تتوارث الأجيال السورية في رمضان طقوساً لا تشبه تلك الموجودة في أي بلد آخر، تحمل في تفاصيلها نكهة خاصة تتداخل فيها عبقات البخور مع ألوان الأطباق وأصوات الأهازيج الشعبية. ففي هذا الشهر تتحول الحياة اليومية إلى لوحة فنية متكاملة، تمتزج فيها العبادة بالطقوس الاجتماعية، والقداسة بجو البهجة والفرح.
ورغم اشتراك السوريين في الجوهر الروحي لشهر الصوم، إلا أن كل محافظة، بل وكلّ حيّ، يمتلك بصمته الخاصة التي قد تبدو للبعض "غريبة" أو "طريفة"، لكنها في الحقيقة تعكس عبقرية المكان وتنوّع النسيج الاجتماعي السوري.
هذه البصمة الفريدة تبدأ ملامحها قبل أيام من حلول الشهر، في طقوس استقبال لا تخلو من الغرابة والجمال. وقبل أن يهلّ الهلال، تبدأ حركة غير عادية في الأسواق السورية تُعرف محلياً باسم "حجّة رمضان". هي ليست مجرد تسوّق عادي، بل طقس شرائي جماعي يشبه المهرجان، حيث تشتري العائلات كل ما تحتاجه في الشهر الفضيل.
ومن العادات الغريبة التي لا تزال حاضرة، تزاحمُ العائلات لشراء الأواني النحاسية الجديدة أو تلميع القديمة، اعتقاداً بأن بريق النحاس يجلب البركة للمائدة.
أما في الريف السوري، فكانت هناك عادة أوشكت على الاندثار هي "تبييض الجدران" قبل رمضان بيوم أو اثنين، حيث كانت النساء يجتمعن لطلاء بيوت الحيّ بالجير الأبيض "الكلس"، إيماناً منهن بأن النقاء الخارجي يعكس نقاء النفس في هذا الشهر، تزامناً مع انتشار شراء "الفوانيس" بأشكالها التقليدية.
وبعد أن تمتلئ البيوت بالمؤن وتتزين الجدران، يأتي الصوت الذي لطالما وحّد قلوب السوريين وساعاتهم. فمن أكثر الطقوس شيوعاً وحرصاً على الاستمرار، مدفع رمضان الذي يحمل طابعاً فريداً، حيث كان يطلق تاريخياً من قلعة دمشق، لكنه بعد سقوط نظام بشار الأسد انطلق هذا العام من سفوح جبل قاسيون.
يعود تاريخ هذا الطقس إلى العهدين المملوكي والعثماني، وما يزال الطريف فيه هو التفاعل الشعبي معه؛ فالأطفال يتسابقون لسماع الدوي، فيما يسارع كبار السن لضبط ساعاتهم القديمة عليه، وكأنه صوت الزمن ذاته.
ومع أول أيام الشهر، لا يكتفي السوريون بسماع صوت مدفع الإفطار، بل يبدأون طقساً غذائياً فريداً معروفا بالعامية السورية باسم **"**بدنا نبيّضها" أو "تبييض السفرة". في التقاليد الشعبية الشامية، تُعدّ هذه الفترة - التي توافق الأيام الأولى من رمضان - واحدة من أكثر الطقوس الغذائية غرابة وتميزاً، حيث يخصّص أهل الشام بداية الشهر لطبخ الطعام باللبن بشكل حصري تقريباً.
وتتحول المائدة السورية إلى لوحة بيضاء ناصعة من الأطباق التي يعتبر اللبن مكوّناً أساسياً فيها، في ظاهرة لا تُرى بهذا الحجم في أي مكان آخر، ومن هنا جاءت التسمية الشعبية "بدنا نبيّضها"، أي نجعل طعامنا أبيض باللبن.
تتنوع الأصناف المطبوخة باللبن خلال هذه الأيام تنوعاً لافتاً؛ حيث تتصدر القائمةَ ما يُعرف ب"الشاكرية" السورية، ذلك الطبق الدسم الذي يجمع بين قطع اللحم الطرية واللبن الرائب والثوم والنعناع.
وتليها "الكبة اللبنية" بأنواعها المتعددة، من كبّة المبرومة الشكل إلى كبّة مقلية تُغمس باللبن الساخن، وصولاً إلى "شيخ المحشي" الذي يُعدّ بحشوات مختلفة من اللحم المفروم والصنوبر ثم يُطهى بعناية في اللبن المغلي. كما يحضر "شيش بِرَكْ" بقوة على مائدة "التبييض"، بتلك القطع الصغيرة من العجين المحشو باللحم والمطبوخة باللبن والثوم.
ما يزيد من غرابة هذا الطقس وروعته هو التحضير المسبق له، حيث تشهد محلات اللبن والألبان في الأحياء السورية إقبالاً غير عادي خلال الأيام التي تسبق رمضان، فتحجز العائلات كميات كبيرة من اللبن الرائب والطازج مخصصة حصراً لهذه الأيام الأولى.
وفي بعض الأحياء الدمشقية والحلبية، تتفق العائلات مع بائع اللبن على توصيل كمّيات يومية ثابتة طوال فترة "التبييض"، لضمان استمرار المائدة البيضاء دون انقطاع.
ويرتبط هذا التقليد الشعبي بحكمة غذائية متوارثة، حيث يُعتقد أن البدء بتناول الأطباق الخفيفة المطبوخة باللبن بعد ساعات الصيام الطويلة يساعد المعدة على استعادة نشاطها تدريجياً.
وبعد أن تكون المعدة قد تعوّدت على أطباق اللبن في الأيام الأولى، تتسع المائدة الرمضانية لتشمل تنوعاً مدهشاً في العصائر والحلويات. فلا تكتمل موائد الإفطار بدون مشروبات خاصة، وأهمها "قمر الدين"، و"الجلاّب"، و"التمر هندي"، و"العرقسوس"، إضافة إلى عصائر الفواكه الطازجة.
وتختلف المحافظات السورية في عرض الحلويات؛ ففي حمص تتصدر "التمرية" المشهد، وهي رقائق تحشى بالتمر أو الجبنة وتقلى بالزيت ثم تُغمس بالقطر.
أما في حلب، فإن حلوى "غزل البنات" مع الفستق الحلبي تعتبر أساسية على المائدة. وفي باقي المحافظات، تبدع ربات البيوت في صناعة "المشبك"، و"العوّامة"، و"القطايف"، و"النهش" (رقائق عجين محشوة بالقشطة العربية).
ومن أبرز الحلويات الخاصة برمضان "المعروك" الذي تتشارك فيه السفرة السورية بكل المحافظات، وكان يعتبر سابقاً خبزاً للصائم والفقير يخبز في رمضان حصراً، أما اليوم فتنوعت حشواته بين الكاسترد واللوتس والعجوة والقشطة.
وفي تناقض لافت مع ازدحام المطاعم الشعبية التي تقدم الأطباق الرمضانية التقليدية، تتبع المطاعم الحديثة سلوكاً معاكساً تماماً خلال هذا الشهر. فمن الظواهر الطريفة التي تميز رمضان في المدن السورية، إغلاقٌ أغلب مطاعم الوجبات السريعة الحديثة خلال النصف الأول من الشهر الفضيل.
هذا الإغلاق الموسمي ليس مجرّد توقف عن العمل، بل تحوّل إلى طقس سنوي تنتظره هذه المطاعم لإجراء أعمال الصيانة الشاملة وتجديد الديكورات وتطوير المعدات، استعداداً لاستقبال الزبائن بعد العيد.
فمع قلّة الإقبال على الوجبات السريعة خلال رمضان، حيث تفضل العائلات الإفطار في البيوت أو في المطاعم التقليدية، وجد أصحاب هذه المطاعم في النصف الأول من الشهر فرصة مثالية لإعادة تأهيل محلاتهم.
والطريف في هذه الظاهرة أنها تحوّلت إلى "تقويم زمني" غير مكتوب، فالسوريون يعرفون أن أول 15 يوماً من رمضان تعني إغلاق مطاعم الوجبات السريعة، وأنها ستعاود فتح أبوابها مع اقتراب العيد أو بعد انقضاء الشهر. حتى أن بعض الشباب باتوا يدخرون زياراتهم لهذه المطاعم لما بعد رمضان، في انتظار عودتها بحلتها الجديدة.
ولا يقتصر الكرم على ما تطبخه ربة المنزل، بل يمتد ليشمل الجيران عبر طقس اجتماعي عريق هو "السكبة الرمضانية". تُعد "السكبة" من أرقى التقاليد الاجتماعية في سوريا، وهي عادة تبادل أطباق الطعام بين الجيران، خاصة في ليالي رمضان.
