أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" مظلوم عبدي، خلال مؤتمر صحفي في دمشق، حل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" و"الإدارة الذاتية" وكافة التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لهما بصورة نهائية، واندماجها الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، في خطوة تنهي رسمياً تجربة عسكرية وإدارية استمرت أكثر من عقد في شمال شرقي سوريا، وتفتح مرحلة جديدة تقوم على توحيد المؤسسات والقرار العسكري والأمني والإداري تحت سلطة الدولة.
إعلان الحل ينهي مرحلة الدمج
أكد عبدي من خلال إعلانه انتهاء الصفة التنظيمية المستقلة لـ"قسد" و"الإدارة الذاتية"، بعد مسار من المفاوضات والتفاهمات والإجراءات التنفيذية التي تناولت مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية في شمال شرقي سوريا، وآليات انتقالها إلى مؤسسات الدولة.
أكد عبدي أن الظروف تغيرت وأن البلاد دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام وبناء سوريا الجديدة، موضحاً أن الإعلان جاء بعد الاتفاق مع الرئيس أحمد الشرع واستكمال عمليات دمج قوات "قسد" ضمن ألوية الجيش السوري.
وأعلن عبدي "انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية"، مؤكداً حلها كقوة عسكرية مستقلة، في خطوة تنهي رسمياً وجود التشكيل العسكري خارج إطار الجيش السوري، بعد استكمال مسار دمج قواته في المؤسسة العسكرية للدولة.
وصف عبدي المرحلة الراهنة بأنها لحظة تاريخية لسوريا، مشيراً إلى أنها تمثل طي صفحة مهمة وفتح أخرى تقوم على السلام والاستقرار والبناء، وشدد على أن الهدف من إعلان الحل يتمثل في أن يكون هذا اليوم بداية انتقال حقيقي "من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام"، بما يعكس انتهاء المهمة العسكرية المستقلة لـ"قسد" وبدء مرحلة جديدة ضمن مؤسسات الدولة السورية.
ويحوّل الإعلان عملية الدمج من مرحلة التفاهمات والترتيبات التنفيذية إلى واقع نهائي، مع إنهاء الهياكل التي كانت تعمل بصورة موازية لمؤسسات الدولة، وانتقال مسؤولياتها واختصاصاتها إلى الوزارات والمحافظات والهيئات الحكومية السورية.
نهاية قوة تأسست عام 2015
تأسست "قوات سوريا الديمقراطية" في تشرين الأول 2015 بوصفها تحالفاً ضم تشكيلات كردية وعربية وسريانية وآشورية، وشكلت وحدات حماية الشعب القوة الرئيسية داخل بنيتها، بالتزامن مع بحث الولايات المتحدة والتحالف الدولي عن شريك بري لمواجهة تنظيم "داعش".
وتوسعت "قسد" خلال سنوات الحرب على التنظيم بدعم أمريكي عسكري ولوجستي وجوي، وتمكنت من السيطرة على مناطق واسعة في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وأجزاء من حلب، قبل أن تصل في ذروة نفوذها إلى مساحة قدرت بنحو 60 ألف كيلومتر مربع، تضم قسماً مهماً من حقول النفط والغاز والأراضي الزراعية السورية.
وأعلنت "قسد" في آذار 2019، بعد معركة الباغوز شرقي دير الزور، انتهاء السيطرة الجغرافية لتنظيم "داعش"، وهي المهمة التي شكلت الأساس للشراكة التي جمعتها بالولايات المتحدة طوال سنوات.
"الإدارة الذاتية" من التأسيس إلى الحل
سبقت تجربة "الإدارة الذاتية" تأسيس "قسد"، إذ أعلنت القيادات الكردية عام 2014 إنشاء إدارة خاصة في مناطق الجزيرة وعفرين وعين العرب "كوباني"، قبل أن تتوسع مؤسساتها لاحقاً مع توسع السيطرة العسكرية.
وأنشأت الإدارة خلال السنوات التالية مؤسسات مدنية وأمنية وتعليمية وقانونية خاصة، فيما وفرت "قسد" المظلة العسكرية لهذا المشروع، الأمر الذي أدى إلى نشوء منظومة إدارية وعسكرية منفصلة عن مؤسسات الدولة في مساحة واسعة من شمال شرقي البلاد.
وينهي إعلان عبدي هذه الصيغة بصورة نهائية، مع حل الإدارة والتشكيلات التابعة لها وانتقال المؤسسات إلى الوزارات والهيئات والمحافظات السورية المختصة.
استعادة وحدة المؤسسات والقرار
يمثل الحل خطوة رئيسية باتجاه توحيد مؤسسات الدولة واستعادة دورها الكامل في شمال شرقي سوريا، بما يعيد ربط المنطقة إدارياً واقتصادياً ومؤسساتياً ببقية المحافظات، وينهي وجود سلطات وهياكل موازية.
ويعني الحل على المستوى العسكري والأمني إنهاء أي تشكيل مستقل عن وزارتي الدفاع والداخلية، ووضع العناصر التي شملها الدمج ضمن سلسلة قيادة وطنية واحدة، لتصبح مسؤولية الأمن والحدود وحماية المواطنين ومواجهة التهديدات مسؤولية حصرية لمؤسسات الدولة السورية.
كما يعزز توحيد القدرات العسكرية والأمنية قدرة دمشق على مواصلة مكافحة تنظيم "داعش" وملاحقة خلاياه ومنع إعادة تشكله، بعد انتقال مسؤولية هذا الملف تدريجياً إلى المؤسسات السورية.
قنديل وملف العناصر الأجنبية
شكّلت علاقة وحدات حماية الشعب و"قسد" بحزب العمال الكردستاني وجبال قنديل واحدة من أكثر القضايا تعقيداً خلال السنوات الماضية، وخصوصاً بالنسبة إلى تركيا التي اعتبرت هذه التشكيلات امتداداً سورياً للحزب.
كما تحولت مسألة وجود عناصر وقيادات غير سورية إلى إحدى العقد الأساسية في المفاوضات المتعلقة بالدمج، في ظل تمسك دمشق بأن يكون القرار العسكري والأمني سورياً وألا تعمل على أراضي البلاد تشكيلات مرتبطة بقيادات أو أجندات خارجية.
السوريون الكرد داخل الدولة
يفصل المسار الذي انتهى بحل "قسد" بين إنهاء التنظيم العسكري والإداري المستقل وبين حقوق السوريين الكرد، إذ يقوم التفاهم على اندماج المنطقة ومؤسساتها ضمن الدولة مع صون الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للكرد باعتبارهم مكوناً أصيلاً من مكونات المجتمع السوري.
ويحوّل ذلك القضية الكردية من ملف ارتبط خلال السنوات الماضية بقوة عسكرية وإدارة مستقلة إلى مسار سياسي ودستوري داخل مؤسسات الجمهورية، بما يسمح بالمشاركة السياسية بعيداً عن السلاح والمشاريع والأيديولوجيات العابرة للحدود.
تحولات ميدانية سبقت النهاية
سبق الوصول إلى الحل النهائي تغير واسع في موازين القوى، مع استعادة الحكومة السورية مناطق كانت خاضعة لسيطرة "قسد"، بالتزامن مع انشقاقات كبيرة في صفوف المقاتلين العرب، ولا سيما في الرقة ودير الزور، وتراجع قدرة التنظيم على الاحتفاظ بالجغرافيا الواسعة التي سيطر عليها خلال الحرب على "داعش".
وتزامنت هذه التطورات مع تغير في البيئة الإقليمية والدولية، وتراجع المبررات التي قامت عليها الشراكة الأمريكية مع "قسد"، إلى جانب التحولات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني ومسار التخلي عن العمل المسلح.
نهاية المشروع وبقاء الحقوق
يعكس الإعلان النهائي للحل نجاح مسار الدولة السورية في معالجة واحد من أكثر الملفات تعقيداً، عبر الجمع بين استعادة المؤسسات والموارد والقرار السيادي وبين فتح الطريق أمام اندماج السوريين الكرد وممثليهم في الحياة السياسية ومؤسسات الجمهورية.
وبذلك، لا يعني حل "قسد" إنهاء حضور المكون الكردي، وإنما ينهي نموذج القوة العسكرية والإدارة المستقلة، وينقل الحقوق والمطالب السياسية والثقافية إلى داخل الدولة ومؤسساتها.
نهاية عشر سنوات من "قسد"
يطوي إعلان مظلوم عبدي صفحة بدأت رسمياً مع تأسيس "قسد" عام 2015، ومرت بالحرب على "داعش" والتوسع إلى قرابة ثلث مساحة سوريا، وإنشاء منظومة إدارية وأمنية منفصلة، ثم دخلت مرحلة الانحسار مع تغير الظروف العسكرية والسياسية والإقليمية.
ويضع الحل النهائي اليوم خاتمة لهذه التحولات، إذ تنتهي "قوات سوريا الديمقراطية" و"الإدارة الذاتية" بوصفهما كيانين مستقلين، وتنتقل تشكيلاتهما ومؤسساتهما إلى الدولة السورية، لتبدأ في شمال شرقي البلاد مرحلة جديدة عنوانها دولة واحدة، ومؤسسات واحدة، وقرار عسكري وأمني واحد، مع صون حقوق جميع السوريين ضمن الإطار الوطني الجامع.
المصدر:
شبكة شام