الحديث الداخلي ليس ظاهرة غريبة أو مرضية، بل هو وظيفة طبيعية للدماغ. نحن نستخدم اللغة داخلياً لتنظيم سلوكنا، واتخاذ القرارات، وتصحيح الأخطاء، وضبط انفعالاتنا. دراسات في علم النفس المعرفي وتصوير الدماغ أظهرت أن مناطق في القشرة الجبهية الأمامية تنشط أثناء الحديث الذاتي، وهي المنطقة المسؤولة عن التخطيط والتحكم
دراسة طويلة المدى أجراها باحثون في "كلية لندن الجامعية” ونُشرت نتائجها في المجلة العلمية المحكمة Frontiers in Psychology، وهي مجلة دولية متخصصة في أبحاث علم النفس. تابعت أكثر من 360 شخصاً تجاوزوا الخامسة والخمسين، وقدمت معطيات مثيرة للانتباه. المشاركون الذين أظهروا ميلاً دائماً للاجترار والقلق المستمر على مدى سنوات، سجّلوا تراجعاً في الذاكرة والمرونة المعرفية – أي القدرة على الانتقال بين المهام والأفكار – إضافة إلى ضعف نسبي في المهارات اللغوية. والأكثر حساسية أن فحوصات الدماغ لدى بعضهم أظهرت ترسّبات بروتينية تُعتبر من المؤشرات المرتبطة بأمراض تنكسية مثل الزهايمر. الدراسة لا تثبت علاقة سببية مباشرة، لكنها تشير إلى ارتباط واضح بين التفكير السلبي المزمن وتدهور معرفي قابل للقياس.
كيف يمكن للفكرة أن تترك أثراً بيولوجياً؟ يطرح علماء الأعصاب عدة تفسيرات محتملة. أولها أن الاجترار يحافظ على الجسم في حالة توتر مزمن، ما يؤدي إلى ارتفاع مستمر في هرمون الكورتيزول.
الآلية المحتملة يشرحها باحثون في علم الأعصاب عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
1. التوتر المزمن: الاجترار يزيد من إفراز هرمون الكورتيزول لفترات طويلة. ارتفاع الكورتيزول المزمن يرتبط بضمور في الحُصين، وهو مركز رئيسي للذاكرة.
2. الإرهاق العصبي: إعادة تشغيل الأفكار السلبية تستنزف الموارد التنفيذية في القشرة الجبهية الأمامية، ما يضعف القدرة على التحكم والانتباه.
3. الالتهاب منخفض الدرجة: التوتر المستمر قد يعزز عمليات التهابية خفيفة مرتبطة بأمراض مزمنة، بما في ذلك أمراض الدماغ.
الدماغ يميل إلى تصديق ما يتكرر. ومع التكرار، تتحول الفكرة إلى قناعة، ثم إلى نمط استجابة عصبية شبه تلقائي.
اللافت أن كثيرين يتعاملون مع أنفسهم بنبرة قاسية لا يمكن أن يستخدموها مع صديق مقرّب. من منظور نفسي، يُفسَّر ذلك بأن الصوت الداخلي غالباً ما يكون امتداداً لأصوات سلطوية من الماضي، مثل الأهل أو المعلمين، وقد تم "استبطانها” لتصبح جزءاً من بنية الذات. ومع التكرار، يعتاد الدماغ هذا النمط ويبدأ في التعامل معه كحقيقة مطلقة.
ويقول العلماء أن دماغنا يصغي إلى الطريقة التي نخاطب بها أنفسنا. الكلمات الصامتة ليست بلا أثر، والتكرار يصنع نمطاً عصبياً بمرور الوقت. ربما يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كنا نخطئ، بل كيف نتحدث مع أنفسنا بعد الخطأ. في هذا الحوار الداخلي، قد يتحدد الكثير مما سيبقى معنا – نفسياً ومعرفياً – على المدى الطويل.
التحول لا يحتاج إلى ثورة داخلية. أحياناً يكفي تعديل صغير في الصياغة:
بدلاً من: "أنا فاشل"
يمكن قول: "لم أوفَّق هذه المرة"
بدلاً من: "لن أنجح أبداً"
يمكن قول: "لم أجد الطريقة بعد"
هذه التغييرات لا تبدل الواقع، لكنها تغير طريقة تعاملنا معه.
العلم لا يقول إن فكرة سلبية ستدمر دماغك. لكنه يشير بوضوح إلى أن التفكير السلبي المزمن ليس مسألة نفسية عابرة، بل نمط قد يرتبط بتأثيرات معرفية وبيولوجية. ربما يكون أبسط اختبار هو هذا السؤال:
هل حديثي مع نفسي يساعدني على الفهم والحل، أم يضعني في دائرة مغلقة من اللوم؟ الدماغ يصغي… والكلمات، حتى الصامتة منها، تترك أثراً.
المصدر:
DW