آخر الأخبار

من إنترنت الأشياء إلى الأجساد.. عندما تصبح التكنولوجيا جزءا من جهازك العصبي

شارك

منذ عقود، كانت العلاقة بين الإنسان والآلة علاقة استخدام تنتهي بمجرد وضع الهاتف جانبا أو إغلاق الحاسوب، أما اليوم فنحن نشهد تحولا جذريا ينتقل فيه العالم من "إنترنت الأشياء" (Internet of Things) حيث تتواصل الجمادات، إلى "إنترنت الأجساد" (Internet of Bodies) حيث تستأصل المسافة بين النسيج الحيوي والترميز الرقمي.

فربط أجهزتنا الحيوية بالسحابة ليس مجرد تطور تقني في وسائل الرعاية الصحية، بل هو إعلان عن حقبة "الإنسان المترابط"، حيث يتحول النبض، والنفس، وحتى الموجة الدماغية إلى بيانات رقمية تتدفق عبر الخوادم العالمية.

وهذا الاندماج يضعنا أمام مفارقة وجودية غير مسبوقة، فبينما يعدنا هذا الربط السحابي بحياة أطول وقدرات بدنية وعقلية تتجاوز حدودنا الطبيعية، فإنه يفتح أبواب أجسادنا لأول مرة أمام مخاطر الاختراق السيبراني وفقدان الخصوصية البيولوجية.

مصدر الصورة الربط السحابي يثير مخاوف كبرى بشأن الخصوصية البيولوجية، حيث تصبح أسرار الجسد العميقة مخزنة على خوادم الشركات (آبل)

مفهوم إنترنت الأجساد (IoB)

تعرف ظاهرة "إنترنت الأجساد" بأنها المرحلة المتطورة من إنترنت الأشياء (IoT)، حيث تصبح الأجهزة مرتبطة مباشرة بجسم الإنسان لجمع بياناته الحيوية أو تعديل وظائفه الفسيولوجية، ووفقا لتقرير مؤسسة "راند" الأمريكية، فإن هذا النظام يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية، وهي: جهاز متصل بالجسم، وشبكة لنقل البيانات (السحابة)، وقاعدة بيانات تحليلية قادرة على اتخاذ قرارات طبية أو سلوكية بناء على المعلومات الواردة.

مستويات الاندماج التقني

يصنف المنتدى الاقتصادي العالمي أجهزة إنترنت الأجساد إلى 3 مستويات متصاعدة. حيث يبدأ المستوى الأول بالأجهزة "الخارجية" مثل الساعات الذكية التي تراقب نبضات القلب ونشاط النوم.

وينتقل المستوى الثاني إلى الأجهزة "الداخلية" التي تزرع جراحيا مثل منظمات القلب ومضخات الأنسولين الذكية.

إعلان

أما المستوى الثالث والأكثر تعقيدا فهو الأجهزة "المدمجة بعمق" مثل واجهات الدماغ والحاسوب (BCI) التي تهدف إلى تحقيق اتصال مباشر بين الجهاز العصبي والذكاء الاصطناعي، كما نرى في تجارب شركة نيورالينك الأمريكية.

الوعود الطبية والفوائد الحيوية

تشير الدراسات المنشورة في دورية ذا لانسيت (The Lancet) البريطانية الطبية إلى أن ربط الأجساد بالسحابة يفتح عصرا جديدا من "الطب الدقيق". وتكمن القوة هنا في الانتقال من العلاج بعد وقوع المرض إلى "التنبؤ الوقائي"، حيث يمكن للسحابة تحليل البيانات اللحظية للمريض وإرسال تنبيهات للطوارئ قبل وقوع جلطة قلبية أو نوبة صرع بوقت كاف.

كما تتيح هذه التقنيات للمصابين بأمراض مزمنة العيش بحرية أكبر، حيث تقوم الأنظمة السحابية بإدارة الجرعات الدوائية تلقائيا بناء على حاجة الجسم الفعلية.

المخاطر السيبرانية والتهديدات الأمنية

من الناحية الأمنية، حذر خبراء في وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) الأمريكية من أن تحويل الأجساد إلى أجهزة متصلة يخلق "مساحة هجوم" جديدة وخطيرة.

فالاختراق هنا لا يعني فقدان بيانات مالية فحسب، بل قد يعني السيطرة على أجهزة طبية حيوية، مما يفتح الباب أمام ما يعرف بـ "القتل السيبراني". بالإضافة إلى ذلك، فإن البيانات البيومترية مثل الأنماط الجينية أو العصبية هي بيانات أبدية، وإذا سربت من السحابة، لا يمكن للمستخدم "تغييرها" كما يغير كلمة المرور، مما يجعل سرقة الهوية البيولوجية خطرا مستداما.

مصدر الصورة اختراق إنترنت الأجساد والسيطرة على أجهزة طبية حيوية في الجسم يفتح الباب أمام ما يعرف بـ"القتل السيبراني" (شترستوك)

المعضلات الأخلاقية والخصوصية العصبية

تطرح جامعة أوكسفورد والعديد من مراكز الأخلاقيات الحيوية تساؤلات حول "ملكية الجسد الرقمي"، فبمجرد رفع بياناتك الحيوية إلى السحابة، يصبح من الصعب تحديد من يملك هذه المعلومات، هل هو الشخص، أم الشركة المصنعة للجهاز، أم مزود الخدمة السحابية؟>

كما يبرز مصطلح "الخصوصية العصبية" مع تطور شرائح الدماغ، حيث يخشى الحقوقيون من إمكانية مراقبة الأفكار أو العواطف أو حتى التأثير عليها من قبل أطراف خارجية، مما يهدد مفهوم الإرادة الحرة.

الاستعداد التشريعي والفجوة التنظيمية

رغم التسارع التقني، يؤكد الخبراء القانونيون أن التشريعات العالمية، مثل قانون حماية البيانات العام (GDPR) في أوروبا، لا تزال تفتقر إلى نصوص صريحة تتعلق بـ "الأجساد المتصلة".

فهناك حاجة ملحة لتعريف "الحقوق البيومترية" وضمان عدم استخدام هذه البيانات من قبل شركات التأمين أو أصحاب العمل للتمييز ضد الأفراد بناء على استعدادهم الوراثي أو حالتهم الصحية اللحظية. والاستعداد للربط بالسحابة يتطلب إطارا قانونيا يحمي "السيادة على الجسد" قبل التوسع في نشر هذه التقنيات.

ولذلك يقول الخبراء، إن الانتقال من "أشياء نملكها" إلى "أجساد نربطها" يمثل نقطة اللاعودة في تطورنا الحضاري. وإن "إنترنت الأجساد" ليس مجرد ترقية تقنية، بل هو إعادة صياغة للعقد الاجتماعي بين الإنسان والآلة، فالسحابة التي ستحمل بيانات قلوبنا وعقولنا قد تكون المنقذ الذي يمنحنا حياة أطول وأكثر ذكاء، لكنها في الوقت ذاته قد تصبح القيد الذي يسلبنا آخر معاقل خصوصيتنا، أجسادنا من الداخل.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار