في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة للتواصل، بل تحول إلى فاتورة متنقلة، فبعد عقد من الرفاهية الرقمية التي غذتها أموال المستثمرين، استيقظ المستخدمون على واقع جديد، فأصبحت كل ميزة، مهما صغرت، لها ثمن شهري. هذا التحول ليس عشوائيا، بل هو نتيجة تقاطع أزمات اقتصادية وثورات تقنية غيرت قواعد اللعبة للأبد.
ففي جلسة مثيرة للجدل شهدتها قمة الويب قطر 2026، وصف الخبراء الوضع الحالي بـ"الإقطاع الرقمي" (Digital Feudalism) حيث لم يعد المستخدم يمتلك برمجياته، بل صار "قنا" تقنيا يدفع إيجارا شهريا مقابل حق الوصول إلى أدواته الأساسية.
كما أكد المتحدثون في القمة أن الشركات لم تعد تكتفي ببيع الخدمة، بل تبيع الاستمرارية، فبدون اشتراك، يتوقف عملك، وتقفل ملفاتك، وتختفي هويتك الرقمية.
وعليه، أجمع المستثمرون على أن زمن حرق الأموال لجذب المستخدمين انتهى.أما الآن، فالربحية الفورية هي المعيار الوحيد لنجاح أي تطبيق ناشئ.
أحد أكبر أسباب غلاء التطبيقات هذا العام هو التبني الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي. ففي السابق، كانت تكلفة معالجة بيانات المستخدم شبه معدومة، أما اليوم، فكل طلب تطرحه على تطبيقك المفضل يتطلب قوة حوسبية هائلة في مراكز البيانات.
هذا الأمر يزيد في تكلفة الحوسبة، حيث تشير التقارير الصادرة عن القمة إلى أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة يكلف الشركات مليارات الدولارات سنويا، وهي تكاليف يتم تمريرها مباشرة للمستهلك عبر باقات "برو" (Pro) و"ماكس" (Max).
ولسنوات، دفع المستخدمون ثمن التطبيقات من "بياناتهم"، ومع ذلك، في عام 2026، وبفضل قوانين الخصوصية الصارمة مثل تحديثات "أبل" و"جي دي بي آر" (GDPR)، تراجعت أرباح الإعلانات الموجهة بشكل كبير.
ولتعويض خسائر سوق الإعلانات، انتقلت شركات مثل "ميتا" وغيرها إلى نموذج "الاشتراك مقابل الخصوصية" أو "الاشتراك لإزالة الإعلانات". ويذلك أصبح المستخدم الآن مخيرا بين أن يكون "منتجا" يباع، أو "عميلا" يدفع.
وصل كثير من المستخدمين إلى مرحلة الإرهاق الرقمي، فالتطبيق الذي كان يقدم ميزاته بحزمة واحدة بـ 5 دولارات، قام بتجزئتها الآن إلى 3 اشتراكات مختلفة. وهذا التجزؤ يهدف إلى تعظيم القيمة الدائمة للمستخدم "إل تي في" (LTV). فأصبح يدفع ثمن الراحة، لكنه في الحقيقة يدفع ثمن "التبعية"، فالشركات تراهن على أنك لن تتحمل عناء البحث عن بدائل أو نقل بياناتك إلى منصة أخرى.
ولذلك طرحت القمة حلولا لمواجهة هذا التوحش السعري، أبرزها:
وعليه يمكن القول بأن المستخدمين لا يدفعون ثمن "الراحة" فقط، بل ثمن صيانة البنية التحتية الضخمة التي تطلبها الحياة الرقمية المعقدة. فيما، أصبح "الوعي المالي الرقمي" اليوم مهارة أساسية للبقاء، تماما مثل التخطيط لميزانية الغذاء والمسكن.
فالعصر الذهبي للرفاهية المدعومة من قبل الرأسمالية الجريئة قد انتهى، وبدأ عصر الفاتورة الحقيقية، والمستخدم اليوم مطالب بأن يكون أكثر ذكاء في إدارة اشتراكاته، وأكثر وعيا بقيمة البيانات والخصوصية التي يمنحها لهذه التطبيقات. والرابح الوحيد في المرحلة القادمة هو من يتقن فن الانتقاء الرقمي في عالم لم يعد يعترف بكلمة "مجانا".
المصدر:
الجزيرة