إن التقدم العلمي في هذا مجال استكشاف الفضاء لم يكن ليتحقق لولا تلك اللحظات الفاصلة التي تحولت فيها المآسي إلى منارات تقنية، حيث أصبحت كل كارثة لمهمة نحو الفضاء نقطة تحول أدت إلى ابتكار بروتوكولات أمان صارمة.
وفي هذا المقال، نستعرض كيف أعادت 10 كوارث صياغة قوانين الفضاء، محولة الدموع إلى دروع تحمي رواد الفضاء اليوم.
في عام 1967، وأثناء تدريب روتيني على الأرض، اندلع حريق مروع داخل كبسولة "أبولو 1" (Apollo 1) أودى بحياة 3 رواد في ثوان معدودة. كانت الكبسولة مشبعة بالأكسجين النقي بنسبة 100%، مما حول أي شرارة كهربائية بسيطة إلى انفجار جهنمي، كما أن الباب كان يفتح للداخل مما حاصر الرواد.
اهتز العالم في الثالث من يناير/كانون الثاني من عام 1986 حين انفجر مكوك الفضاء "تشالنجر" (Challenger OV-099) بعد 73 ثانية فقط من إطلاقه.
ويعود أصل الكارثة إلى فشل حلقة مطاطية صغيرة تعرف باسم "حلقة أو" (O-ring) في سد فجوات الوقود بسبب تجمدها من البرد في ليلة الإطلاق. وقد كشفت التحقيقات أن المهندسين حذروا من الإطلاق، لكن الضغوط السياسية والجدول الزمني المزدحم طغيا على معايير السلامة.
كانت النتيجة ثورية؛ حيث تم منع الإطلاق نهائيا في درجات الحرارة المنخفضة، والأهم من ذلك، مُنح المهندسون سلطة مطلقة لإيقاف أي إطلاق فورا إذا استشعروا خطرا، متجاوزين بذلك أي سلطة إدارية أو سياسية، لضمان أن العلم هو صاحب الكلمة الأخيرة.
في عام 2003، تحطم مكوك "كولومبيا" (Columbia OV-102) أثناء عودته للأرض، والسبب كان قطعة رغوة عازلة سقطت من خزان الوقود أثناء الإقلاع وارتطمت بجناح المكوك، مما أحدث ثقبا غير مرئي. لم يدرك الرواد الخطر حتى بدأت حرارة الاحتكاك بالغلاف الجوي تتسرب عبر الثقب لتصهر الجناح من الداخل.
أدت هذه المأساة إلى تغيير جذري في بروتوكولات المهمات؛ حيث أصبح لزاما على كل مكوك -أو مركبة حاليا- إجراء فحص شامل للجسم باستخدام أذرع آلية مزودة بالليزر أثناء وجودهم في المدار، وإذا اكتُشف أي خلل، يتم إلغاء العودة واللجوء لمحطة الفضاء الدولية حتى إرسال مهمة إنقاذ، مما جعل "العمى التقني" عن حالة المركبة أمرا من الماضي.
في عام 1967، سقط الرائد السوفيتي "فلاديمير كوماروف" صريعا بعدما فشلت مظلات مركبة "سويوز 1" (Soyuz 1) في الانفتاح بسبب تشابك خيوطها وتعقيد تصميمها. فقد كانت المركبة تعاني من مئات العيوب التقنية التي تم تجاهلها بسبب التسرع في السباق الفضائي.
تعلم العالم من هذه الكارثة أن أنظمة الهبوط لا يجب أن تعتمد على آلية واحدة؛ فتم إعادة تصميم أنظمة المظلات لتكون مزدوجة ومستقلة تماما، أي مظلة رئيسية واحتياطية، كما تم تشديد اختبارات المحاكاة الأرضية وإسقاط النماذج التجريبية مئات المرات قبل السماح لأي إنسان بالتحليق، مما جعل الهبوط بالمظلات أحد أكثر الأنظمة موثوقية اليوم.
تعد حادثة "سويوز 11" (Soyuz 11) الروسية عام 1971 المرة الوحيدة التي توفي فيها بشر في "الفضاء الخارجي" فعليا. فأثناء رحلة العودة، فُتح صمام تنفيس بالخطأ، مما أدى لتسرب الهواء فجأة وانخفاض الضغط داخل الكبسولة، ليموت الرواد الثلاثة اختناقا في ثوان.
قبل هذه الحادثة، كان الرواد يرتدون ملابس عادية داخل المركبة، ولكن بعدها، أصبح ارتداء "بدلة الضغط الكاملة" (Pressure Suit) إجباريا منذ لحظة إغلاق الباب للإقلاع والهبوط، وحتى فتح الباب على الأرض.
هذا القانون البسيط أنقذ حياة الكثيرين لاحقا، حيث توفر البدلة بيئة حياة مستقلة للرائد في حال فشل أنظمة ضغط المركبة.
في عام 1960، وقعت "كارثة نيديلين" (Nedelin Disaster) وهي واحدة من أبشع الكوارث الأرضية في تاريخ الفضاء حين انفجر صاروخ على المنصة في قاعدة بايكونور بالاتحاد السوفييتي.
وسميت الكارثة بهذا الاسم نسبة إلى مارشال القوات الصاروخية السوفيتية "ميترافان نيديلين" الذي كان يشرف على الاختبار ورفض اتباع إجراءات السلامة، مما أدى لمقتله مع أكثر من 100 من العلماء والمهندسين بسبب استعجاله لتنفيذ الإطلاق الذي أدى لخطأ في توصيلات الوقود.
ظلت هذه الكارثة سرا لعقود، لكن دروسها أصبحت علنية؛ حيث وُضعت بروتوكولات "المسافة الآمنة" الصارمة حول منصات الإطلاق، ومُنع وجود أي طاقم بشري بالقرب من صاروخ محمّل بالوقود.
واليوم، يتم التحكم في كل شيء من غرف محصنة بعيدة، مما يضمن حماية الأرواح حتى في حال فشل الصاروخ على الأرض.
في عام 1967، تحطمت الطائرة الصاروخية "إكس-15" (X-15) بعدما تعرضت لعطل كهربائي شامل أدى لفقدان السيطرة تماما أثناء طيرانها في أعالي الغلاف الجوي.
الطائرة الصاروخية "إكس-15" تحطمت بسبب عطل كهربائي شامل (ناسا)كشفت الحادثة عن خطورة الاعتماد على نظام كهربائي مركزي واحد للتحكم في المركبة. وبناء عليه، تم تطوير "أنظمة التحكم الاحتياطية المستقلة" (Backup Systems).
واليوم، تمتلك المركبات الفضائية أنظمة طوارئ ميكانيكية أو كهربائية منفصلة تماما عن النظام الرئيسي، بحيث يمكن للرائد التحكم في مسار المركبة وهبوطها حتى لو احترقت كافة لوحات التحكم الرئيسية، وهو ما يمثل طوق نجاة في أصعب الظروف.
ليست كل الكوارث دموية، فبعضها كوارث "برمجية". ففي عام 1962، انحرف مسبار "مارينر 1" (Mariner 1)، أول مهمة كوكبية لناسا، بعد ثوان من إقلاعه وتم تدميره ذاتيا بعد أقل من خمس دقائق من إطلاقه، وكان السبب المذهل هو نسيان "شرطة صغيرة" (-) في كود البرمجة، مما جعل الحاسوب يخطئ في الحسابات.
في 1962، تم تفجير مسبار "مارينر 1" بعد أقل من 5 دقائق من إطلاقه بسبب خطأ بسيط في الشيفرة البرمجية (ناسا)استفاد العالم من هذه "الغلطة المطبعية" بابتكار نظام "التدقيق المزدوج والمستقل"؛ حيث تقوم فرق برمجية مختلفة لا تعرف بعضها بمراجعة الكود، ويتم حقن البرامج في محاكيات متطورة لاكتشاف أي خطأ منطقي قبل الإطلاق، مما أسس لعلم "هندسة البرمجيات الفضائية" الذي يتسم بالدقة المتناهية.
تعتبر مهمة "أبولو 13" (Apollo 13) عام 1970 "فشلا ناجحا"؛ حيث انفجر خزان أكسجين في الطريق للقمر بسبب أسلاك مكشوفة، لكن الرواد نجوا بأعجوبة. فقد كشف التحقيق أن الخزانات كانت متصلة بطريقة تجعل عطلا في واحد يدمر الآخر.
أفراد طاقم مهمة "أبولو 13" يصعدون على متن سفينة الإنقاذ بعد الهبوط في المحيط الهادئ في 17 أبريل/نيسان 1970 (ناسا)وقد غيرت هذه الحادثة تصميم المركبات لتعمل بمبدأ "العزل التام"؛ حيث يتم فصل خزانات الأكسجين والوقود عن بعضها بحيث لا يؤثر انفجار أحدها على البقية. كما تمت إضافة بطاريات طوارئ ضخمة تدوم لفترات طويلة جدا، لضمان بقاء الرواد على قيد الحياة حتى في حال تعطل نظام توليد الطاقة الرئيسي بالكامل.
في عام 2004، تحطم مسبار "جينيسيس" (Genesis Spacecraft) عند عودته للأرض لأن المظلة لم تفتح. والسبب كان "كوميديا سوداويا"؛ فقد رُكبت مستشعرات الجاذبية -التي تخبر المسبار متى يفتح المظلة- بالمقلوب! وأدى هذا الخطأ البشري البسيط إلى فقدان سنوات من البحث العلمي.
بقايا كبسولة "جينيسيس" بعد هبوطها القسري في صحراء يوتا في 8 سبتمبر/أيلول 2004، بسبب فشل عمل المظلة (القوات الجوية الأمريكية)ومن هنا، تم تشديد قوانين "الفحص اليدوي المزدوج" للقطع الميكانيكية، وأصبح لزاما تصوير عملية التركيب لكل قطعة وتوثيقها، لضمان عدم عكس أي قطعة فنية، كما فُرضت اختبارات "تحدي الاتجاه" للتأكد من أن كل مستشعر يعمل في اتجاهه الصحيح قبل الإغلاق النهائي للمركبة.
إن هذه الكوارث، رغم مرارتها، تركت لنا إرثا من المعرفة جعل الفضاء اليوم أكثر أمنا من أي وقت مضى، والبشرية مدينة لأولئك الرواد والمهندسين الذين دفعوا الثمن الأغلى لنفهم أسرار الكون بسلام.
فالعلم لا يبنى فقط بالنجاحات، بل بالقدرة على مواجهة الأخطاء بشجاعة، وتحليلها بصرامة، وتحويلها إلى قوانين تحمي الأجيال القادمة وهي تنطلق نحو آفاق أبعد وأكثر غموضا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة