، تعمل بمنطق الشعر الحقيقي الذي يقول الشيء ونقيضه في آن واحد. كان يكتب عن الحب والخسارة والجسد والموت بصدق فلاحي لا يعرف المواربة، وبوعي شاعر يعرف متى يصمت ومتى يتكلم.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مفتتح فن الرواية.. هل تحمل "دون كيشوت" بصمة الأدب العربي؟
* list 2 of 2 الكرنك يتكلّم.. يحيى الطاهر عبد الله واستعادة النص المفقود end of list
إعلان

كأي صعيدي،
لا أستطيع قول "أحبك"
وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني "كيف حالك جدا".

مصدر الصورة تعد قصيدة كيف حالك جدا واحدة من أشهر القصائد العاطفية في مصر في السنوات الأخيرة (الجزيرة)

شعرية الصعيدي وسياسة البساطة

لو أردنا أن نضع سيد العديسي في المشهد الشعري المصري المعاصر، لقلنا إنه ينتمي إلى تلك الفئة النادرة من الشعراء الذين يعرفون سرّهم جيداً ولا يفرّطون فيه. سرّه هو الجنوب، لا بوصفه موضوعا يكتب عنه من بُعد، بل بوصفه جهازاً بصرياً يرى من خلاله العالم كله: الحب والخسارة والجسد والسلطة والزمن.

في قصيدة "أنا مزارع فاشل" يضع العديسي بطله في موقع المتهم منذ السطر الأول، ثم يقضي بقية القصيدة في تفكيك هذه التهمة دون أن ينفيها.

الفلاح الذي لا يعرف أين وضع بقراته، والذي أغرق محصول القمح لأنه نسي تحويل مجرى المياه، والذي كادت ناره تحرق حقول الجيران، هذا الفلاح ليس فاشلا بالمعنى الحرفي، بل هو رجل أدار انتباهه كله نحو الحب على حساب ما يفترض أن يكون واجبه الأول. وهذا في الموروث الصعيدي الشعبي ليس عارا بل نوعا من الجنون المقبول، بل المحبوب سراً.

ما يفعله العديسي هنا أعمق من مجرد توظيف الموروث، إنه يقلب سلّم القيم الفلاحية رأساً على عقب، ففي ثقافة تُعلي من شأن الأرض والعمل والإنتاج، يأتي الشاعر ليقول إن الرجل الذي خسر محصوله من أجل امرأة قد ربح ما لا يُعوَّض. والأذكى في هذا كله أنه يقول ذلك دون أن يصرّح به مرة واحدة، إذ يكتفي بالعبارة الأخيرة التي تقلب كل ما سبقها: "كان باستطاعتي أن أكون ماهراً لو لم يخلق الله بيتكم بجوار الحقل."

هذا السطر الختامي هو مفتاح الشعرية عنده، إنه لا يدافع ولا يعتذر ولا يمجّد، بل يحوّل المسؤولية بنبرة تجمع بين الدعابة والجدية، وتترك القارئ في مساحة بين الضحكة والتأمل.

رمز الجرة.. الجسد والسلطة والرثاء

تحتل الجرة في قصيدتَي "حين تحمل الجرة" و"منذ أحببتها" مساحة رمزية استثنائية تتجاوز كونها أداة للماء. ففي القصيدة الأولى يبدأ المشهد بصورة تكاد تكون أسطورية: "حين تحمل الجرة / يموت الرجال من العطش"، وهي صورة تقلب المعادلة المتوقعة تماماً، إذ الجرة أُعدّت لإرواء العطش لا لإثارته. لكن العديسي يرى في طقس حمل الجرة موضع رغبة وسلطة، فالمرأة التي تحمل الجرة لا تنقل الماء وحده بل تحمل معها سلطة غير معلنة على فضاء القرية بأكمله.
ثم يأتي المقطع الأكثر جرأة في القصيدة حين يتحول إلى رثاء سياسي مبطّن:

حكومة فاسدة
قالت لأهل النجع: ازرعوا الصنابير
في جدران البيوت
فما عادت الفتياتُ يرقصن من ثقل جرارهنّ.

التحديث هنا ليس تقدما بل خسارات مضاعفة، إنها خسارة الطقس، وخسارة الجمال البري للحياة اليومية، وخسارة ذلك الفضاء الذي كانت فيه المرأة تتحرك وتُرى وتفعل. والعديسي لا يقول ذلك بلغة المرثية الباكية، بل بلغة الرجل الذي يجلس "على قارعة الموردة يلوك حسرته"، وهي صورة تجمع بين المحلية الكاملة والمعنى الإنساني الأشمل.
وفي قصيدة "منذ أحببتها" تعود الجرة في سياق مختلف:

"منذ أحببتها / وأنا أفكر / كيف أريحها من عناء حمل الجرة / يا رب / امنحني القوة / كي أحول مجرى النهر / ليمر بحجرتها."

وهنا يتحول طموح المحبّ من الاستحواذ إلى الخدمة، من امتلاك المرأة إلى تحويل الطبيعة من حولها. وهذا التحويل في مفهوم الحب – من الرغبة في التملك إلى الرغبة في التيسير- هو أحد أكثر اللحظات الإنسانية صدقاً في شعره.

إعلان

نحن أبناء الفلاحين
نمشي بعيون سوداء
من كثرة ما نظرنا إلى الأرض
لو أننا نظرنا إلى السماء
-فقط بضع دقائق-
لصارت عيوننا زرقاء
ولمات العالم من الجوع.

الجنوب ليس هامشا

تكمن أهمية تجربة العديسي في أنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: "من يكتب المركز؟ ومن يحدّد ما هو الهامش؟".
في الثقافة العربية، ظلّ الجنوب، سواء في مصر أو غيرها، يُمثَّل غالبا بوصفه فضاء للبداهة أو الفولكلور. لكن في شعر العديسي، يتحول هذا الجنوب إلى مركز حساسية يعيد تعريف اللغة والتجربة معا. فالجنوب هنا ينزاح عن كونه موضوعا شعريا، أو خلفية فولكلورية، إنما هو بنية إدراك للعالم، وطريقة في النظر إلى اللغة، وإلى ما يقال وما يُترك في الظل. وهذا ما يجعل تجربة العديسي قابلة للقراءة ضمن "شعرية المسكوت عنه"؛ وهي منطقة تتقاطع فيها التجربة الفردية مع البنية الاجتماعية الصامتة، حيث لا يُصرَّح بكل شيء، لكن كل شيء حاضر.

إن هذا التماهي بين مكان المنشأ والممارسة الإبداعية يستدعي بوضوح مفهوم "الهابيتوس" (Habitus) عند عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث تتحول البيئة الاجتماعية إلى بنية داخلية مستبطنة توجّه السلوك واللغة دون وعي مباشر. ومن هذا المنطلق، نجد أن العديسي قد تجاوز مرحلة الكتابة عن الجنوب بوصفه موضوعا خارجيا، وانتقل إلى مرحلة أعمق وأكثر نضجا وهي "الكتابة بالجنوب"؛ فالمكان هنا ليس مادة للوصف، بل هو الأداة التي يرى بها العالم، واللغة التي ينطق من خلالها المسكوت عنه، والبنية التحتية التي تشكل جوهر مشروعه الشعري. وبهذا المعنى، فإن العديسي لا يكتب عن الجنوب، بل يكتب به.

اللغة البسيطة بوصفها موقف

لا يمكن قراءة العديسي دون التوقف عند خياره اللغوي الذي يبدو للوهلة الأولى عفويا لكنه في الحقيقة محسوب بدقة، إن لغته مقطّرة من الحياة اليومية للفلاحين: البقرة والفأس والجرة والفرن الطيني والعجين والصنابير والنجع، وهذه المفردات ليست ديكورا محليا يضفي أصالة على النص، بل هي المادة الخام لرؤيته الشعرية بأكملها.

وما يفعله بهذه اللغة أنه يشحنها بأبعاد رمزية دون أن يكسر إيقاعها اليومي. حين تقول قصيدته "حتى أمي لم تمنحني الفرصة أبداً / كي أبدو مهذباً / كلما صحوت مبكراً لتقبيل يدها / خبأتها في العجين"، فإنك تقرأ في الوقت ذاته صورة عائلية حميمة وفكرة فلسفية عن أمهات الجنوب اللواتي يُعبّرن عن الحب بالعمل لا بالكلام، وعن أبناء يبحثون عن لحظة رقة يصنعها الآخرون دائماً من دونهم.

هذه البساطة موقف أيديولوجي في نهاية المطاف. إنها رفض ضمني للنخبوية اللغوية التي أثقلت كثيراً من الشعر العربي المعاصر بمصطلحاته وتراكيبه المعقدة. العديسي يقول إن الجمال موجود هنا، في الفأس المنسي على قارعة الطريق، وفي الخبز المحترق، وفي دجاجة هاربة يتسابق الشيخ الطاعن والصبية لإعادتها.

شاعر يعرف أين يضع الكلمة

حين نقرأ أشعاره ودواوينه، ندرك أن الشاعر العديسي لم يكن يكتب عن الصعيد بقدر ما كان يكتب من روحه، وأن بساطته لم تكن محدودية بل كانت اختيارا واعيا لشاعر يعرف أن الصدق الحقيقي لا يحتاج إلى زينة، إنه يقدّم نموذجاً لما يمكن وصفه بالكتابة من الداخل الاجتماعي؛ وهي كتابة لا تعلن القطيعة مع البنى الرمزية للجنوب، ولا تستسلم لها، ولكنها تعيد تشغيلها من الداخل، وذلك عبر مفارقات صغيرة وانزياحات دقيقة، تجعل المألوف غريبا دون أن تفقده جذره. إنّها كتابة تقاوم الإبهار السريع، وتستبدله بـتراكم بطيء للأثر والذي لا يقاس بعلوّ الصوت، بل بقدرته على إعادة تشكيل إدراك القارئ للعالم.

ولا تقاس تجربة سيد العديسي بعدد دواوينه فقط، بل بقدرته على تثبيت نبرة خاصة داخل المشهد الشعري المصري، إنها نبرة منخفضة، لكنها عميقة، تشتغل في الطبقات التي لا تُرى بسهولة. وهي كتابة لا تصرخ، لكنها تبقى. وقد لا تدّعي تمثيل الجنوب، لكنها تجعله حاضرا بوصفه خبرة كاملة. وهنا تكمن قوتها، وربما سبب بقائها.

إعلان

رحل العديسي وفي جعبته الكثير، وهذا ما يجعل رحيله خسارة مضاعفة، فقد رحل الشاعر، ورحلت معه كتب لم تُطبع بعد، ومواضيع لم تُكتب بعد، ومسكوت عنه لم يُقَل بعد. غير أن ما تركه كافٍ لأن يبقى اسمه حيا في المشهد الشعري المصري، شاهداً على أن الجنوب لم يكن يوماً هامشا في الثقافة المصرية، بل كان دائماً أحد قلوبها النابضة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار