آخر الأخبار

تراث إفريقي نهبته أوروبا.. هل تملك "برونزيات بنين" حق الكلام؟

شارك

تحمل برونزية واحدة من برونزيات بنين ما لا يتسع له كتاب؛ طقس ملكي، وأسطورة عن نشأة سلالة، وأثر يد توارثت الصنعة جيلا بعد جيل، ونقوش تحفظ رواية لا تُروى إلا بالمعدن. ومع ذلك، تعيش أغلب هذه القطع حياتها الثانية خلف زجاج المتاحف في لندن وبرلين وفيينا، بعيدة عن الأرض التي عرفت كيف يُنطق البرونز.

في ربيع عام 1897، اقتحمت قوة بريطانية عاصمة مملكة بنين -في ما يُعرف اليوم بولاية إدو جنوبي نيجيريا– فأحرقت القصر الملكي، ورحلت بآلاف القطع الفنية ضمن ما سُمّي لاحقا بـ"حملة بنين". البرونزيات التي صيغت بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر -لوحات بارزة، ورؤوس ملكية، وتماثيل لحيوانات- وجدت نفسها في أشهر معدودة موزعة على متاحف أوروبا وأمريكا الشمالية، وأقامت إقامة قسرية تمتد حتى اليوم.

مصدر الصورة قطع أثرية من مجموعة "برونزيات بنين" أُعيدت من هولندا إلى نيجيريا 2025 (الفرنسية)

عودة على مهل

طوال عقود، ظلّت نيجيريا -ومن قبلها وارثو مملكة بنين الرمزيون- تطالب باستعادة ما تصفه بـ"سرقة استعمارية" لا مجرد اقتناء فني. لكنّ الاستجابة جاءت بطيئة ومتعرجة. في عام 2025، أعادت هولندا مئة وتسع عشرة قطعة في أكبر عملية ردّ منفردة حتى الآن، وتبعتها جامعة كامبريدج في 2026 بمئة وست عشرة قطعة كانت محفوظة في متحف الآثار والأنثروبولوجيا. كما كانت ألمانيا قد سلّمت، قبل ذلك، عشرات القطع.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أموت فارسا ولا أعيش "بندقية".. كيف أنهى البارود دولة المماليك؟
* list 2 of 2 مأساة بسنت.. هل تدفع نحو قانون جديد للأحوال الشخصية في مصر؟ end of list

المتحف البريطاني وحده -الذي يحتفظ بأكبر مجموعة، قرابة تسعمئة قطعة- لا يزال مترددا، متذرعا بقوانين بريطانية تُقيّد التصرف بمقتنياته. وخلف هذه الأرقام تقف إحصائية تختصر حجم الجرح؛ ما بين تسعين وخمسة وتسعين في المئة من التراث الثقافي الإفريقي لا يزال خارج القارة. ما عاد، على رمزيته، نقطة في بحر.

مصدر الصورة عُرضت قطع من مجموعة "برونزيات بنين"، في معرض الآثار الإفريقية بالمتحف البريطاني 2023 (غيتي إيميجز)

من يملك حق الكلام

ويرى باحثون من مبادرة "أوبن ريستيتيوشن إفريقيا" -وهي مبادرة مستقلة تتبع مسارات الآثار الإفريقية المنهوبة في المتاحف الأوروبية- أن المؤسسات الغربية هي التي تقرر "من يملك حق الحديث، وما الذي يُعدّ دليلاً، ومتى يجوز الردّ". في عين الباحثين، هذا ليس خلافا على الإجراءات، بل خلل في بنية العلاقة ذاتها.

إعلان

ومن النتائج المباشرة لهذا الاختلال، بحسب المبادرة، تقديم عمليات الإعادة على أنها "مبادرات طوعية" سخيّة من الغرب، لا استحقاقات تاريخية لأصحابها. والفارق بين الصيغتين ليس بلاغيا؛ هو فارق بين هبة وحقّ.

مصدر الصورة نيجيريا وقعت اتفاقية نوايا في 20222 لإعادة ألمانيا بـ"برونزيات بنين" (غيتي إيميجز)

يرى سيلفستر أوغبيشي، أستاذ تاريخ الفن في جامعة كاليفورنيا، أن المزاج العام في أوروبا انتقل من انفتاح نسبي إلى تحفظ متصاعد.

ففي قراءته، تقدّمت ألمانيا بخطوات أبعد من بريطانيا التي ظلت الأكثر تمنعا، أما مقترحات "الإعارة" التي تُطرح أحيانا بديلا عن الإعادة فتُبقي -بحسب توصيفه- الملكية القانونية في الغرب، وتمنح أصحابها صكّ استمرار مغلّفا بكرم ظاهري.

المعضلة الأكبر، عند أوغبيشي، قانونية في جوهرها؛ الدول الإفريقية مضطرة للمطالبة بحقها ضمن منظومة قضائية صاغها خصمها التاريخي، لا منظومة محايدة.

وإذا امتدّ النقاش إلى حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بهذه القطع -استخدامها في النشر والصور والمعارض المتنقلة- فقد يتحول ملف القطع وحده إلى ملفّ أوسع بكثير.

ما وراء القطعة

لذلك يرى فريق من الباحثين أن استعادة القطع، على أهميتها، ناقصة ما لم يرافقها حديث عن تعويض أوسع عن خسائر الحقبة الاستعمارية برمتها. في المقابل، تقدّم ديدريا فارمر بايلمان، مديرة مجموعة العمل المعنية بهذا الملف، مقاربة مختلفة؛ الأولوية عندها ليست المال، بل المشاركة الفعلية في صناعة القرار، من كيفية عرض هذه الأعمال إلى سرد تاريخها، والسياق الذي يوضع فيه الزائر أمامها، خصوصا حين يتعلق الأمر بتجارة الرقيق والاستعمار.

صوت إفريقي موحد

تدعو منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة " يونسكو" إلى مسار تعاون دولي بديلا عن الخطوات الأحادية، وترى أن التنسيق مع كيانات إقليمية كالاتحاد الإفريقي قد يُسرّع الإعادة. وعلى المستوى الإفريقي نفسه، يرى خبراء أن غياب إستراتيجية قارّية موحدة يجعل كل ملفّ مطالبة حالة فردية تسهل إدارتها أو تأجيلها، ويُضيّع على القارة ثقل التفاوض الجماعي.

في فاترينتها الأوروبية تبدو البرونزية "أثرا" معزولا عن محيطه؛ في بلدها الأصلي ستصبح جزءا من سردية تُستعاد، ومن هويّة تُرمَّم، ومن علاقة بالتاريخ لا تزال الأمم الإفريقية في طور إعادة تعريفها.

وتتجاوز "برونزيات بنين" مسألة عودة المنهوب؛ فاستعادة الشيء تظلّ ناقصة ما لم تسترد معه سلطة الكلام عنه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار