كشفت "الحرب على غزة" الحياة الفكرية المعاصرة وقامت بتعريتها، ليس فقط لأنها شهدت عنفا غير مسبوق أو أعادت رسم خريطة التحالفات في المنطقة، ولكن لأنها وضعت المثقف أمام نفسه، ودفعته للنظر في مرآة ضميره.
في عالم تحكمه السرعة والاستقطاب والتمويل، يبدو الاقتراب من غزة عسكريا أو سياسيا أمرا مبتذلا، والأفضل أن نقترب منها باعتبارها "اختبارا أخلاقيا".
ما كشفته هذه اللحظة يصعب اختصاره في كونه اختلافا في المواقف، أو قصورا في الفهم. إنه تحول أعمق في شروط ممارسة العمل الفكري.
تراجع الدور التقليدي للمثقف، وبدا ضعيفا، يمكن استبعاده، وإقالته، وإغلاق الأبواب والأضواء في وجهه بسبب موقفه. وغاب المثقف عن لحظة لا يصح فيها الغياب، وتشكلت مواقف جماعية أخلاقية لم يتوقع لها أن تتشكل. لم تصنع غزة هذا التحول، لكنها جعلته ظاهرا ومحرجا.
تجلى مفهوم المثقف في الفكر الأوروبي، باعتباره شخصية نقدية تتدخل في الشأن العام من موقع أخلاقي.
وقد صاغ الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر هذا التصور بوضوح حين رأى أن المثقف يتدخل لا بوصفه ممثلا لمعسكر، بل انطلاقا من التزام أخلاقي بمواجهة السلطة وكشف تناقضاتها "ما الأدب؟" (1947).
ويميز سارتر بين الالتزام والانحياز، ويعتبر أن وظيفة المثقف ليست الدفاع عن الإجماع، بل خلخلته، حتى في القضايا التي يتضامن مع أصحابها.
ويوسع المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي هذا التصور من خلال مفهوم "المثقف العضوي" في "دفاتر السجن"، حيث يؤكد أن المثقف جزء من البناء الاجتماعي والصراع التاريخي، لكنه ليس أداة طاعة، بل أداة تعبير، تكشف القوى التي تشكل الواقع بدل إعادة إنتاج رواياته المهيمنة.
أما المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد، فقد قدم في "تمثيلات المثقف" (1994) تعريفا جامعا، حين وصف المثقف باعتباره شخصية تحافظ على مسافة نقدية من الدولة والمؤسسة والإجماع، وتستمد شرعيتها من رفضها خدمة السلطة، حتى حين تتزين بالأخلاق، ومن دفاعها عن المبادئ الكونية بدل الهويات المغلقة.
أجمعت هذه التصورات على فرضية رئيسية، وهي أن المثقف يعمل عبر الدليل والسياق والمعيار الأخلاقي. وتكمن قيمته في التأمل في المعنى، ومقاومة التبسيط، وإعادة فتح الأسئلة التي تسعى السلطة إلى إغلاقها.
لكن هذا النموذج أصبح باهتا قبل "الحرب على غزة" بوقت طويل. فقد لاحظ زيغمونت باومان، في "المشرعون والمفسرون" (1987)، تحول المثقف من موقع "تشريع المعنى" إلى الاكتفاء بتفسيره داخل المجال العام.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات، وفي ظل الهشاشة المؤسسية، أصبح الخطاب الفكري مرتبطا بالظهور الإعلامي، والتمويل، ومخاطر السمعة.
في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023، نشرت مجلة "أرتفورم" (Artforum) رسالة مفتوحة تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة وحماية المدنيين، ووقعها آلاف العاملين في الحقل الثقافي.
لم يتأخر الرد المؤسسي، فبعد أسابيع، وتحت ضغوط داخلية وخارجية، أقيل رئيس تحرير المجلة ديفيد فيلاسكو. غطت نيويورك تايمز والغارديان القضية كأنها اختلاف حول حدود الخطاب المقبول داخل مؤسسة ثقافية كبرى.
وردا على الإقالة، أصدر مئات الفنانين والكتاب بيانا آخر يدين القرار ويتهم المؤسسة بالخضوع لضغوط سياسية. وكشفت هذه الواقعة تحول البيان من أداة تضامن إلى أداة مخاطرة مهنية، حيث لم يعد التوقيع فعلا رمزيا بلا ثمن.
وتكرر الأمر داخل المؤسسات الأدبية، ففي يناير/كانون الثاني 2024، استقال عدد من الأعضاء في منظمة "بين أمريكا" (PEN America) احتجاجا على صياغات مترددة لا ترقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية في التعبير عن موقف المؤسسة تجاه ما يحدث في غزة.
وبينما أكدت المنظمة التزامها بحرية التعبير، برز التوتر بوضوح بين الموقف الأخلاقي والحياد المؤسسي.
إذا كانت البيانات قد كشفت تحول الخطاب إلى موقف، فإن الصمت كشف كلفته. في أواخر عام 2023 وأوائل عام 2024، وثّقت دورية ذا كرونيكل أوف هاير إيدوكاشن (The Chronicle of Higher Education) حالات عديدة لأكاديميين تلقوا تحذيرات إدارية بشأن التعليق العلني على غزة، بذريعة "حماية أمن الحرم الجامعي".
ورأى منتقدون أن هذه التحذيرات تمثل قيودا غير مباشرة على الحرية الأكاديمية.
لم يقتصر الأمر على الجامعات. ففي ألمانيا، حيث يرتبط تمويل الفنون بسياسات الدولة، أُلغيت أو أُجّلت فعاليات ثقافية فقط لأنها تضم أصواتا فلسطينية أو متضامنة معها، كما وثّقت صحيفة ذا غارديان في ديسمبر/كانون الأول 2023. أظهرت هذه الحالات كيف تحدد الأطر المؤسسية من يُسمَع ومن يُقصى.
شكلت اللغة ساحة للصراع خلال الحرب، وجرى تداول مفردات مثل "الدفاع عن النفس" و"الأضرار الجانبية" و"الدروع البشرية"، وهي مصطلحات تحمل حمولة قانونية وأخلاقية تعيد تأطير العنف قبل تحليله.
وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، تدخلت الكاتبة والأكاديمية جوديث بتلر عبر مقالات ومقابلات في صحيفة الغارديان ومجلة لندن ريفيو أوف بوكس، لتحذر من أن الخطاب العام يمنح قيمة غير متساوية للأرواح.
شددت بتلر على أن اللغة تحدد من يرثى علنا ومن يطبع موته، وأن الخطاب السائد يحوّل الموت الفلسطيني إلى أمر عادي، بينما يقدم الموت الإسرائيلي كاستثناء أخلاقي.
واستدعي إطار كتاب "سياسات الموت" (Necropolitics) للأكاديمي الكاميروني أشيل مبيمبي، الذي يشرح كيف تدار السلطة الحديثة عبر التحكم في الموت لا الحياة، في نقاشات أكاديمية أواخر عام 2023.
استخدم هذا المفهوم لتحليل التغطية والتعليق على الحرب على غزة كمثال لمنطق سياسي يقوم بتحويل البشر إلى أرقام ومتغيرات أمنية، ويتيح للغة البيروقراطية أن تتعايش مع الدمار الشامل. وفي المقابل، أعاد بعض المثقفين إنتاج اللغة الرسمية ذاتها باسم الحياد أو التوازن.
وتحذر الفيلسوفة الألمانية الأمريكية الإسرائيلية سوزان نيمان في كتاب "الوضوح الأخلاقي" عام 2008، من أن التفكير الأخلاقي ينهار حين يخلط بين الغموض والتهرب. وخلال حرب غزة، اتخذ هذا الانهيار شكل تسطيح لغوي، حيث عد الوصف الدقيق للمعاناة تحيزا، والتجريد موضوعية.
تكشف هذه الوقائع عن تحول بنيوي في دور المثقف. لم تعد غزة مجرد حدث تنقسم حوله الآراء، ولكنها لحظة تغيرت فيها مواضعات الاعتراف بالعمل الفكري وعواقبه. وبينما تتطلب الضرورة الأخلاقية الوضوح، فإن المساحة المتاحة للتعبير تضيق.
أثبت المثقفون الذين ركزوا على تفكيك اللغة ومقاومة التطبيع الأخلاقي أن النقد لا يزال قادرا على التدخل، وإن بتكلفة عالية، ولم يعد المثقف بطلا فوق الصراع، ولا يستطيع الانسحاب إلى صمت بلا تبعات، لكن ما تفرضه غزة هو دور أشد تواضعا وأصعب، وهو حراسة الأسئلة لا إغلاقها، والتمييز بين التضامن والامتثال.
وكما كتب إدوارد سعيد، ليست مهمة المثقف التوفيق بين التناقضات، بل كشفها. بعد غزة، تبدو هذه المهمة أكثر هشاشة، لكنها أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة