قال عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي حسن صوفان، في منشور مطول عبر صفحته على فيسبوك، إن موجات الجدل التي يشهدها المجتمع السوري تتطلب الفصل بين حق الأفراد والتيارات في التعبير عما يعتقدونه صواباً، وبين امتلاك صلاحية تحويل تلك القناعات إلى قواعد ملزمة للمجتمع، مؤكداً أن سلطة تنظيم المجال العام والإلزام تبقى من اختصاص مؤسسات الدولة والقانون.
الدعوة ومرجعية الدولة
وأوضح صوفان أن للدعوة الإسلامية، التي تعرضت للقمع خلال المرحلة السابقة، الحق في البيان والنصح والإقناع، باعتبار الإسلام جزءاً أصيلاً من هوية شريحة واسعة من السوريين، شريطة ألا يتحول الخطاب إلى تحريض على الصدام، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن بقية التيارات تمتلك حق التعبير ضمن إطار القانون.
وأكد أن إدارة الدولة والمجتمع ترتبط بصلاحيات واختصاصات ودراسة للواقع والقدرة والنتائج وإدارة التنوع، ولذلك تتحمل الدولة مسؤولية تنظيم هذه المساحة من خلال مؤسساتها وقوانينها، بينما يحتفظ الأفراد والتيارات والنخب بحق الدعوة والنصح والمشاركة دون التحول إلى سلطة موازية للدولة.
ورأى صوفان أن التمسك بالمبادئ لا يعني تجاهل الواقع، كما أن مراعاة الواقع لا تستدعي تغيير المبادئ، لافتاً إلى أن سوريا مجتمع متنوع عاش فترة طويلة تحت حكم وصفه بالجائر، ويحتاج إلى وقت للوصول إلى مرحلة من التعافي يستطيع فيها الأفراد والمكونات ممارسة حرياتهم وخياراتهم دون استعجال أو إجبار، وفي إطار يحفظ فيه القانون الحقوق العامة والمقدسات والآداب العامة.
تحديات المرحلة الانتقالية
وأشار إلى أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية لها أولوياتها ومشكلاتها، معتبراً أنه من غير الواقعي انتظار صورة مكتملة للدولة والمجتمع خلال هذه المرحلة، وفي المقابل حذر من استخدام وصف "المرحلة الانتقالية" مبرراً مفتوحاً للتقصير، داعياً إلى البناء على الممكن حالياً للوصول تدريجياً إلى واقع أفضل.
وتطرق صوفان إلى تقييم أداء المسؤولين، موضحاً أن طبيعة الوظائف الحكومية تختلف من موقع إلى آخر، وأن بعض المسؤوليات قد تمنح أصحابها حضوراً شعبياً إيجابياً، بينما تفرض مواقع أخرى اتخاذ قرارات ثقيلة تمس حياة الناس ومعيشتهم، ولذلك رأى أن عدد المؤيدين أو المعارضين لا يشكل معياراً كافياً للحكم على المسؤول.
وأضاف أن التقييم، وفق رؤيته، ينبغي أن يستند إلى مدى أداء المسؤول لمهامه بأمانة وكفاءة، والتزامه بصلاحياته وواجباته القانونية، والإمكانات والخيارات التي كانت متاحة أمامه، بدلاً من قياس نجاحه بحجم الرضا أو الغضب الشعبي المحيط به.
انتقاد ركوب موجات الجدل
وانتقد صوفان سلوك بعض المشاركين في النقاشات العامة الذين يبحثون، بحسب تعبيره، عن "الموقف الرابح" بدلاً من الموقف الذي يعتقدون أنه صحيح، في محاولة للظهور باعتبارهم الأكثر غيرة أو الأعلى سقفاً، مستغرباً ارتفاع أصوات بعض الأشخاص في المرحلة الحالية رغم أن مواقفهم، وفق وصفه، كانت أقل وضوحاً عندما كانت للكلمة كلفة أكبر.
وفرق بين معارضين يمتلكون تاريخاً ومواقف سابقة ويستحق صدق موقفهم الاحترام حتى مع الاختلاف معهم، وبين من وصفهم بـ"ركاب الأمواج وقناصي الفرص"، سواء كانوا خصوماً يستثمرون في الأخطاء أو مؤيدين يعتقدون أنهم يحسنون التصرف بينما يساهمون في زيادة التوتر، داعياً المجتمع إلى التمييز بين هذه الحالات.
الخلاف دون خسارة المسار العام
وحذر صوفان من الانشغال بكسب معارك الرأي على حساب المسار العام للبلاد، معتبراً أن طرفاً ما قد ينجح في كسب نقاش أو حشد جمهوره، لكنه في المقابل قد يزيد الانقسام ويضعف الثقة بالدولة، كما قد يستثمر خطأ أو تسريباً يتعلق بخصمه وينتهي الأمر بمجتمع أكثر انقساماً وأبعد عن الوحدة التي تحتاج إليها البلاد.
وختم بالتأكيد على دور الدولة في إدارة الخلافات ومسؤولية النخب في التعامل معها دون تحويلها إلى مادة دائمة للاستقطاب، داعياً إلى اتساق المواقف التي يتبناها الأفراد في المجالس الخاصة مع خطابهم ومواقفهم المعلنة، وتجنب توسيع الخلافات بما ينعكس سلباً على تماسك المجتمع.
وكان أثار تسجيل لمفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي، أعيد تداوله مؤخراً موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تضمن حديثاً عن خلافات فكرية سابقة مع تيارات سلفية، وتوصيفه بعض الاتجاهات التي كانت موجودة في جماعة الرئيس أحمد الشرع خلال مرحلة سابقة بالتشدد، قبل أن يشير في الحديث نفسه إلى مراجعات فكرية قال إنها طرأت لاحقاً على الرئيس وقطاع واسع من جماعته، وأنهم تجاوزوا تلك المرحلة.
وتصاعدت الانتقادات بصورة خاصة في أوساط وشخصيات محسوبة على التيار السلفي، إذ اعتبر منتقدون أن بعض العبارات الواردة في الحديث حملت إساءة أو تعميماً بحق السلفية، فيما تجاوزت ردود أخرى إطار النقاش الفكري إلى اتهامات وتخوين وهجمات شخصية بحق الرفاعي، لتتحول القضية من نقاش حول مضمون التسجيل إلى سجال أوسع بشأن الخلافات بين المدارس والتيارات الدينية ودور مفتي الجمهورية في الخطاب الديني السوري.
وفي المقابل، دافع مؤيدون ومقربون من الرفاعي عنه، مؤكدين أن المادة المتداولة تعود إلى حديث جرى في مجلس خاص ولم تكن تصريحاً إعلامياً أو بياناً رسمياً معداً للنشر، كما رأوا أن تداول أجزاء من الحديث بمعزل عن سياقه أغفل حديثه عن المراجعات الفكرية وتجاوز الخلافات السابقة، ودعوا إلى مناقشة ما ورد فيه بعيداً عن حملات التخوين والتكفير.
المصدر:
شبكة شام