في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
البقاع – على امتداد البقاع الغربي، تبدو بحيرة القرعون للوهلة الأولى مساحة مائية هادئة تتوسط الجبال والسهول، لكن خلف هذا المشهد تختبئ واحدة من أكثر الأزمات البيئية والمائية تعقيدا في لبنان؛ بحيرة تحولت خلال السنوات الأخيرة من مشروع وطني لتخزين المياه وتوليد الكهرباء إلى عنوان للتلوث والإهمال، قبل أن تنضم إليها أخيرا مخاطر الحرب والقصف.
ففي مايو/أيار الماضي، دخل سد القرعون مرحلة جديدة من التهديد، بعدما تعرض محيطه لست غارات إسرائيلية في يوم واحد استهدفت الطريق المحاذية للسد وبعض الأجهزة الكهروميكانيكية المرتبطة بتزويده بالطاقة الكهربائية والتحكم به، لتعيد هذه الاعتداءات إلى الواجهة سؤالا أكثر إلحاحا: ماذا يعني أن يصبح أكبر خزان مائي في لبنان مهددا بالحرب، فيما يرزح أصلا تحت أعباء التلوث والفساد وسوء الإدارة؟
يقول المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني سامي علوية، في مقابلة خاصة مع الجزيرة نت، إن الغارات استهدفت الطريق التي تُعد جزءا إنشائيا من السد، إضافة إلى منظومة الكهرباء والتحكم الخاصة به، ما أدى إلى تعطيلها بصورة مباشرة.
ويشير علوية إلى أن المصلحة تحركت فورا عبر التواصل مع رئيس الجمهورية لاتخاذ إجراءين عاجلين: الأول إعلان منطقة السد منطقة عسكرية مغلقة، والثاني إجراء اتصالات مع الشركاء الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة، لتحييد السد ومنع استهدافه مجددا.
ورغم أن القصف لم يؤد إلى انهيار السد أو إصابته بشكل مباشر، فإن مجرد استهداف محيطه، وفق علوية، يمثل تهديدا لمنشأة تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، نظرا إلى المخاطر الكارثية التي قد تترتب على أي ضرر جسيم يلحق بها.
وتُصنف السدود ضمن المنشآت المحمية بموجب البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، إذ يُحظر استهدافها إذا كان ذلك قد يؤدي إلى إطلاق هذه القوى والتسبب بخسائر جسيمة في صفوف المدنيين.
خلف الجدار الإسمنتي لسد القرعون تحتجز البحيرة نحو 220 مليون متر مكعب من المياه، فيما تتراوح الكميات الموجودة حاليا بين 130 و136 مليون متر مكعب.
ويحذر علوية من أن أي استهداف مباشر أو انهيار محتمل للسد قد يؤدي إلى اندفاع موجة هائلة من المياه بارتفاع عشرات الأمتار وعرض مئات الأمتار، ما يهدد عشرات البلدات الممتدة من منطقة القرعون في البقاع الغربي حتى مصب نهر الليطاني في القاسمية جنوبا.
ولا يتعلق الأمر فقط بخطر الفيضانات، بل أيضا بانهيار البنية التحتية والطرق والمنشآت الحيوية، فضلا عن تهديد حياة آلاف السكان الذين يقيمون على امتداد مجرى النهر.
ويضيف أن لبنان، الذي لطالما قُدم في المناهج الدراسية بوصفه "خزان الشرق الأوسط المائي"، بات يملك ثروة مائية يصعب الاستفادة منها فعليا بسبب عاملين رئيسيين: التلوث وعدم الاستثمار.
وتُعد بحيرة القرعون المثال الأبرز على هذا الواقع، فبحسب المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، تصب مياه الصرف الصحي الآتية من 64 بلدة في البقاع الأوسط والشمالي والغربي في مجرى النهر، قبل أن تنتهي مباشرة إلى البحيرة.
ويؤدي هذا التدفق المستمر للمياه المبتذلة إلى تلوث كميات هائلة من المياه المخزنة خلف السد، حتى أصبحت غير صالحة لمعظم الاستخدامات، باستثناء توليد الطاقة الكهربائية في بعض الفترات.
وعلى مدى سنوات، تحولت بحيرة القرعون إلى مجمع ضخم للملوثات المنزلية والصناعية والزراعية، ورغم نجاح المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، بالتعاون مع القضاء، في إلزام مئات المؤسسات الصناعية بمعالجة صرفها الصناعي، فإن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة، بحسب علوية، بسبب عدم تشغيل محطتين رئيسيتين لمعالجة مياه الصرف الصحي؛ هما محطة المرج في البقاع الأوسط ومحطة تمنين التحتا في البقاع الشمالي، رغم توافر التمويل الدولي والعربي اللازم لهما.
وبغياب هاتين المحطتين، تستمر عشرات البلدات في ضخ مياهها المبتذلة إلى النهر، ما يجعل البحيرة تتلقى سنويا كميات ضخمة من الملوثات العضوية والكيميائية.
لا تقف مصادر التلوث عند مياه الصرف الصحي، فالاستخدام المكثف للأسمدة والمبيدات الزراعية في سهل البقاع يؤدي إلى تسرب كميات كبيرة من الفوسفات والنترات إلى المياه، الأمر الذي يخلق بيئة مثالية لنمو "السيانوبكتيريا" أو الطحالب الخضراء المزرقة السامة.
وخلال السنوات الماضية، شهدت البحيرة انتشارا متكررا لهذه الطحالب التي تنتج سموما قد تشكل خطرا على الإنسان والحيوان وتؤدي إلى نفوق الأسماك وتراجع التنوع البيولوجي.
وتحذر تقارير بيئية محلية ودولية من أن استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد المغذيات في المياه قد يؤديان إلى تفاقم الظاهرة خلال السنوات المقبلة.
إلى جانب التلوث، يواجه نهر الليطاني ضغطا متزايدا نتيجة الاستنزاف الكبير للموارد المائية، فالتوسع في حفر الآبار الارتوازية، ولا سيما في مناطق البقاع الشمالي، أدى إلى سحب كميات كبيرة من المياه الجوفية التي تغذي روافد النهر، ما انعكس تراجعا في تدفقاته الطبيعية.
وتزامن ذلك مع مواسم جفاف متكررة وانخفاض معدلات الهطول، لتجد البحيرة نفسها أمام معادلة قاسية: مياه أقل وتلوث أكبر.
ويختصر علوية واقع القطاع المائي اللبناني بتشبيه لافت، قائلا إن المياه في لبنان أصبحت تشبه "الودائع المصرفية"، ويضيف: "كما أن ثروتنا المالية أصبحت أرقاما على الشاشات، فإن ثروتنا المائية أصبحت موجودة في كتب الجغرافيا فقط."
ويتابع أن المشكلة ليست في غياب القوانين، إذ يملك لبنان تشريعات تتعلق بالمياه والبيئة والنفايات والصرف الصحي، وإنما في عدم تطبيقها بالشكل المطلوب، الأمر الذي حوّل أكبر خزان مائي في البلاد إلى مرآة لأزمة الدولة نفسها.
وفي ظل استمرار المخاطر الأمنية والبيئية، يرى علوية أن حماية الثروة المائية اللبنانية لا تتحقق عبر المناشدات والشعارات فقط بل من خلال تطبيق القوانين والاستثمار في البنى التحتية والالتزام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بإدارة الموارد المائية.
فبحيرة القرعون، التي أُنشئت يوما لتكون رمزا للتنمية المائية والكهربائية في لبنان، باتت اليوم تختصر سلسلة من الأزمات المتراكمة: تلوث مزمن، ومشاريع متعثرة، وإدارة عاجزة، وأخيرا حرب وصلت إلى أبواب أكبر خزان مائي في البلاد.
وبين خطر الانهيار البيئي ومخاطر القصف، تقف البحيرة اليوم شاهدة على مفارقة لبنانية مؤلمة؛ بلد يوصف بأنه غني بالمياه، لكنه يترك أهم موارده الطبيعية محاصرة بين الإهمال والتهديد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة