روبوتات متناهية الصغر تتحرك بلا بطاريات أو محركات.. السر في الموجات الصوتية
ماذا يحدث عندما يصبح الجهاز صغيرًا إلى درجة لا يتبقى معها أي مساحة لبطارية أو محرك؟ توصل علماء إلى طريقة مبتكرة لتزويد الأجهزة و الروبوتات بالقدرة على الحركة، من خلال الاعتماد على الصوت بدلًا من البطاريات والمحركات التقليدية.
يتجه عالم التكنولوجيا بشكل متزايد إلى تصغير حجم المكونات والأجهزة الإلكترونية، إذ يمكن للعديد من القطاعات، بدءًا من الطب ووصولًا إلى صناعات الطيران والأمن، الاستفادة من أجهزة أصغر وأكثر مرونة.
لكن تقليص حجم الأجهزة يفرض تحديًا جديدًا: ماذا لو أصبح الجهاز صغيرًا للغاية بحيث لا توجد مساحة كافية لتركيب بطارية أو محرك أو المكونات الميكانيكية اللازمة لتحريكه؟
وفي الآونة الأخيرة، ظهرت تقنيات مبتكرة لشحن الطائرات المسيّرة عن بُعد، من بينها توجيه أشعة الليزر نحو بطارية موجودة على الطائرة.
ورغم أن هذه التقنية تبدو متقدمة، فإنها لا تحل المشكلة بالكامل بالنسبة إلى الأجهزة متناهية الصغر، لأنها لا تزال تتطلب وجود بطارية مدمجة أو مكونات لتخزين الطاقة، بحسب تقرير نشره موقع "newatlas" واطلعت عليه "العربية Business".
وهنا حاول الباحثون في مختبر MicroBioRobotic Systems (MICROBS) التابع لكلية الهندسة في EPFL إيجاد حل مختلف، وكانت الإجابة تعتمد على عنصر بسيط لكنه مثير للاهتمام: الصوت.
الرنين الصوتي يحول الصوت إلى قوة دفع
لا يتعلق الأمر بأي صوت عشوائي، بل بظاهرة فيزيائية تعرف باسم رنين هلمهولتز (Helmholtz resonance).
وبطريقة مبسطة، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة عند النفخ عبر عنق زجاجة، إذ يهتز الهواء المحبوس داخل الزجاجة بقوة عند تردد معين، وهو ما ينتج عنه الصوت الرنان أو الطنين الذي نسمعه.
وتُعد الزجاجة مثالًا لما يسميه العلماء التجويف الصوتي (Acoustic cavity)، وهو في الأساس أي هيكل مجوف يمكن أن يكون دائريًا أو على شكل جرس، ويمكن تصنيعه من البلاستيك المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد، أو الزجاج، أو البوليمرات المرنة الشبيهة بالمطاط.
وعندما تتسبب الموجات الصوتية في اهتزاز الهواء المحبوس داخل هذا التجويف، ينشأ تيار هوائي مركز يخرج من التجويف.
وفي المقابل، يكون الهواء العائد إلى الداخل أكثر انتشارًا من الهواء الخارج، وينتج عن هذا الاختلاف قوة دفع أو دفع نفاث يمكن استخدامها لتحريك جسم صغير.
الصوت لا يدفع الروبوت.. بل يزوده بالطاقة للحركة
ليست هذه المرة الأولى التي يستخدم فيها العلماء الصوت لتحريك الأشياء، إذ يعرف الباحثون منذ سنوات كيفية استخدام الموجات الصوتية في جعل الأجسام تحلق أو ترتفع في الهواء.
لكن هناك فرقًا جوهريًا في التقنية الجديدة.
في التجارب السابقة، كانت الأجسام السلبية تعتمد على موجات صوتية خارجية تعمل على دفعها بشكل مباشر. أما في البحث الجديد، فقد طور العلماء طريقة للاستفادة من الطاقة الصوتية المحيطة وتحويلها إلى قوة دفع ميكانيكية، بحيث يصبح الصوت نفسه مصدرًا للحركة.
وقال سلمان ساكار، رئيس المختبر: "بدلًا من دفع الأجهزة بالموجات الصوتية، أنشأنا رنانات صوتية مضبوطة للاستفادة من الصوت عند ترددات محددة وتوليد قوة دفع موجهة وحركة يمكن التحكم فيها".
قوارب صغيرة تتحرك بتغيير تردد الصوت
لاختبار الفكرة، صنع الباحثون في البداية قوارب متناهية الصغر، وزودوا كل قارب بثلاثة تجاويف صوتية، بحيث يكون كل تجويف مضبوطًا على تردد مختلف.
وأتاح هذا التصميم للباحثين تشغيل تجاويف مختلفة بمجرد تغيير تردد الصوت، وهو ما مكّنهم من دفع القارب في اتجاه محدد.
وبذلك لم يعد الصوت مجرد مصدر خارجي يدفع الجسم، بل أصبح بالإمكان استخدام الترددات المختلفة للتحكم في اتجاه الحركة.
طائرات متناهية الصغر تزن 150 ميكروغرامًا
لم تتوقف التجارب عند القوارب الصغيرة، إذ طور الفريق أيضًا ما يعرف باسم Microfliers، وهي طائرات مسيّرة شديدة الخفة والصغر، يصل وزن بعضها إلى 150 ميكروغرامًا فقط.
وزُودت كل واحدة من هذه الطائرات بثلاثة تجاويف مجهرية، وتم تشغيلها باستخدام ترددات فوق صوتية، أي ترددات مرتفعة للغاية لا تستطيع الأذن البشرية سماعها.
وبفضل هذه التقنية، تمكنت الطائرات الصغيرة من التحرك إلى الأمام دون الحاجة إلى بطارية أو محرك تقليدي بالحجم المعتاد.
قوة كافية لتدوير شفرات بسرعة 13 ألف دورة في الدقيقة
اختبر الباحثون أيضًا تصميمًا آخر يجمع بين التجاويف الصوتية وشفرات مروحة صغيرة للغاية.
وأظهرت التجارب أن التجاويف قادرة على توليد قوة كافية لتدوير الشفرات بسرعة تصل إلى 13 ألف دورة في الدقيقة، وهو معدل مرتفع بالنسبة إلى نظام بهذا الحجم.
وللمقارنة، يمكن لمراوح الطائرات المسيّرة التقليدية أن تدور بسرعات تصل إلى عدة آلاف من الدورات في الدقيقة.
وتكشف هذه النتائج أن ظاهرة الرنين الصوتي يمكن استغلالها ليس فقط لتحريك الأجسام مباشرة، وإنما أيضًا لتشغيل مكونات ميكانيكية صغيرة جدًا.
مستقبل للأجهزة التي لا تحتاج إلى بطاريات أو محركات
قد تفتح هذه التقنية الباب أمام تطوير أجهزة وروبوتات متناهية الصغر يمكنها العمل دون بطاريات أو محركات تقليدية.
كما يمكن أن تتيح مستقبلًا تصميم أجهزة مرنة تحتوي على مجموعة من الهياكل المستجيبة للصوت، بحيث يمكن تنشيط أجزاء مختلفة منها باستخدام ترددات صوتية مختلفة، ما يسمح لكل جزء بالحركة بشكل مستقل.
وبذلك قد يتحول الصوت من مجرد وسيلة لنقل المعلومات أو إصدار التنبيهات إلى مصدر عملي للطاقة الميكانيكية في عالم الروبوتات والأجهزة متناهية الصغر، خصوصًا في الحالات التي يصبح فيها تركيب بطارية أو محرك داخل الجهاز أمرًا مستحيلًا بسبب محدودية المساحة.