وتبدأ هذه الطقوس قبل أذان المغرب بساعات، حيث تعد كل عائلة طبقاً مميزاً مما تجيد طبخه، وترسله إلى جيرانها عبر الأطفال أو أحد أفراد الأسرة.
ولا تقتصر "السكبة" على الإفطار فقط، بل تمتد لتشمل الحلويات في ليالي العيد، حيث تتبادل العائلات صحون المعمول والكنافة والقطايف. والطريف في هذه العادة أن الأطباق تُعاد إلى أصحابها بعد غسلها وتزيينها بقطعة حلوى أو وردة، كرمز للشكر والامتنان.
وتلعب "السكبة" دوراً اجتماعياً يتجاوز تبادل الطعام، فهي أداة لتقوية العلاقات بين الجيران، وحل الخلافات البسيطة، ودمج الوافدين الجدد في نسيج الحي.
ومن أبرز مظاهر التكافل الاجتماعي التي كانت تميز رمضان السوري، "موائد الرحمن" تلك الموائد العامة التي كانت تمتد في الشوارع والساحات العامة، ليجتمع حولها الصائمون من المارة والعابرين والفقراء على مائدة واحدة، وكأنها وليمة للجميع بلا استثناء.
وكانت الأحياء القديمة تتنافس في إقامتها، وتتبارى العائلات في التبرّع لها بالطعام، فكانت مشهداً يعكس أسمى معاني التآخي والتضامن.
لكن هذه الموائد، مثل كثير من مظاهر الحياة السورية، تغير شكلها في السنوات الأخيرة. فمع الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وتحوّل جزء كبير من المجتمع السوري إلى فئات محتاجة، لم تعد "مائدة الرحمن" كما كانت في الماضي. تحولت في كثير من الأحيان من وليمة عامة يجتمع عليها الناس، إلى سلال غذائية توزع على الأسر المحتاجة بشكل سري.
وما كان في السابق مشهداً بهيجاً يجمع الغني والفقير على طعام واحد، بات اليوم طقساً خلف الأبواب المغلقة، حيث تتولى الجمعيات الخيرية ومبادرات الأحياء توزيع الطرود الغذائية لتصل إلى مستحقيها في بيوتهم. لم يختفِ العطاء، لكن شكله تغير، وطقوسه تبدلت، تاركة فراغاً في المشهد الرمضاني العام.
وبعد أن تمتلئ البطون وتتبادل البيوت الأطباق، تبدأ السهرات الرمضانية إلى وقت متأخر من الليل. ففي سوريا، لا يُعتبر النوم مبكراً في رمضان أمراً مقبولاً اجتماعياً. ولا تزال هذه العادة منتشرة حيث تجتمع العائلات في بيت أكبر أفراد الأسرة سنّا حتى ساعات السحور.
ومع التطور التكنولوجي السريع، غاب "المسحّراتي" عن المشهد الرمضاني بشكل شبه كامل، بعد أن كان لصوتَه بهجة خاصة تملأ الأحياء القديمة. ذلك الرجل الذي كان يجوب الشوارع في الليالي حاملاً طبله الصغير، يهتف بأهازيج شعبية أشهرها "يا نايم وحّد الدايم.. ارحم من نام وهجّد عينيه"، إيذاناً باقتراب وقت السحور.
وكان المسحّراتي الذي يوقظ الناس لموعد السحور شخصا متطوعا في الغالب، يطمع من خلالها في كسب الأجر من الله قبل الناس. لكن مع انتشار المنبهات الإلكترونية والهواتف الذكية، ومع تغير نمط الحياة في المدن الكبرى، اختفى المسحراتي تدريجياً، ولم يعد موجوداً إلا في بعض الأحياء الشعبية القليلة أو في المسلسلات الرمضانية التي تستحضر الماضي.
ومع اقتراب نهاية شهر الصوم، تهدأ نغمة السهرات وتعلو أصوات الاعتكاف في المساجد العتيقة كالجامع الأموي بدمشق والجامع الكبير بحلب. لكن في كل هذه التحولات، تبقى الطقوس الرمضانية السورية عصية على الاندثار؛ فهي ليست مجرد عادات، بل درع معنوي يحمي السوريين من قسوة الواقع الذي يعيشونه.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة