طالب عضو مجلس الشعب ورئيس مجلس تركمان سوريا عبد الرحمن مصطفى وزارة التربية والتعليم بإعادة النظر في وضع اللغة التركية ضمن المنهاج الدراسي الجديد، داعياً إلى اتخاذ ترتيبات تضمن استمرار تدريسها مادة اختيارية، بعد أن أدى اعتماد المنهاج الموحد إلى توقف العمل بالنظام الذي كان معمولاً به سابقاً في مناطق شمالي حلب.
وقال مصطفى، في منشور عبر منصة "إكس"، إن مجلس تركمان سوريا يطالب بضمان عدم انقطاع دروس اللغة التركية، معتبراً أن الإبقاء عليها مادة اختيارية خلال المرحلة الحالية يمثل حلاً مؤقتاً، ولا يلبي كامل المطالب المتعلقة بالحقوق اللغوية والثقافية للتركمان السوريين.
وأكد أن المطلب الأساسي يتمثل في ضمان هذه الحقوق ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وفي مقدمتها الحق في تعلم اللغة التركية والحفاظ عليها وإحيائها، مشدداً على أن المطالبة باستمرار الدروس الاختيارية خلال المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن تُفسر باعتبارها تنازلاً عن هذه المطالب أو قبولاً بتقييدها.
من مادة معتمدة إلى غياب عن المنهاج الموحد
شهدت مناطق شمالي وشرقي حلب خلال السنوات الماضية حضوراً واسعاً للغة التركية في العملية التعليمية، إذ دُرست في مدارس تابعة للمجالس المحلية، ووصل اعتمادها في عدد من المناطق إلى مادة إلزامية لصفوف دراسية مختلفة، بالتوازي مع افتتاح معاهد وأقسام متخصصة لتدريسها وتأهيل المدرسين.
وامتد حضور اللغة التركية إلى عدد من الجامعات والمعاهد العاملة في المنطقة، في ظل الارتباط الإداري والتعليمي الذي كان قائماً بين المجالس المحلية والجانب التركي خلال سنوات تعدد أنظمة التعليم في مناطق السيطرة المختلفة.
وتغير هذا الواقع مع توجه وزارة التربية والتعليم إلى توحيد المناهج في مختلف المحافظات السورية، إذ لم تعد اللغة التركية مدرجة ضمن الخطة التعليمية التي كانت مطبقة سابقاً في مدارس شمالي حلب، ما أدى عملياً إلى توقف تدريسها بالصورة السابقة، من دون صدور قرار منفصل مخصص لإلغائها.
وأثار هذا التحول مطالبات داخل الأوساط التركمانية بإعادة النظر في وضع المادة، والإبقاء عليها في الحد الأدنى كخيار تعليمي خلال المرحلة الانتقالية، ريثما تتحدد بصورة أوسع السياسات المتعلقة بلغات المكونات السورية وحقوقها الثقافية.
تدريس الكردية يعيد ملف اللغات إلى الواجهة
يتزامن الجدل بشأن اللغة التركية مع خطوات رسمية اتخذتها وزارة التربية والتعليم لتنظيم تدريس اللغة الكردية، بعد إدراجها ضمن المناهج التعليمية تنفيذاً للمرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أقر بأن الهوية الثقافية واللغوية للسوريين الكرد جزء من الهوية الوطنية السورية.
وأتاحت الوزارة، في تعديل صدر أواخر آب الماضي، تدريس اللغة الكردية باعتبارها "لغة وطنية" في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكل فيها السوريون الكرد نسبة ملحوظة من السكان، وحددت لها ثلاث حصص أسبوعية، إضافة إلى حصة للأنشطة، مع احتساب علامة المادة ضمن المجموع النهائي للطالب.
وكلفت الوزارة المركز الوطني لتطوير المناهج بإعداد مناهج خاصة باللغة الكردية لجميع المراحل الدراسية، بعد أن كانت التعليمات السابقة تنص على تدريسها اختيارياً بواقع حصتين أسبوعياً.
ويعيد التفاوت بين تنظيم تدريس اللغة الكردية وتوقف تدريس التركية وفق النظام السابق طرح ملف اللغات المحلية داخل المنظومة التعليمية السورية، وكيفية التوفيق بين توحيد المناهج من جهة، والحفاظ على الحقوق اللغوية والثقافية للمكونات المختلفة من جهة أخرى.
وسبق لمجلس تركمان سوريا أن طالب بضمان الحقوق التعليمية والثقافية واللغوية للتركمان ضمن الأطر الدستورية والقانونية الجديدة، إلى جانب إشراك ممثليهم في صياغة التشريعات والمؤسسات التي ستحدد شكل الدولة خلال المرحلة المقبلة.
يُعد التركمان أحد المكونات التاريخية في المجتمع السوري، ويرتبط وجودهم بموجات استقرار متعاقبة تعود إلى فترات السلاجقة والمماليك والعثمانيين، قبل أن يندمجوا على مدى قرون في النسيج الاجتماعي السوري، مع احتفاظ أجزاء منهم بلغتهم وعاداتهم وهويتهم الثقافية.
وينتشر التركمان في عدد من المحافظات السورية، مع تجمعات بارزة في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، ولا سيما المنطقة الممتدة بين أعزاز وجرابلس ومحيط الراعي، إضافة إلى مناطق في اللاذقية وحمص وحماة والقنيطرة وبعض قرى الرقة، فضلاً عن وجود عائلات تركمانية في المدن الكبرى.
وحافظت قرى وتجمعات تركمانية، ولا سيما في شمال حلب وجبل التركمان بريف اللاذقية، على استخدام اللغة التركية إلى جانب العربية، بينما أصبحت العربية اللغة الرئيسية لدى أعداد كبيرة من التركمان المقيمين في المدن نتيجة الاندماج الاجتماعي والثقافي على مدى أجيال.
ولا تتوافر إحصاءات رسمية حديثة ودقيقة تحدد عدد التركمان في سوريا، كما تختلف التقديرات بشأن نسبتهم من السكان، وهو ما يجعل الأرقام المتداولة غير محسومة، خصوصاً في ظل التحولات الديموغرافية الواسعة التي شهدتها البلاد خلال الحرب في سوريا وحركات النزوح والهجرة.
وتكتسب مسألة اللغة بالنسبة إلى جزء من التركمان بعداً ثقافياً يتجاوز الجانب التعليمي، إذ ترتبط مطالب تدريسها بالحفاظ على الهوية والتراث ونقل اللغة بين الأجيال، وهو ما أعاد الملف إلى النقاش بالتزامن مع إعادة تنظيم المناهج والسياسات التعليمية في سوريا.
المصدر:
شبكة شام