آخر الأخبار

مملكة طولها 6 آلاف كيلومتر: هل تمكن النمل من بناء حضارة كالبشر؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في عام 2002، نشرت دورية "بي إيه إن إس" (PANS) دراسة لافتة عن نوع صغير من النمل اسمه النمل الأرجنتيني، وهو حشرة لا يتجاوز طولها بضعة مليمترات، كشفت أن مستعمراته في جنوب أوروبا لم تعد تتصرف كوحدات منفصلة، بل كونت شبكة هائلة من الأعشاش المتعاونة تمتد قرابة 6 آلاف كيلومتر من إيطاليا إلى الساحل الأطلسي الإسباني، حتى وصفها الباحثون بأنها أكبر وحدة تعاون سجلت في الطبيعة.

لا يعني ذلك أن هناك "مدينة نمل" واحدة تحت الأرض، أو عاصمة مركزية، أو ملكة واحدة تدير الإمبراطورية كلها، لكن ما اكتشفه الباحثون هو شيء أغرب، فهناك ملايين الأعشاش المنفصلة، تضم أعدادا هائلة من الشغالات والملكات، لكنها تتعامل كما لو كانت جزءا من كيان اجتماعي واحد.

في هذا السياق، فإن الدراسة رصدت مثلا أن النملة القادمة من عش بعيد لا يتم مهاجمتها، بل يتم تقبلها كفرد من الجماعة، طالما أنها تحمل الإشارات الكيميائية المناسبة، وفي عالم النمل، فإن هذه الإشارات تؤدي دور بطاقة الهوية، أو جواز السفر.

عادة، تقوم حياة النمل على التمييز الصارم بين "نحن" و"هم"، ومن ثم فإن العاملات من مستعمرة ما تهاجم غالبا العاملات الغريبات، لأن الغذاء والموارد ومواقع التعشيش محدودة. لكن النمل الأرجنتيني في أوروبا كسر هذه القاعدة.

مصدر الصورة النمل عادة ما يفرق بين "نحن" و"هم"(شترستوك)

المستعمرة الفائقة

جمع الباحثون في الدراسة آلاف العاملات من 33 موقعا على امتداد سواحل جنوب أوروبا، من شمال إيطاليا إلى شمال غرب إسبانيا، ثم قارنوها ببعضها سلوكيا ووراثيا، وقارنوها كذلك بمجموعات من موطنها الأصلي في أمريكا الجنوبية، كذلك أجرى العلماء اختبارات مواجهة بين العاملات، فمثلا يضعون نملتين أو مجموعتين صغيرتين من منطقتين مختلفتين، ثم يراقبون ما يحدث، إن كان هناك قتال أم لا.

كانت النتيجة حاسمة، فقد تبين بحسب الدراسة أن معظم النمل القادم من المستعمرة الفائقة الكبرى لم يظهر عدوانية تجاه بعضه، رغم أن العينات جاءت من مناطق متباعدة للغاية.

إعلان

وحين تم وضع نمل من هذه المستعمرة الكبرى مع نمل من مستعمرة فائقة أخرى أصغر في كتالونيا، تغير المشهد تماما، حيث ظهرت العدوانية، ووصلت المواجهات إلى القتل، ما يعني أن النمل لم يكن مسالما بطبيعته، بل استجاب لواقع اجتماعي مختلف في الحالتين.

الأغرب في الأمر أن مستعمرات النمل تدار بدون قيادة مركزية، نعم هناك ملكات، لكن إدارة شؤون المستعمرة تتم بشكل لامركزي تماما، حيث تكون هناك قواعد صغيرة يتفق عليها الجميع، وتنفذها كل نملة في سياق "مسؤولية خاصة".

يسمى ذلك في سياق الدراسات البيولوجية بـ "المستعمرة الفائقة"، أو "الكائن الفائق"، أو "السلوك الجمعي". في هذا التصور، لا تُفهم النملة بوصفها فردا مستقلا تماما، بل كخلية صغيرة داخل جسد اجتماعي كبير.

وكما أن الخلايا في جسم الإنسان لا تفهم خطة الجسد كله، لكنها تؤدي وظائف متخصصة تجعل الكائن يعيش، فإن النملة العاملة لا تحتاج إلى وعي بالمنظومة كاملة كي تسهم في تشغيلها.

حضارة أم لا؟

يصور بعض العلماء هذا السلوك بأنه يشبه ما تعنيه "الحضارة" في التعريف البشري، فنحن نتحدث عن مجتمع ضخم موزع جغرافيا، يتواصل مع بعضه ويتعلم من بعضه ويتعاون، وله امتداد زمني مستمر.

يأتي ذلك في سياق مهم، فقد كشفت الأبحاث الأحدث عن وجود عنصر "الثقافة" في بعض ممالك عالم الحيوان، حيث يتعلم الصغار من الكبار ويشكلون ممارسات خاصة بهم.

لكن في النهاية يجدر بنا الحذر حينما نتحدث عن عالم الحيوان بصفات "بشرية"، لأننا في هذه الحالة نسقط عالمنا على عالمهم، وربما تكون العوالم مختلفة تماما عن بعضها، وإن اتفقت في سبل العيش والبقاء.

أكبر مثال على ذلك هو فكرة اللامركزية في عالم النمل، حيث نرى "دولة بلا حكومة"، لا توجد وزارة تموين ولا طرق مرسومة ولا قيادة عسكرية مركزية، ومع ذلك يتحرك الكيان كله عبر قواعد محلية صغيرة ناجحة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار