قدّمت وزارة الداخلية السورية اعتذاراً رسمياً إلى ستة مواطنين وعائلاتهم، بعد توقيفهم احترازياً للاشتباه بصلتهم بخلية تابعة لتنظيم "داعش" الإرهابي في بلدة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، قبل أن تثبت التحقيقات عدم تورطهم في أي نشاط مرتبط بالتنظيم، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز القضية نفسها إلى طبيعة العلاقة التي تسعى المؤسسة الأمنية إلى بنائها مع السوريين عقب سقوط نظام الأسد البائد.
اعتذار بعد ظهور نتائج التحقيق
أوضحت وزارة الداخلية، إلحاقاً ببيانها الصادر في 9 آب/أغسطس 2026 بشأن إلقاء القبض على خلية تابعة لتنظيم "داعش" في خان أرنبة، أن التحقيقات أظهرت تورط مصعب خليل الشيخ، الملقب بـ"الصيني"، بقيادة الخلية، وتوليه سابقاً عدداً من المناصب القيادية داخل التنظيم، من بينها "والي دمشق" و"أمني دمشق" و"عسكري الجنوب"، وذلك تحت إمرة محمود شحادة علي الملقب بـ"شداد".
وكشفت التحقيقات، وفق الوزارة، مشاركة كل من صهيب وائل الشيخ وموسى هاشم مصطفى في أنشطة مرتبطة بالتنظيم، فيما دفعت خطورة المعلومات المتعلقة بالخلية إلى توقيف عدد من الأشخاص للاشتباه بوجود صلات تربطهم بالمتهم الرئيسي، بهدف التحقق من طبيعة علاقتهم بالخلية وأنشطتها.
وبيّنت الوزارة أن التحقيقات اللاحقة لم تثبت تورط عادل عبد الله السعيد، ومحمد عادل السعيد، ومصطفى عادل السعيد، وبيان خالد المصري، وماهر عثمان الأسعد، وعامر إبراهيم السيد، في أي نشاط لصالح تنظيم "داعش"، وأن صلتهم بالمتهم اقتصرت على روابط عائلية.
وأكدت وزارة الداخلية أن حماية حقوق المواطنين وصون كرامتهم جزء أصيل من مسؤوليتها بالتوازي مع مكافحة الإرهاب والجريمة، وقدمت اعتذارها للموقوفين الستة وعائلاتهم عن فترة التوقيف والإجراءات الاحترازية التي رافقت التحقيق، مجددة التزامها بسيادة القانون وضمان حقوق المواطنين.
سابقة في التعامل مع الخطأ الأمني
يحمل الاعتذار أهمية خاصة في السياق السوري، إذ يقدم نموذجاً مختلفاً في تعامل المؤسسة الأمنية مع المواطن، يقوم على الاعتراف العلني بنتائج التحقيق عندما تنفي الشبهات، ورد الاعتبار إلى الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في سياق قضية أمنية، بدلاً من إبقائهم تحت وطأة الاشتباه بعد انتفاء أسبابه.
ويعكس الإعلان أيضاً تحولاً مهماً في مفهوم المسؤولية الأمنية عقب سقوط نظام الأسد البائد، فمهمة الأجهزة الأمنية في الدولة الجديدة تضع أمامها معادلة دقيقة تجمع بين مواجهة التهديدات الأمنية الخطيرة وحماية حقوق الأشخاص الذين تشملهم التحقيقات، مع ضرورة خضوع إجراءات التوقيف والتحقيق للقانون والرقابة والمساءلة.
ويكتسب نشر أسماء الأشخاص الذين ثبت عدم تورطهم وتقديم الاعتذار لهم أهمية إضافية، لأن الضرر الناتج عن الاشتباه في قضية مرتبطة بتنظيم إرهابي قد يمتد إلى السمعة والحياة الاجتماعية والعائلية حتى بعد الإفراج، ما يجعل رد الاعتبار العلني مكملاً لإعلان براءتهم من الشبهات التي استدعت توقيفهم.
قطيعة مطلوبة مع إرث أمني ثقيل
وارتبطت صورة الأجهزة الأمنية لدى أجيال من السوريين بالخوف من الاعتقال والاختفاء داخل الفروع الأمنية، في ظل غياب المساءلة وصعوبة معرفة مصير المعتقلين، وهو إرث يجعل إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية واحدة من أكثر المهام حساسية أمام الدولة السورية بعد سقوط النظام البائد.
ويقدم اعتذار وزارة الداخلية في هذا السياق مؤشراً إيجابياً على اتجاه مختلف، فاعتراف المؤسسة بأن التحقيق لم يثبت تورط أشخاص سبق توقيفهم يعني أن الاشتباه لا يتحول تلقائياً إلى إدانة، وأن القرابة من متهم لا تكفي لتحميل أقاربه المسؤولية الجنائية عن أفعاله.
المسؤولية فردية
ويرسخ الإفراج عن الموقوفين بعد التحقق من اقتصار علاقتهم بالمتهم على روابط عائلية مبدأ المسؤولية الفردية، وهو مبدأ بالغ الأهمية في مرحلة تواجه فيها سوريا تحديات أمنية واجتماعية متشابكة، وتحتاج خلالها إلى منع انتقال المسؤولية من المتهم إلى أسرته أو محيطه الاجتماعي.
ويؤكد هذا المبدأ أن مكافحة تنظيم "داعش" وغيره من التنظيمات الإرهابية ينبغي أن تبقى موجهة إلى الأشخاص الذين تثبت الأدلة مسؤوليتهم، وأن القرابة العائلية أو المعرفة الشخصية لا يمكن أن تتحول بذاتها إلى أساس للإدانة، بما يحمي المجتمع من العقاب الجماعي ويعزز الثقة بالإجراءات الأمنية.
مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق
وتكشف القضية في الوقت ذاته حجم التحدي الذي تواجهه قوى الأمن الداخلي، إذ تتطلب ملاحقة خلايا تنظيم "داعش" إجراءات أمنية وتحقيقات دقيقة في شبكات العلاقات والاتصالات والدعم، بينما تتطلب سيادة القانون التمييز بين المشتبه به والمتورط، وإنهاء التوقيف عندما تنتفي أسبابه، وإحالة من تثبت مسؤوليته إلى الجهات القضائية المختصة.
وكانت قوى الأمن الداخلي، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة، قد أعلنت تفكيك خلية للتنظيم في بلدة خان أرنبة، وإلقاء القبض على مصعب خليل الشيخ وصهيب وائل الشيخ وموسى هاشم مصطفى، ضمن العمليات الرامية إلى ملاحقة عناصر التنظيم وتجفيف مصادر إمداده.
وأظهرت التحقيقات الأولية، بحسب ما أعلنته الجهات المختصة، أن الخلية نفذت مهام لصالح التنظيم شملت جمع الأسلحة ونقل العبوات الناسفة ومستلزماتها، إلى جانب أنشطة مرتبطة بدعم تحركاته، قبل إحالة أفرادها إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية.
الاعتذار بداية لمعيار مؤسساتي
ويفتح اعتذار وزارة الداخلية الباب أمام معيار يمكن أن تكون له أهمية أكبر إذا تحول إلى ممارسة مؤسساتية ثابتة، تقوم على مراجعة الإجراءات الأمنية، وتصحيح الأخطاء عند وقوعها، ورد الاعتبار إلى المتضررين، ومحاسبة أي تجاوز يثبت وقوعه وفق القانون.
ويحتاج بناء الثقة إلى أكثر من واقعة واحدة، كما يحتاج إلى قواعد واضحة للتوقيف والتحقيق، ورقابة قضائية فعالة، وضمان التواصل مع العائلات، وحماية الموقوفين من أي إساءة، ومساءلة المسؤولين عن التجاوزات، وتعويض المتضررين عندما يقرر القانون استحقاقهم لذلك.
ويشكل الاعتراف بالخطأ أو بالضرر الذي تسببت به إجراءات احترازية ثقافة مؤسساتية مهمة، لأن هيبة المؤسسة الأمنية في دولة القانون لا تقوم على ادعاء عدم الخطأ، وإنما على قدرتها على العمل ضمن القانون ومراجعة قراراتها وتصحيحها وتحمل مسؤوليتها أمام المواطن.
من أمن السلطة إلى أمن المواطن
ويضع سقوط نظام الأسد البائد المؤسسة الأمنية السورية أمام مهمة إعادة تعريف وظيفتها، بعد عقود ارتبط خلالها الأمن بحماية النظام ومراكز السلطة، فيما تقوم فلسفة الأمن في الدولة الحديثة على حماية المجتمع والمواطن وإنفاذ القانون وصون الحقوق بالتوازي مع مواجهة الجريمة والإرهاب.
ويمنح الاعتذار للموقوفين الستة هذه القضية دلالة تتجاوز أسماء أصحابها، إذ يقدم مثالاً على العلاقة المطلوبة بين المواطن وجهاز الأمن، حيث تستطيع المؤسسة توقيف مشتبه به وفق القانون عندما تتوافر أسباب لذلك، وتحقق في الشبهات، ثم تفرج عنه عندما تنتفي الأدلة، وتعترف علناً بالنتيجة وتحفظ كرامته.
ويبقى تثبيت هذا النهج مرتبطاً باستمراره في مختلف القضايا، لأن السوريين الذين عاشوا تجربة طويلة مع الاعتقال التعسفي وأجهزة الأمن يحتاجون إلى ممارسات متراكمة تؤكد أن المرحلة الجديدة تحمل قواعد مختلفة، وأن حقوق المواطن لا تتعارض مع حماية الأمن الوطني.
ويؤسس استمرار هذه الممارسات لعلاقة جديدة يكون فيها الأمن مسؤولاً أمام القانون، والمواطن صاحب حقوق حتى أثناء الاشتباه والتحقيق، وتصبح فيها مكافحة الإرهاب أكثر قوة عندما تقترن بالدقة والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية، وهي المعادلة التي تحتاجها سوريا لترسيخ دولة المؤسسات واستعادة ثقة السوريين بأجهزتهم الأمنية.
المصدر:
شبكة شام