دخل أربعة من أبرز علماء الرياضيات الشباب تاريخ العلم، بعدما منحهم الاتحاد الدولي للرياضيات ميدالية فيلدز لعام 2026، التي تعد أرفع تكريم عالمي في هذا المجال، وتوصف عادة بأنها "جائزة نوبل للرياضيات".
وأُعلنت أسماء الفائزين خلال افتتاح المؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات في مدينة فيلادلفيا الأمريكية، وهم الصينيان هونغ وانغ ويو دينغ، والأمريكي جون باردون، والكندي جاكوب تسيمرمان.
ويعمل دينغ في جامعة شيكاغو، وباردون في جامعة ستوني بروك، وتسيمرمان في جامعة تورنتو، بينما تعمل وانغ في جامعة نيويورك والمعهد الفرنسي للدراسات العلمية العليا.
وجاء اختيار العلماء الأربعة تقديرا لأعمال امتدت عبر مجموعة واسعة من فروع الرياضيات، من دراسة الموجات وحركة الغازات إلى هندسة الأشكال المعقدة والعلاقة بين الأعداد والبنى الهندسية.
وعلى الرغم من أن هذه المجالات تبدو شديدة التجريد، فإنها تحاول الإجابة عن أسئلة أساسية عن تحول سلوك مليارات الجسيمات الصغيرة إلى قوانين تصف الغاز، وإمكانية عد المنحنيات الموجودة داخل فضاءات هندسية معقدة، والعلاقة بين أشكال مجردة وخصائص الأعداد.
فقد حصل يو دينغ على الميدالية لأعماله في المعادلات التفاضلية الجزئية والفيزياء الرياضية، ولا سيما إسهامه في اشتقاق معادلة بولتزمان، التي تصف سلوك الغازات، انطلاقا من حركة الجسيمات الصلبة وتصادمها.
وقد ساعد عمله في بناء صلة رياضية أكثر صرامة بين القوانين التي تحكم كل جسيم منفرد، والخصائص الجماعية التي نرصدها مثل الضغط والحرارة وتدفق الغاز.
أما هونغ وانغ، فكرمتها الجائزة عن إسهاماتها في التحليل التوافقي ونظرية القياس الهندسي، وخصوصا التقدم الكبير الذي حققته في مسألة كاكيا في ثلاثة أبعاد. وتبحث المسألة، في صورتها المبسطة، عن أصغر حيز يمكن أن يحتوي إبرة موجهة في كل الاتجاهات الممكنة.
وأثبتت وانغ أن مثل هذا الحيز، مهما بدا رقيقا أو متناثرا، لا يمكن اختزاله إلى سطح ثنائي الأبعاد، بل يحتفظ ببعد الفضاء الثلاثي كاملا.
وحصل الأمريكي جون باردون على الميدالية لأعماله في نطاقات عدة مثل الطوبولوجيا ونظرية العقد، وهي فروع تدرس خصائص الأشكال والفضاءات التي تظل ثابتة رغم تشويهها أو ثنيها.
ومن أبرز إنجازاته إثبات حدسية رياضية عُرفت باسم "إم إن أو بي"، وكانت تتنبأ بأن طريقتين مختلفتين لعد المنحنيات داخل بعض الفضاءات الهندسية المعقدة تؤديان في الحقيقة إلى النتائج نفسها.
وتكتسب هذه الفضاءات، المعروفة باسم متشعبات كالابي–ياو الثلاثية، أهمية كذلك في بعض نماذج فيزياء الأوتار.
أما الكندي جاكوب تسيمرمان، ففاز تقديرا لنجاحه في نقل أدوات من المنطق الرياضي، تعرف باسم تقنيات الحد الأدنى البنيوي، إلى نظرية الأعداد والهندسة الجبرية.
وتساعد هذه الأدوات العلماء على "ترويض" البنى الرياضية شديدة التعقيد، وفصل الأنماط المنتظمة فيها عن السلوك الفوضوي.
وأسهم تسيمرمان بهذه الأساليب في إثبات حدسية غريفيث المتعلقة بالطبيعة الجبرية لبعض الخرائط الهندسية، وفي إحراز تقدم في مسائل متصلة بحدسية هودج، إحدى مسائل الألفية الشهيرة.
وبذلك تعكس جوائز هذا العام تنوع الرياضيات الحديثة، إذ لا تجمع الفائزين مسألة واحدة، بل قدرة كل منهم على ابتكار أدوات جديدة فتحت طرقًا غير متوقعة داخل مجاله.
وبينما اتجه باردون وتسيمرمان إلى أعماق الهندسة والطوبولوجيا ونظرية الأعداد، لفت فوز وانغ ودينغ الانتباه بصورة خاصة، بعدما قدم العالمان الصينيان حلولا واختراقات تتصل بمسائل تعود جذورها إلى أكثر من قرن.
وتكتسب جائزتاهما دلالة إضافية؛ إذ بدأ وانغ ودينغ دراستهما الجامعية في جامعة بكين، قبل أن يواصلا مسيرتهما العلمية في مؤسسات أمريكية وفرنسية.
كما أصبحت وانغ ثالث امرأة فقط تحصل على ميدالية فيلدز منذ بدء منحها عام 1936، في إنجاز يعكس مكانتها بين أبرز علماء الرياضيات في جيلها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة