آخر الأخبار

الصوم في رمضان: كيف تتغير مستويات الكوليسترول في جسمك؟

شارك
مصدر الصورة
مدة القراءة: 6 دقائق

بعد ساعاتٍ طويلة من الصيام في رمضان، تتحوّل لحظة أذان المغرب إلى لحظة احتفاءٍ بالطعام.

غير أن بعض العادات الغذائية ونمط الحياة المتغيّر خلال هذا الشهر قد يفرضان تحديات صحية خفية لا ينتبه إليها كثيرون، إذ إنه في خضم هذه الأجواء، قد يتسلّل عامل معقد بهدوء إلى الجسم ويتراكم تدريجيا في الشرايين، من دون أن يطلق إنذاراً واضحاً، حتى يصبح خطراً صامتاً يهدد صحة القلب والأوعية الدموية.

إنه الكوليسترول، ذلك المركّب الدهني الذي لا يمكن للجسم الاستغناء عنه، لكونه ضرورياً لبعض أهم وظائف الجسم، لكن بشرط المحافظة عليه ضمن حدوده الطبيعية. غير أن لهذا المركّب المهم وجهين، أحدهما حارسٌ للقلب، يسهم في تنقية الشرايين ونقل الدهون بعيدًا عنها، والآخر قد يتحول إلى ضيف ثقيل يترسب ببطء على جدران الأوعية الدموية، فيضيّقها ويضع صحة القلب على المحك.

لكن، ما هو الكوليسترول ولماذا يجب أن نقلق من ارتفاع مستوياته وما علاقته بصحة القلب؟

يعرف الكوليسترول بأنه مادة شمعية دهنية توجد في الدم، تُنتج في الكبد بشكل طبيعي، وهو جزء من الغشاء الخارجي لجميع خلايا الجسم ويُستخدم في إنتاج فيتامين دي والهرمونات الستيرويدية التي تحافظ على صحة العظام والأسنان والعضلات، كما يُستخدم في إنتاج العصارة الصفراوية التي تساعد على هضم الدهون التي نتناولها بحسب مؤسسة "بريتيش هارت فاونديشن" وهي أكبر جهة في بريطانيا لتمويل أبحاث أمراض القلب والأوعية الدموية والتي تقدم أيضاً معلومات صحية عامة عن عوامل الخطر للقلب، بما في ذلك الكوليسترول.

وعن وظيفته، يشرح المعهد الوطني للقلب والرئة والدم في الولايات المتحدة، كيفية قيام الدم بنقل الكوليسترول في جميع أنحاء الجسم بواسطة بروتينات تُسمى البروتينات الدهنية. موضحاً نوعين رئيسيين هما: البروتينات الدهنية عالية الكثافة (HDL) التي تنقل الكوليسترول الزائد إلى الكبد ليتم تدويره والتخلص منه عبر الصفراء، والذي يُعرف غالبًا باسم "الكوليسترول الجيد" لأنه يُزيل الكوليسترول من الدم، والنوع الآخر، البروتينات منخفضة الكثافة التي تنقل الكوليسترول من الكبد إلى خلايا الجسم. ويُعرف غالبا باسم "الكوليسترول الضار" لأنه عند ارتفاع مستوياته، قد يتراكم في الشرايين، ما قد يُسبب تضيّقها أو انسدادها، وبالتالي احتمالية الإصابة بنوبة قلبية أو سكتة دماغية.

"لا شيء ثابت"

مصدر الصورة

كثيرون يفترضون أن الصيام يُحسّن من صحة القلب تلقائياً، بصرف النظر عن نوع الطعام الذي يتناولونه بشكل يومي أو كمياته. ومن بينهم شذى أحمد (41 عاماً)، وهي سورية تعيش في العاصمة السعودية الرياض، ولديها أربعة أبناء.

تقول شذى لبي بي سي عربي: "كنت دائماً أظن أن الصيام والجوع ينظفان الجسم من كل ضار، لكن تجربتي الشخصية وما عانيت منه العام الماضي، جعلني أغير رأيي".

وتحكي شذى عن تجربتها مع السمنة: "كنت أشعر بتعب شديد بعد الوجبات، وفي رمضان كان التعب يتضاعف، علمت لاحقاً بعد زيارة الطبيب أن مستوى الكوليسترول الضار (LDL) مرتفع لدي، وأخبرتني الطبيبة وقتها أنه إذا لم أتخذ إجراء وقائيا، فقد أصاب بأحد أمراض القلب خلال السنوات العشر القادمة من حياتي".

كانت تلك العبارة بمثابة صحوة وصدمة بالنسبة لشذى، حسب وصفها، ومنذ العام الفائت، بدأت بتغيير نمط حياتها جذريا على حد تعبيرها، وخسرت 20 كيلو غراماً من وزنها عن طريق الحمية الغذائية والرياضة.

البروفسور البريطاني كاوسيك راي، المتخصص في الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية والكوليسترول والدهون، في كلية إمبريال كوليدج في المملكة المتحدة، والذي تنشر أبحاثه في عدد من الدوريات العلمية مثل مجلة نيو إنجلاند الطبية، يشرح لبي بي سي عربي عن التغيرات التي تطرأ على الجسم على مدار اليوم: "ببساطة، لا شيء ثابت، الجسم لا يبقى على حالٍ واحد خلال اليوم، فمستويات السكر والدهون وغيرها ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً أخرى بشكل طبيعي ومستمر. وقد تتحسّن بعض هذه المؤشرات في نهاية فترة الصيام. لكن بعد تناول الطعام، قد تحدث تغيّرات تعاكس هذا التحسّن، بحيث لا تكون النتيجة النهائية المرجوة، مفيدة كما يظن بعضهم. فقد يخسر الشخص بعض الوزن مثلًا، إلا أن ذلك قد يترافق مع تغيّرات أخرى تقلّل من الأثر الإيجابي".

ويشرح راي العملية بقوله: "إذا أخذت عينات دم كل أربع إلى ست ساعات، فستلاحظ أن مستويات الكوليسترول تتأثر بعدة عوامل، مثل حالة الصيام أو التغذية، والخلفية الجينية، ومعدل إنتاج الكوليسترول في الجسم وقدرة الجسم على تصفيته. ومع نهاية فترة الصيام قد يُلاحظ تحسن يتمثل في انخفاض الأرقام والنسب. لكن عند تناول كميات كبيرة من الأطعمة الغنية بالدهون، قد يعتقد الكبد أن لديه ما يكفي من الكوليسترول، فيقلّل من إنتاج مستقبلات الكوليسترول الضار (LDL) ونتيجة لذلك تقل قدرة الكبد على سحب هذا الكوليسترول من الدم، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوياته لدى بعض الأشخاص".

مصدر الصورة

كيف نحافظ على الكوليسترول طبيعياً أثناء الصوم؟

قد يتبادر إلى الأذهان سؤال مهم: هل يؤثر توقيت الوجبات المتأخر في شهر رمضان، بعد ساعات طويلة من الصيام، في استقلاب الدهون أو في زيادة تخزينها في الجسم؟ وخاصة إذا بدأ الطعام بتناول الأطعمة المقلية والمشروبات السكرية.

الحقيقة أن تناول وجبة دسمة "قد يرفع مستوى الدهون الثلاثية في الدم بعد الوجبة، لكن مستويات الكوليسترول في الدم تتأثر بالنظام الغذائي على المدى الطويل أكثر من تأثرها المباشر بعد الوجبات، ولكن الاستهلاك المنتظم لكميات كبيرة من الأطعمة الدهنية والسكرية قد يرفع مستويات الكوليسترول في الدم مع مرور الوقت" وفقاً لخبيرة التغذية بريدجيت بينلام، في المؤسسة البريطانية للتغذية.

لكن، كيف ينبغي التحكم في أحجام الحصص الغذائية وأنواعها عند زيادة الشهية؟ وما هي الأطعمة الجيدة للبدء بها بعد يوم طويل من الصيام؟

تقول بينلام: " يفضل أن يتكون الإفطار من أطعمة غنية بالماء وقليلة السعرات الحرارية، لأنها توفر الترطيب والعناصر الغذائية اللازمة للجسم دون الإفراط في تناول الدهون والسكريات. وتُعد الفواكه الطازجة وأنواع السلطات والحساء والأطعمة الغنية بالألياف مثل العدس والحمص والفول، خيارات مثالية للمساعدة على خفض الكوليسترول في الدم دون أن ننسى أهمية بعض التمارين الهوائية المعتدلة كالمشي بعد الإفطار مثلاً. وفي المقابل، يُنصح بالتقليل من تناول المشروبات السكرية والأطعمة المقلية، واللحوم الدهنية وأنواع المعجنات والحلويات الغنية بالسكر والدهون".

تقول شذى إنها كانت تُكثر من المقليات والأطباق المتعددة والحلويات على مائدتها الرمضانية، ظناً منها أنها تقدم الأفضل لأبنائها، لكن بعد ارتفاع الكوليسترول لديها، بدأت تفكر بمستقبل أبنائها وصحتهم، فقررت تغيير عاداتها الغذائية، ليس من أجلها فقط، بل لتكون قدوة لأبنائها في اختيار طعام صحي ومتوازن، وهو ما عززته بمتابعة محتوى أطباء على مواقع التواصل الاجتماعي.

عوامل الخطر المرتبطة بالكوليسترول

قد يكون "ارتفاع الكوليسترول وراثياً، لكنه غالبا يكون نتيجة لنمط حياة غير صحي، مثل الخمول البدني والتدخين والنظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة والمتحولة والسكر والنشويات، التي تزيد من الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية" وفقاً للاتحاد العالمي للقلب (WHF)، وهو منظمة دولية رئيسية في مجال صحة القلب والأوعية الدموية ومقرها في جنيف بسويسرا.

وبحسب المنظمة، فإن ممارسة النشاط البدني بانتظام والإقلاع عن التدخين واتباع نظام غذائي جيد، يقلل من الكوليسترول الضار، و يرفع الجيد منه.

لكن في بعض الحالات، قد يرتفع الكوليسترول لدى بعضهم على الرغم من قلة تناول الأطعمة المشبعة بالدهون أو السكريات، كما تحدثت حنان محمد إلى بي بي سي نيوز عربي، وهي امرأة في أواخر الخمسينات من عمرها، تعيش مع زوجها السبعيني في مدينة حلب السورية.

تقول حنان: "بدأت بتناول بعض الأدوية التي وصفها لي الطبيب بسبب ارتفاع الكوليسترول لدي، رغم أنني لا أتناول الكثير من الأطعمة الغنية بالدهون كاللحوم أو الغنية بالسكر كالحلويات التقليدية الموجودة في الحي، بل أعتمد على البرغل والخبز والمعكرونة والأرز والخضروات لأنني بكل الأحوال لا أستطيع شراء تلك الأطعمة بسبب ارتفاع الأسعار".

وفي هذا السياق، يقول ديفيد جينكينز، الأستاذ في قسمي علوم التغذية والطب في كلية تيمرتي للطب بجامعة تورنتو والتي نشرت مجلة "نيو إنجلاند الطبية" إحدى الدراسات التي قادها مؤكداً من خلالها "أن استهلاك كميات كبيرة من الكربوهيدرات منخفضة الجودة يمثل مشكلة عالمية ويزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة".

ويذكر البروفسور في دراسته "أن الخبز الأبيض والأرز وبعض أنواع البطاطا تحتوي على مؤشر جلايسيمي مرتفع، بينما تتميز معظم الفواكه والخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة بمؤشر جلايسيمي منخفض".

وبين أطباق رمضان المتنوعة، قد يبدو الكوليسترول أحياناً صديقاً يؤدي دوراً أساسياً في وظائف الجسم، وأحياناً أخرى عدواً غير ملحوظ يتسلل إلى الشرايين ببطء. لكن الفارق بين الوجهين كما بيّن الخبراء، لا يصنعه الصيام وحده، بل ما نضعه في أطباقنا بعد ساعات الجوع الطويلة.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار