في الطابق العلوي من المتحف المصري الكبير بالقاهرة، قد تمر سريعا أمام مجموعة صغيرة من نماذج طينية لبيوت مصغرة. لكنها ليست مجرد قطع أثرية، إنها مفاتيح لفهم واحدة من أعمق أفكار المصري القديم عن الموت والخلود.
هنا يظهر ما يعرف بـ"مساكن الروح" (Soul Houses) وهي بيوت لم تبن للأحياء، بل خصصت لروح المتوفى كي تواصل حياتها بعد الرحيل وكأن البيت ظل قائما حتى بعد الموت. هذه القطع تحكي قصة إنسان لم يشأ أن تنقطع صلته ببيته، بالهواء والماء والظل والحديقة، حتى وهو في العالم الآخر.
"مساكن الروح" هي نماذج طينية أو فخارية صغيرة تشبه المنازل الحقيقية، وضعت فوق القبور أو داخلها، وظهرت بكثافة في الدولة الوسطى مع جذور أقدم تعود لما قبلها.
لم تكن هذه النماذج مجرد زخرفة، بل صممت لتكون:
المصري القديم كان يؤمن أن الروح تحتاج إلى بيت ومستقر كما في الدنيا فحمل ملامح بيته اليومي -بفنائه وسطحه وسلّمه وأبوابه- إلى نموذج صغير يرافقه إلى الأبد.
اللافت في هذه النماذج أنها لا تكتفي بفكرة "الجدار والباب"، بل تسجل "تفاصيل معمارية دقيقة" كأنها تصميم هندسي مصغر:
بهذه التفاصيل تمنح "مساكن الروح" الباحثين رؤية نادرة للعمارة السكنية المفقودة، فهذه النماذج أصبحت "وثائق هندسية مصغرة" لا تقل أهمية عن كونها تحفا أثرية.
أحد أبرز النماذج، وفق موقع المتحف المصري، يعود إلى مقبرة الوزير الشهير "مِكتِر (TT280)" في طيبة الغربية.
هذا النموذج لا يكتفي بتمثيل البيت، بل يقدم مشهدا متكاملا:
هنا ترى "جنة بيتية" كما تخيلها المصري القديم لروحه من ماء وظل وشجر وبيت آمن يستمر بعد الموت. لا تقدم "مساكن الروح" مجرد صورة عن الآخرة، بل تحفظ صورة للحياة اليومية كما عاشها أصحابها.
تشير الدراسات إلى أن "مساكن الروح" تطورت مع مرور الوقت من "صواني القرابين الفخارية"، التي كانت توضع على مداخل المقابر وتحمل أشكالا مبسطة للأكواخ وقنوات المياه وقطع الخبز، إلى نماذج معقدة تمثل بيتا بفناء وسلم وربما بطابق ثان مع استمرار وجود مساحة للقرابين في الفناء الأمامي.
هكذا اندمج "الفعل الديني بالفضاء المعماري" فأصبح البيت امتدادا للمشهد الطقسي ومسرحا لتواصل الأحياء مع المتوفى.
الأثريون يرون أن "مساكن الروح" أدت أدوارا متكاملة:
هذه الأدوار ليست متناقضة، بل تكمل بعضها حيث العقيدة والروتين العملي في نموذج صغير من الطين.
إلى جانب رمزيتها الدينية، تقدم "مساكن الروح" اليوم "كنزا" علميا:
إنها "رسوم تنفيذية مصغرة" لبيوت من عصر الدولة الوسطى حُفظت لأنها سكنت الروح كما سكنت الجسد.
ليست "مساكن الروح" مجرد تحف جميلة، إنها "مرآة لرغبة إنسانية عميقة" في الاستمرارية والانتماء والشعور بالأمان بعد الموت.
المصري القديم بنى معابد ضخمة وصروحا شاهقة لكنه حرص على أن يكون للروح بيت صغير عميق المعنى يعرف فناءه وسلمه وحديقته وبحيرته.
وعندما تقف اليوم أمام هذه النماذج الطينية في المتحف ستكتشف أن ما يجمعك بذلك الإنسان القديم ليس فقط الإعجاب بالحضارة، بل "حاجة مشتركة بسيطة وعميقة" تقول بهدوء "أن يكون لنا، في الدنيا أو بعدها، مكان نسميه: هذا بيتي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة