آخر الأخبار

تسجيل مسرّب يشعل سجالاً بين تيارات دينية.. عمار الرفاعي يدافع عن حق الاختلاف ويرفض التخوين

شارك

أثار تسجيل لمفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي، أعيد تداوله مؤخراً موجة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تضمن حديثاً عن خلافات فكرية سابقة مع تيارات سلفية، وتوصيفه بعض الاتجاهات التي كانت موجودة في جماعة الرئيس أحمد الشرع خلال مرحلة سابقة بالتشدد، قبل أن يشير في الحديث نفسه إلى مراجعات فكرية قال إنها طرأت لاحقاً على الرئيس وقطاع واسع من جماعته، وأنهم تجاوزوا تلك المرحلة.

وتصاعدت الانتقادات بصورة خاصة في أوساط وشخصيات محسوبة على التيار السلفي، إذ اعتبر منتقدون أن بعض العبارات الواردة في الحديث حملت إساءة أو تعميماً بحق السلفية، فيما تجاوزت ردود أخرى إطار النقاش الفكري إلى اتهامات وتخوين وهجمات شخصية بحق الرفاعي، لتتحول القضية من نقاش حول مضمون التسجيل إلى سجال أوسع بشأن الخلافات بين المدارس والتيارات الدينية ودور مفتي الجمهورية في الخطاب الديني السوري.

وفي المقابل، دافع مؤيدون ومقربون من الرفاعي عنه، مؤكدين أن المادة المتداولة تعود إلى حديث جرى في مجلس خاص ولم تكن تصريحاً إعلامياً أو بياناً رسمياً معداً للنشر، كما رأوا أن تداول أجزاء من الحديث بمعزل عن سياقه أغفل حديثه عن المراجعات الفكرية وتجاوز الخلافات السابقة، ودعوا إلى مناقشة ما ورد فيه بعيداً عن حملات التخوين والتكفير.

ونشر الأستاذ عمار سارية الرفاعي توضيحاً بشأن الجدل والانتقادات التي طالت عمه مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي، مؤكداً أن المادة المتداولة تعود إلى حديث جرى في مجلس خاص وليست تصريحاً إعلامياً أو بياناً أعد للنشر، وداعياً إلى مناقشة مضمون الكلام بعيداً عن التخوين والشتائم والتكفير.

تسجيل مسرّب لا تصريح

أوضح الرفاعي أن هناك فرقاً بين التصريح والحديث الخاص، فالتصريح، بحسب وصفه، هو كلام يقصد صاحبه وصوله إلى الجمهور، سواء قيل على منبر أو في مقابلة إعلامية أو صدر ضمن بيان، بينما التسجيل المتداول جاء من حديث دار في مجلس خاص مع ضيوف محددين وفي سياق محدد، قبل أن يخرج إلى العلن.

وأشار إلى أن طبيعة الحديث في المجالس الخاصة تختلف عن الخطاب الموجه إلى الجمهور، إذ يناقش الأشخاص خلالها أفكاراً وآراء وتوصيفات قد تُصاغ بطريقة مختلفة عند الحديث على المنابر العامة، معتبراً أن ذلك مرتبط بطبيعة التخاطب واختلاف السياقات، ولا يمثل بحد ذاته ازدواجية أو تناقضاً.

وأكد في الوقت ذاته أن خصوصية المجلس لا تجعل ما ورد في التسجيل فوق النقد بعد انتشاره، ولا تعني تبنيه لكل لفظ ورد فيه، داعياً من يعترض على كلام الشيخ أسامة الرفاعي إلى مناقشته والرد عليه بالحجة، مع مراعاة أن التسجيل لم يكن بياناً رسمياً أو تصريحاً معداً للنشر.

ماذا قال الشيخ أسامة الرفاعي؟

وتطرق عمار الرفاعي إلى مضمون التسجيل، موضحاً أن مفتي الجمهورية تحدث، وفق روايته، عن خلاف فكري سابق، وعن وجود تيارات متشددة ضمن جماعة الرئيس أحمد الشرع في مرحلة سابقة، وعن خلافه معها آنذاك، قبل أن يشير في الحديث نفسه إلى حدوث مراجعات وتغييرات لاحقة.

وأضاف أن الشيخ أسامة الرفاعي اعتبر أن الرئيس أحمد الشرع وقطاعاً كبيراً من جماعته تجاوزوا ذلك التشدد، ووصفهم في التسجيل بأنهم أصبحوا من "أهل السنة والجماعة"، متسائلاً عما إذا كان استحضار خلاف سابق مع الإشارة إلى تجاوزه يمكن اعتباره محاولة لإعادة إشعال الخلاف، أم قراءة لمرحلة سابقة انتهت بالإشادة بالمراجعات التي حدثت.

وشدد على أن مضمون الحديث قابل للنقاش والنقد، وأن من حق المعترضين اعتبار بعض العبارات غير موفقة أو قاسية، لكنه انتقد انتقال الجدل من مناقشة الأفكار إلى السباب والتخوين والتكفير، ولا سيما عندما يجري ذلك تحت عنوان الدفاع عن وحدة الخطاب الإسلامي.

الاختلاف لا يبرر التخوين

ورأى الرفاعي أن وحدة الخطاب لا تعني إلغاء الاختلافات الفكرية أو المدارس الدينية، ولا محو تاريخ الخلاف بين الأشاعرة والسلفيين وغيرهم، وإنما تقتضي، من وجهة نظره، إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدم فيه كل طرف الآخر.

وختم بالتأكيد على ضرورة الفصل بين نقد الأفكار والتعرض للأشخاص وكراماتهم، معتبراً أن الرد على المواقف ينبغي أن يكون بالموقف والحجة، وأن الخلاف العلمي لا يبرر الإساءة الشخصية أو حملات التخوين والتكفير.

دعوة لتجاوز الاصطفافات الفكرية

ورأى الصحفي والباحث ماجد عبد النور، في سياق الجدل المتصاعد حول الخلافات الفكرية والدينية، أن الثورة السورية لم تنتصر لتيار بعينه أو لأيديولوجيا محددة، وإنما انتصرت، وفق تعبيره، بمشاركة مختلف التيارات وبالأفكار الأولى التي انطلقت من أجلها، مؤكداً أن السوريين على اختلاف توجهاتهم قدموا تضحيات متفاوتة، وأن المرحلة الحالية تتطلب الابتعاد عن محاولات احتكار النصر أو نسبه إلى مدرسة فكرية أو دينية دون غيرها.

وقال عبد النور إن السلفيين والصوفيين والأشاعرة والماتريدية والعلمانيين وغيرهم مطالبون بالنزول مما وصفه بـ"البرج العاجي"، معتبراً أن التجارب الأيديولوجية المختلفة شهدت إخفاقات، وأن التجربة السورية الطويلة أنتجت خبرات ومراجعات ينبغي الاستفادة منها بدلاً من العودة إلى صراعات التصنيف والانتماء الفكري.

واعتبر أن الرئيس أحمد الشرع استطاع، بحسب رؤيته، قراءة المشهد والاستفادة من تراكم التجارب السابقة، وقاد مشروع إسقاط نظام الأسد البائد بمرونة سياسية وخبرة اكتسبها خلال سنوات طويلة، رافضاً في الوقت نفسه توصيفه بـ"البراغماتي" كما يقول بعض خصومه، أو بـ"المرتد" كما يصفه مكفروه، أو اعتبار التحولات التي شهدها خطابه ومشروعه انقلاباً على أفكاره السابقة.

وختم عبد النور بالدعوة إلى تجاوز السجالات الأيديولوجية والمذهبية التي عادت إلى الواجهة، معتبراً أن نجاح المرحلة الجديدة لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للتنافس بين التيارات حول هوية المنتصر، وأن الأولوية يجب أن تبقى للمشروع الوطني الجامع بعيداً عن صراعات التصنيف والاستقطاب.

ويأتي الجدل في ظل حساسية الموقع الذي يشغله الرفاعي منذ تعيينه مفتياً عاماً للجمهورية ورئيساً لمجلس الإفتاء الأعلى في آذار/مارس 2025، ما منح التسجيل بعداً يتجاوز الخلاف الفكري بين شخصيات وتيارات دينية، وأعاد النقاش حول طبيعة الخطاب الديني في سوريا، وحدود الاختلاف بين مدارسه، وكيفية إدارة هذه التباينات دون تحويلها إلى صراع أو استقطاب داخل المجتمع.

شبكة شام المصدر: شبكة شام
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا