في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في عام 964 للميلاد، جلس الفلكي عبد الرحمن الصوفي في أصفهان يُتم واحدا من أهم كتب الرصد في التاريخ، "صور الكواكب الثابتة"، وصف فيه أكثر من ألف نجم بمواقعها وأقدارها وألوانها، ورسم لكل كوكبة صورتها، وسجل بين سطوره لطخة باهتة في كوكبة سميت المرأة المسلسلة، أطلق عليها لقب "اللطخة السحابية"، وهي ما نعرفه اليوم بـ "مجرة أندروميدا"، أول مجرة خارج مجرتنا يرد ذكرها مكتوبا.

وفي الكتاب نفسه إشارة أغرب. فقد نقل الصوفي عن أهل تهامة خبر تجمع سماوي لا يُرى من العراق ولا من نجد، لكنه يظهر من مضيق باب المندب. كانوا يسمونه "البقر"، ذلك هو ما ستسمّيه أوروبا بعد خمسة قرون "سحابة ماجلان الكبرى"، وهي مجرة قزمة تبعد عنا نحو 160 ألف سنة ضوئية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 خارج مظلة الصواريخ.. ماذا حدث في سيناء يوم 14 أكتوبر 1973؟
* list 2 of 2 نوبل للطب 2026.. ماذا لو تمكن ابن سينا من التحكم في دماغك؟ end of list

لم يكن الصوفي وحيدا. قبله وبعده، بنى فلكيو بغداد ودمشق ومراغة وسمرقند مراصد ودونوا أزياجا، وأعاد ابن الهيثم في "كتاب المناظر" بناء علم الضوء على التجربة، ووصف البيروني درب التبانة بأنه حشد من نجوم سديمية لا تُحصى، وكان سؤالهم واحدا: ماذا يخبرنا الضوء الآتي من السماء؟

بعد ألف عام ونيّف، عاد ذلك السؤال من حيث لا يتوقع أحد. ففي عام 1987، انفجر نجم في "بقر" الصوفي نفسه، أي في سحابة ماجلان الكبرى، فوصلت إلى الأرض ومضة ضوء ورشقة من جسيمات خفية اسمها "النيوترينو"، التقطتها كواشف في اليابان والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. كانت تلك المرة الأولى التي "يرى" فيها البشر نجما منفجرا يُصدر هذه الجسيمات.

واليوم، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تمنح الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الفيزياء لرجل جعل من جليد القطب الجنوبي عينا ترى هذه الجسيمات، بل وتعد بشيء لم يكن الصوفي يحلم به، وهو البوح بأسرار ما حدث في الثانية الأولى من نشأة الكون كله، وربما لو وقع ذلك الكشف قديما، لفعل صديقنا ما اعتاد على فعله طوال سنوات، وهو أن يرصد ويدقق الحسابات، ويسجل ما يرى أمامه.

إعلان

أخجل جسيم في الكون

حين رن الهاتف صباح الثلاثاء، كان فرانسيس هالزن في إيطاليا. قال للجنة إنها كانت "مفاجأة كبيرة" لم يتوقعها. نال عالم الفيزياء البلجيكي الأمريكي، والأستاذ في جامعة ويسكونسن-ماديسون الجائزة منفردا، "لإسهاماته الحاسمة في بناء مرصد آيس كيوب، واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة ذات أصل كوني"، الجسيمات التي وصفتها الأمينة العامة للأكاديمية، إيلين مونز، بأنها "رُسُل شبحية من الفضاء".

لكن لم كل تلك الجلبة على جسيم واحد؟ ولم يسمونه "الشبح"؟ للإجابة عن هذا السؤال دعنا نسافر إلى المرحلة الابتدائية، حيث تعلمنا في حصص العلوم أن كل شيء يتكون من ذرات، وأن كل ذرة تتكون من نواة صغيرة تضم البروتونات والنيوترونات، وتحيط بها الإلكترونات. والذرة نفسها صغيرة إلى درجة يصعب تخيلها، فعرض شعرة بشرية واحدة يمكن أن يتسع لنحو نصف مليون ذرة كربون مصطفة جنبا إلى جنب.

والآن تخيل أننا كبرنا ذرة كربون واحدة حتى أصبح قطرها بحجم كوكب الأرض، الذي يبلغ محيطه نحو 40 ألف كيلومتر، أي ما يحتاج قرابة شهر للالتفاف حوله بسيارة عادية دون توقف، هنا يصبح الإلكترون بحجم أصغر من حبة بازلاء. أما النيوترينو، وهو جسيم دون ذري آخر، فسيكون أصغر من هذا الإلكترون بأكثر من مليون مرة.

لاحظ أن ما سبق كان فقط تشبيها لغرض التقريب، فيزياء الجسيمات أصلا لا تعامل الجسيمات دون الذرية على أنها "كرات" بل "جسيمات نُقطية"، ولكن الهدف مما سبق كان فقط فهم مدى دقة الشيء الذي يريد العلماء الإمساك به، وهو جسيم خفيف جدا ومراوغ جدا. في الواقع، في اللحظة التي تقرأ فيها هذا الكلام، يعبر خلال ظفرَ إصبعك الصغير نحو 65 مليار نيوترينو قادم من الشمس كل ثانية. لا تشعر بها، ولن تشعر بها أبدا، فالنيوترينو بلا شحنة كهربائية، وكتلته ضئيلة جدا، ومن ثم يعبر الأرض كلها كأنها فراغ، ونادرا ما يصطدم بنواة ذرة أثناء عبوره فيكشف عن وجوده.

"النيوترينو بلا شحنة كهربائية، وكتلته ضئيلة جدا، ومن ثم يعبر الأرض كلها كأنها فراغ، ونادرا ما يصطدم بنواة ذرة أثناء عبوره فيكشف عن وجوده"

بدأت قصة هذا الجسيم بسبب مشكلة حيرت العلماء. ففي عام 1930 لاحظ الفيزيائيون أن جزءا من الطاقة يبدو كأنه يختفي في بعض أنواع التحلل الإشعاعي. ولم يكن ذلك منطقيا، لأن الطاقة لا يفترض أن تختفي. لذلك اقترح الفيزيائي النمساوي فولفغانغ باولي وجود جسيم خفي وصغير جدا يمثل هذه الطاقة، لكنه كان متشائما وظن أن رصده سيكون بالغ الصعوبة.

احتاج العلماء إلى نحو 25 عاما حتى نجحوا في تأكيد وجود هذا الجسيم، ففي عام 1956 استطاع الفيزيائيان الأمريكيان فريدريك راينز وكلايد كوان رصد النيوترينوات قرب مفاعل سافانا ريفر النووي في الولايات المتحدة، وفي الستينيات، نجح عالم آخر هو ريموند ديفيس الابن في رصد نيوترينوات قادمة من الشمس باستخدام خزان ضخم مدفون تحت الأرض، ثم جاء مرصد كاميوكاندي في اليابان، بقيادة العالم ماساتوشي كوشيبا، ليؤكد أن هذه النيوترينوات تأتي فعلا من اتجاه الشمس.

وفي عام 1987 حدث شيء أكثر إثارة، إذ انفجر نجم عملاق في سحابة ماجلان الكبرى، ووصلت منه إلى الأرض رشقة من النيوترينوات، وكانت هذه أول مرة يرصد فيها العلماء نيوترينوات قادمة من انفجار نجمي، وبفضل هذا الإنجاز حصل ديفيس وكوشيبا على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2002. وهنا تحديدا، وبسبب هذا الانفجار الهائل، ظهر الحلم الأكبر، وهو رصد نيوترينوات شديدة الطاقة قادمة من أماكن أخرى بعيدة جدا في الكون.

مصدر الصورة مشروع آيس كيوب في القطب الجنوبي (شترستوك)

فكرة وُلدت من خبر سوفييتي

الآن نصل إلى حكاية هالزن، لم يبدأ فلكيا، بل كان فيزيائيا نظريا أعجبته ثورة فيزياء الجسيمات في الستينيات، فدرس جسيمات تسمى الكواركات، ونال الدكتوراه من جامعة لوفان الكاثوليكية عام 1969، ثم انتقل إلى ويسكونسن، وهناك أدرك تدريجيا أن فيزياء الجسيمات يمكن أن تتعلم من الجسيمات القادمة من الفضاء، كان وراء الفكرة لغز حير العلماء لأكثر من قرن، يتمثل في سؤال بسيط: من أين تأتي الأشعة الكونية؟

إعلان

الأشعة الكونية هي جسيمات، أغلبها بروتونات، تصل إلى الأرض من الفضاء بسرعات وطاقات هائلة، وبعضها يحمل طاقة أكبر بكثير مما تستطيع أقوى مسرّعات الجسيمات على الأرض إنتاجه، والمشكلة أن البروتونات تحمل شحنة كهربائية، ولذلك تغير المجالات المغناطيسية في الفضاء اتجاهها أثناء رحلتها. يشبه ذلك – لغرض التقريب – أن تتحرك كرة حديدية صغيرة للأمام في غرفة مليئة بالمغناطيسات، بالتأكيد لن تستمر في المضي قدما للأمام، فقد تنحرف يمينا ويسارا بسبب جذب المغناطيسات.

الأمر كذلك بالنسبة للبروتونات المشحونة، وهذا يعني أنها عندما تصل إلى الأرض، لا نستطيع ببساطة أن نتتبع مسارها إلى الخلف ونعرف المكان الذي انطلقت منه، لأنها لم تنطلق مثل السهم للأمام، بل اختل اتجاهها. لكن هالزن اكتشف شيئا آخر، وهو أنه عندما تتسارع البروتونات إلى هذه الطاقات الهائلة، يمكن أن تتكوّن معها نيوترينوات عالية الطاقة، والنيوترينو كما أسلفنا لا يحمل شحنة كهربائية، لذلك يسافر في خط شبه مستقيم ولا تغير المجالات المغناطيسية اتجاهه. من هنا، نظر هالزن للنيوترينو على أنه سهم قادم من أعماق الكون، إذا عرفنا الاتجاه الذي وصل منه، أمكن لنا تحديد مصدر هذا الإشعاع الكوني، لكن كيف نمسك بهذا السهم؟ كيف نتعرف عليه؟

"نظر هالزن للنيوترينو على أنه سهم قادم من أعماق الكون، إذا عرفنا الاتجاه الذي وصل منه، أمكن لنا تحديد مصدر الإشعاع الكوني"

كانت الفكرة الأساسية قديمة؛ فنحو عام 1960 اقترح فيزيائيون، بينهم السوفيتي موسى ماركوف، استخدام كتلة ماء ضخمة. الفكرة أنه حين تمر تريليونات من النيوترينوات عبر كتلة ضخمة جدا من الماء يزداد احتمال اصطدام أحدها بنواة ذرة. وحين يصطدم نيوترينو بنواة، يتولد جسيم مشحون يندفع في الاتجاه نفسه ويطلق وميضا أزرق خافتا يعرف بإشعاع تشيرينكوف، وبمجسات ضوئية كافية يمكن تتبع الوميض واستنتاج الاتجاه القادم منه.

حاول هالزن تطوير تلك الفكرة، حيث تصور أنه يمكن استخدام الجليد بدلا من الماء، وفي الثمانينيات سمع في الأخبار أن باحثين سوفيت يخططون لالتقاط نيوترينوات بهوائيات راديو، لكنه افترض أن زرع مجسات ضوئية في الجليد نفسه ستكون فكرة أفضل وتحقق نتائج أعظم، فتواصل مع زميله جون ليرند، الذي كان يعمل على مشروع دوماند لرصد النيوترينوات في مياه المحيط العميقة قبالة هاواي، وعرض الاثنان فكرة مرصد في جليد القطب الجنوبي لأول مرة عام 1988، في مؤتمر في بولندا.

كانت الفكرة مدهشة لكن معقدة جدا؛ إذ كان عليهم حل جميع المشكلات العملية المتعلقة بوضع الأجهزة في أعماق الجليد لالتقاط أثر الجسيمات الشبحية، فتعلموا من علماء الجليد أن بالإمكان حفر ثقوب بعمق كيلومترات باستخدام الماء الساخن لإذابة الجليد. بعد ذلك، يمكن إنزال كابل طويل مزود بسلاسل من مجسات الضوء في الثقب المملوء بالماء. يصف هالزن هذه المجسات بأنها مصباح كهربائي معكوس، إذ يلتقط الجهاز الضوء الخافت جدا الصادر من تفاعل النيوترينو، ثم يحوله إلى إشارة كهربائية.

في البداية، اختبر فريق البحث غمرَ المجسات في جليد غرينلاند للتأكد من قدرتها على رصد الضوء المنبعث من الجسيمات الموجودة في الجليد، ثم شرع في بناء أول مرصد للنيوترينو في القطب الجنوبي، وهو سلف مرصد آيس كيوب، وسمي "أماندا". كانت المحاولات الأولى محبطة جدا، لأن الجزء العلوي من الجليد كان مليئا بالفقاعات التي شتتت الضوء في اتجاهات مختلفة وشوشت المعلومات، لكن تبين أن الجليد نقي وشفاف للغاية على عمق يزيد عن 1400 متر، وهناك، استطاعت ومضات الضوء المنبعثة من النيوترينوات أن تقطع مسافة 300 متر قبل أن تُمتص وتطلق وميضا.

استمر بناء مشروع أماندا حتى يناير/ كانون الثاني 2000، ثم بدأ العمل على مشروع آيس كيوب، وهو عبارة عن كيلومتر مكعب من الجليد مزود بمستشعرات ضوئية، وصل آيس كيوب إلى حجمه الكامل في عام 2011، حيث ضم 5160 مستشعرا ضوئيا موزعة على 86 كابلا.

مصدر الصورة تصدر هذه الجسيمات عن أماكن بعيدة جدا وعنيفة جدا في الكون (بنجامين آمند- جامعة كليمسون)

علم الفلك "متعدد الرسل"

صيد النيوترينو الكوني أشبه بسماع همسة وسط ملعب صاخب، فآيس كيوب يسجل كل يوم أكثر من مئة مليون جسيم قادم من الغلاف الجوي فوق القارة القطبية، وحين ترتطم الأشعة الكونية بالهواء، تصل إليه كل يوم بضع مئات من نيوترينوات الغلاف الجوي التي عبرت الأرض كلها من نصفها الشمالي، وبين هذا كله عليه أن يميز حفنة من النيوترينوات جاءت من خارج المجرة.

إعلان

والحيلة هي الطاقة، فالنيوترينو الكوني يحمل طاقة أعلى بكثير من أبناء عمومته الأرضيين، وفي 2012 رصد الكاشف حدثين بطاقة تتجاوز ألف تريليون إلكترون-فولت، أطلق عليهما الباحثون، بروح الدعابة، "بيرت" و"إرني"، وهما شخصيتان من برنامج الأطفال الشهير "شارع سمسم"، وفي 2013 نشر الفريق في مجلة ساينس المرموقة أول دليل على وجود نيوترينوات عالية الطاقة من خارج الأرض.

"النيوترينو الكوني يحمل طاقة أعلى بكثير من أبناء عمومته الأرضيين"

وفي يوليو/تموز 2018 اشتعلت الأجواء العلمية المتخصصة فرحا بسبب كشف جديد فريد من نوعه، إذ تمكن فريق باحثين دولي ضخم من كشف مصدر لواحد من جسيمات النيوترينو فائق الطاقة، وتبين أن مصدر هذه الجسيمات هو بلازار يدعى "تي إكس إس 0506+056" يقع على مسافة أربعة مليارات سنة ضوئية من الأرض. البلازار هو مجرة نشطة شديدة السطوع، في مركزها ثقب أسود فائق الكتلة يطلق نفاثة من الجسيمات تكاد تتجه مباشرة نحو الأرض.

لكن كيف عرف العلماء مصدر النيوترينو عالي الطاقة؟ خلال دقيقة واحدة من رصد أشعة النيوترينو عالية الطاقة القادمة من هذا البلازار في مرصد آيس كيوب بالقطب الجنوبي، تم إرسال إخطار تلقائي إلى مجموعة من التلسكوبات الأخرى، لكي تقوم جميعها بتوجيه أدواتها نحو منطقة في السماء يحتمل أن تستضيف مصدر تلك الأشعة، ومسحت التلسكوبات هذه الرقعة من السماء عبر قطاعات مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي، لتشير جميعها إلى بقعة بعينها بوصفها مصدر هذا النوع من جسيمات النيوترينو.

تنبع أهمية النيوترينو في علم الفلك من أن التلسكوبات التقليدية تعتمد أساسا على الضوء أو على أنواع أخرى من الإشعاع الكهرومغناطيسي، مثل الأشعة السينية وأشعة غاما وموجات الراديو. لكن هذا الإشعاع قد يمتص أو يتشتت أثناء رحلته عبر الفضاء، خصوصا إذا مر خلال سحب كثيفة من الغاز والغبار، أو خرج من مناطق شديدة الكثافة تحيط بثقوب سوداء أو نجوم منفجرة. لذلك توجد أماكن في الكون قد تكون شديدة النشاط والعنف، لكن الضوء لا يستطيع أن يخرج منها بسهولة، أو يصل إلينا بعد أن يكون قد فقد جزءا من معلوماته.

أما النيوترينو فمختلف تماما؛ لأنه ضعيف التفاعل مع المادة إلى درجة مذهلة كما أسلفنا، ومن ثم يمكنه أن يمر عبر سحب الغاز والنجوم، بل وعبر كواكب كاملة تقريبا، من دون أن يتوقف، وكأن هذه الأشياء زجاج شفاف بالنسبة له، ومن ثم فإذا رصد العلماء نيوترينو قادما من منطقة بعيدة، فإنه قد يحمل إليهم معلومات مباشرة من أعماق أماكن لا تستطيع التلسكوبات العادية رؤيتها بوضوح.

يضيف النيوترينو إلى علم الفلك "عينا" جديدة ترى الكون بطريقة مختلفة تمامًا عن الضوء، ويوسع ما يسميه العلماء "علم الفلك متعدد الرسل"، وكأن الضوء بشقيه المرئي وغير المرئي رسول ينقل رسالة من الفضاء، وموجات الجاذبية رسول آخر يمكن التقاطه عبر مراصد مثل لايجو، والنيوترينوات رسول ثالث يلتقط بمراصد مثل آيس كيوب في القطب الجنوبي.

"يضيف النيوترينو إلى علم الفلك عينا جديدة ترى الكون بطريقة مختلفة تماما عن الضوء"

هذه الطرق الثلاثة مختلفة تماما، ويشبه الأمر أن يتحدث أحدهم إليك، فتسمع صوته، لكنك في نفس الوقت تلاحظ لغة جسده بعينيك فتتمكن من الإضافة إلى ما تفهمه من هذا الشخص، ثم تسلم عليه وتتحسس مدى التزامه بالكلام الذي قيل للتو من قوة قبضته في يديك. علم الفلك متعدد الرسل يفعل نفس الشيء، فهو يتأمل الكون بطرق متباينة تماما، ما يحقق فهما أوسع لظواهر الكون الواسع.

مصدر الصورة النيوترينو جسيم دون ذري خفيف جدا لدرجة أن كتلته تكاد تكون معدومة مقارنة بالجسيمات الأخرى (منصة جائزة نوبل)

البحث عن الثانية الأولى

ويذهب الأمر إلى أبعد من ذلك؛ إذ يعتقد الفيزيائيون أن النيوترينو قد يمنحنا يوما ما أقدم "صورة" مباشرة للكون يمكن الوصول إليها. فنحن نرى اليوم أقدم ضوء في الكون عبر ما يسمى "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي"، والذي يمثل فوتونات الضوء التي انطلقت عندما كان عمر الكون نحو 380 ألف سنة؛ قبل ذلك كان الكون شديد السخونة والكثافة والظلمة بحيث يتعذر رصد أي أثر للضوء، ولا يمكن لتلسكوباتنا أن ترى ما وقع قبل هذه اللحظة، أما النيوترينوات، بسبب ضعف تفاعلها مع المادة، فيمكنها اختراق هذا الغمام، وإرسال صورة للكون حينما كان عمره ثانية واحدة فقط.

في تلك اللحظة المبكرة جدا، كانت حرارة الكون تقارب عشرة مليارات درجة، وكانت النيوترينوات جزءا من خليط ساخن من الجسيمات. ومع تمدد الكون وبرودته، أصبحت المادة أقل كثافة، فتوقفت النيوترينوات عن الاصطدام المتكرر بالجسيمات الأخرى، وانطلقت عبر الفضاء. ويفترض العلماء بقاء أعداد هائلة من هذه النيوترينوات القديمة حولنا حتى اليوم، فيما يسمى الخلفية الكونية للنيوترينوات، إنها أشبه ببقايا متجمدة من الكون وهو طفل في عمر ثانية واحدة.

إعلان

فلو استطاع العلماء رصد هذه النيوترينوات مباشرة، لفتحنا نافذة على زمن أقدم بنحو 380 ألف سنة من أقدم صورة ضوئية لدينا. وقد تحمل خصائص تلك النيوترينوات معلومات عن درجة حرارة الكون وكثافته وتركيب الجسيمات الموجودة فيه في أولى ثوانيه، وربما تكشف عن حالات "شذوذ" عن النموذج المعروف لفيزياء الجسيمات، فتفتح الباب لفيزياء جديدة تماما، ينجزها الفلكيون والفيزيائيون، فنرى كونا مختلفا عما نعهده بشكل جذري، بالضبط كما فعل الصوفي ورفاقه في ذلك العصر، حينما درسوا علوم من قبلهم وصححوها وأضافوا إليها، ثم نقلوا إلينا معارفهم عبر الأجيال.