في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يربط الموروث الشعبي في شبه الجزيرة العربية، هطول الأمطار الكثيف في أغسطس/آب، بظهور نجم سهيل في السماء، وهو ما دعا البعض على مواقع التواصل الاجتماعي إلى استحضار ظهور هذا النجم في مشهد الهطول الكثيف للأمطار الذي شهده غرب وجنوب غرب المملكة العربية السعودية ومحيط منطقة مكة المكرمة يوم الأربعاء الماضي.
وعلميا، لا توجد آلية فيزيائية معروفة تجعل النجم، الذي يعرف فلكيا باسم "كانوبس"، يؤثر في الغلاف الجوي للأرض، لكن توجد علاقة زمنية ومناخية غير مباشرة بين ظهوره وهطول الأمطار الكثيف، رصدتها الدراسة المنشورة في دورية "ساينتيفيك كلتشر" (Scientific Culture)، وهو ما يفسر الأسباب التي دعت العرب قديما إلى إطلاق مثلهم الشهير "إذا طلع سهيل لا تأمن السيل".
ويرتبط ظهور النجم عادة بأواخر أغسطس/آب، وهو توقيت تتغير فيه أنماط الرياح والرطوبة والضغط الجوي مع الانتقال التدريجي نحو الخريف، ويزداد تأثير هذه الحالة المناخية في السنوات التي تتشكل فيها ظاهرة "النينيو"، كما حدث هذا العام.
وتعرف "النينيو" بأنها مرحلة دفء غير طبيعي لمياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي (الشرقي والأوسط)، تؤدي إلى إضعاف الرياح التجارية، وتتسبب في تغيرات واسعة في أنماط الطقس حول العالم.
وتعيد هذه الظاهرة توزيع الحرارة والحمل الحراري في الغلاف الجوي، فتؤدي في بعض المناطق إلى زيادة صعود الهواء الرطب وتكون السحب والعواصف، ومن ثم غزارة الأمطار، بينما تعزز في مناطق أخرى حركة الهواء الهابطة التي تزيد استقرار الغلاف الجوي وتحد من تكون السحب، فتتراجع الأمطار وقد يحدث الجفاف.
ووجدت دراسة نشرتها دورية "أتموسفيريك ريسيرتش" (Atmospheric Research) مؤشرات على أن ظاهرتي "النينيو" و"ثنائية قطب المحيط الهندي" (عندما تصبح مياه المحيط الهندي أكثر دفئا من المعتاد في الغرب، بينما تكون أبرد من المعتاد في الشرق)، يمكن أن تساهما في زيادة تكرار البيئات المهيئة للعواصف الرعدية والأمطار الشديدة في السعودية.
لكن نفس الدراسة التي حللت هذه الحالة المناخية خلال 43 عاما من 1980 إلى 2023، تؤكد أن أمطار أغسطس لا تحتاج دوما إلى وجود هذه التأثيرات الخارجية حتى تحدث، حيث سجلت السعودية عواصف وأمطارا شديدة في سنوات لم تتشكل فيها ظاهرتي "النينيو" أو "ثنائية قطب المحيط الهندي"، لكن عند تزامن تشكلهما مع تغيرات الطقس الموسمية، ترتفع احتمالات هطول الأمطار الكثيف والعواصف الرعدية.
ويشرح الدكتور مصطفى عصام، المدرس بقسم علوم الفلك والفضاء والأرصاد الجوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، الحالة المناخية الحالية في تصريحات للجزيرة نت، مشيرا إلى أنها "تشكلت نتيجة التقاء كتلتين هوائيتين متباينتي الخصائص، الأولى دافئة وجافة، والأخرى رطبة تتدفق من اتجاه البحر الأحمر"
ويضيف: "ونظرا لانخفاض كثافة الهواء الرطب مقارنة بالهواء الجاف، تصعد الكتلة الرطبة قسرا إلى طبقات الجو العليا، متزامنة مع وجود تبريد نسبي في الأجواء العليا، مما يسرع عملية التكثيف وبناء سحب ركامية ممطرة مصحوبة بالعواصف الرعدية".
وهذه الحالة من التقارب الهوائي المحلي عالية الفعالية، تتكرر كثيرا خلال نهايات أغسطس، وقد تسبب الهطول الكثيف للأمطار دون أي مؤثرات خارجية، وهو ما دفع العرب قديما لربط حدوثها بظهور نجم سهيل، لكن عندما تكون متزامنة مع ظاهرتي "النينيو" أو "ثنائية قطب المحيط الهندي"، تصبح احتمالات تسببها في هطول الأمطار الكثيف كبيرا، وهو ما يوضحه مصطفى.
ويقول إن القراءات المناخية لما حدث في طقس السعودية الأربعاء تشير إلى دور غير مباشر لـ "النينيو" وارتباط مباشر مع ظاهرة "ثنائية قطب المحيط الهندي".
وتتسبب "ثنائية قطب المحيط الهندي" في ارتفاع حرارة مياه المحيط الهندي، ويؤدي ذلك إلى تنشيط استجابة جوية وديناميكية تُعرف بـ "آلية جيل"، والتي تفرز انخفاضا ملحوظا في قيم الضغط الجوي إلى الشمال الغربي من مركز الاحترار (تحديداً بين خطي عرض 10° و15° شمالاً، ممتدة نحو البحر الأحمر ومنطقة مكة المكرمة)، وهذا الهبوط في قيم الضغط الجوي يزيل العوائق الجوية ويهيئ بيئة مثالية لنشوء العواصف الرعدية بمجرد توفر نسب الرطوبة الكافية.
ويقول إن "دور ظاهرة "النينيو" بالمحيط الهادئ يقتصر في هذه الحالة على لعب دور المحفز غير المباشر، إذ تعمل على تنشيط "ثنائية قطب المحيط الهندي"، بجعل الجزء الغربي منه أكثر دفئا من المعتاد، وهذا النشاط الحراري بدوره يفرض هبوطاً في قيم الضغط الجوي السطحي مقارنة بالمعدل الطبيعي فوق مناطق جنوب وجنوب غرب المملكة، مما يخلق بيئة ديناميكية ملائمة لنمو وتطور الاضطرابات الجوية وحالات عدم الاستقرار".
ويضيف أن "قيم الضغط المنخفضة تزامنت مع اندفاع مباشر لكتلة هوائية رطبة قادمة من اتجاه البحر الأحمر، لتتقابل مباشرة فوق منطقة مكة المكرمة مع كتلة هوائية جافة قادمة من الشرق، وشكل هذا التقابل ما يُعرف في علم الأرصاد بـ "نطاق التقارب الهوائي السطحي"، ونظراً لكون الهواء الرطب أقل كثافة وأخف وزناً من الهواء الجاف، أدى تصادم الكتلتين إلى صعود قسري ومباشر للهواء الرطب إلى طبقات الجو العليا، وبتوفر بيئة الضغط المنخفض السائدة، تسارعت عمليات الرفع الرأسي وتكثيف الرطوبة، مما أدى إلى بناء سحب رعدية عملاقة رافقتها أمطار غزيرة وصواعق رعدية واسعة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة