في يونيو/حزيران 2025، أذهلت أولى الصور الصادرة عن مرصد فيرا سي. روبن العلماء والهواة على حد سواء. صور تبدو كأعمال فنية، مليئة بالمجرات، والسدم التي تشبه لوحات الألوان المائية، محملة بكم هائل من البيانات حول أبعد أركان الكون المرصود.
يتميز مرصد روبن، الواقع على تل سيرو باتشون في تشيلي، بأنه مجهز بأكبر كاميرا رقمية في العالم وتلسكوب ذي مجال رؤية هائل، قادر على تصوير السماء الجنوبية باستمرار وبكفاءة غير مسبوقة. هذا المرصد يُتوقع أن يُحدث ثورة في علم الفلك، كاشفا أسرارا عن الكون لم نكن نحلم بها سابقا.
تقول العالمة ميريديث رولز: "خلال السنة الأولى من عملياتنا، سننتج بيانات أكثر من كل ما جمعه علم الفلك البصري على الإطلاق".
ومع هذه القوة تأتي مسؤولية كبيرة، فمرصد روبن حساس جدا ويغطي السماء الجنوبية كلها كل ثلاثة أيام، ما يجعله عرضة لتشويش جديد، حيث الأقمار الصناعية التجارية الساطعة التي تتزايد أعدادها في مدار الأرض بسرعة هائلة.
يوجد حاليا نحو 14 ألف قمر صناعي حول الأرض، أكثر من 10 آلاف منها تابعة لشركة سبيس إكس لمالكها إيلون ماسك، ومن المتوقع أن يرتفع العدد مع دخول شركات مثل "بلو أوريجن" (Blue Origin) و"وان ويب" (OneWeb) الصينية والعديد من المشاريع الصغيرة.
تعكس هذه الأقمار ضوء الشمس ويمكن أن يتسبب ذلك بتشويش يحجب تفاصيل مهمة، مثل النجوم أو السدم أو حتى المجرات البعيدة.
هذه الأقمار الصناعية، عند مرورها أمام التلسكوبات، تترك خطوطا مضيئة تُسمى بـ "الخطوط" أو "الخيوط" (Streaks) في الصور الفلكية. هذه الخطوط قد تبدد دقة صور مرصد روبن، وتخلق أخطاء منهجية في رصد الأجرام السماوية، خصوصا الكويكبات الصغيرة والمجرات البعيدة التي تُدرس لأول مرة.
وليس الأمر مجرد تشويش بصري؛ فالأقمار الصناعية الساطعة يمكن أن تسبب أخطاء منهجية معقدة في تحليل البيانات، ما يعوق اكتشاف أشياء جديدة وغير متوقعة في الكون.
يقول أنتوني تايسون: "المهمة الأساسية لمرصد روبن هي اكتشاف شيء جديد تماما، والبحث عن الإبرة في كومة القش، وهذا الأمر يصبح أصعب بكثير عند وجود الخيوط التي تسببها الأقمار الصناعية".
إلى جانب الأقمار الصناعية، ظهرت خطط المرايا الفضائية العاكسة للشمس، مثل مشروع شركة "ريفلِكت أوربيتال" (Reflect Orbital)، وهي شركة تعمل على تطوير أقمار صناعية تعكس ضوء الشمس نحو الأرض ليلا لأغراض الإضاءة أو الطاقة.
والهدف المعلن هو تمديد ضوء النهار لبعض المواقع على الأرض، سواء لمزارع الطاقة الشمسية أو للعمليات الليلية، من خلال عكس ضوء الشمس نحو مناطق محددة.
ويتوقع أن يصل عدد هذه المرايا إلى حوالي 4 آلاف مرآة في المدار المنخفض، وقد يصل حجم كل مرآة مستقبلية إلى 55 مترا. وهذه المرايا ستخلق مناطق مضيئة على الأرض تتجاوز ضوء القمر الطبيعي، مع إمكانية أن تظهر هذه الانعكاسات كخطوط مضيئة واضحة جدا عند مرورها أمام التلسكوبات. وهذا يعني أن الصور الفلكية الحساسة التي يلتقطها روبن ستكون أكثر عرضة للتلوث البصري مما قد يُضيع جزءا كبيرا من البيانات العلمية.
تعمل فرق تلسكوب روبن مع نحو 16 شركة لتقليل التأثير، بما في ذلك سبيس إكس و"بلانيت لابس" (Planet Labs) غير أن بعض الشركات تتعاون، لكن أخريات أقل تجاوبا. كما أن الأقمار الصناعية الساطعة جدا مثل "بلو ووكر 3" (BlueWalker 3) تجاوزت حدود السطوع المسموح بها بمئات المرات.
وتسعى الفرق العلمية إلى معرفة مواقع الأقمار الصناعية واتجاهها مسبقا لتجنب توجيه التلسكوب نحو المناطق الأكثر تأثرا.
بالإضافة للتعاون مع شركات الأقمار، يجري العمل على تحسين معالجة بيانات روبن للتعامل مع خطوط الأقمار الصناعية، مثل تعليم الصور بالمناطق المتأثرة وإعادة تحليل البيانات لتقليل فقدان المعلومات.
كما تستكشف الفرق استخدام تلسكوبات أرضية صغيرة متعددة لمراقبة تأثير الخطوط عبر الزوايا المختلفة، لكنها ترى أن تطبيقها على نطاق واسع قد يكون مكلفا وغير عملي.
من المتوقع أن يكتشف مرصد روبن حوالي 5 ملايين جسم جديد في النظام الشمسي خلال عشر سنوات، ويجري أيضا دراسة الأجرام القريبة من الشمس والكواكب الصغيرة القريبة من الأرض.
لكن وجود خطوط بسيطة في واحدة من صور متعددة خلال فترة قصيرة قد يمنع اكتشاف جسم متحرك. وتشير الدراسات إلى أن نحو 10–30% من المجالات الرئيسية للمسح قد تحتوي على خطوط، وقد تفقد 15% من الأجرام القريبة من الأرض بسبب هذه التشويشات.
ومع أنه يواجه تحديا جديدا من الأقمار الصناعية التجارية، فمرصد روبن جاهز لإحداث ثورة في علم الفلك. فالتعاون بين العلماء والشركات والتقنيات الحديثة سيكون الحاسم لضمان ألا تضيع أعظم اكتشافاتنا القادمة في سماء مشوشة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة