تشهد محافظة السويداء تصاعداً لافتاً في مظاهر الفلتان الأمني، مع تزايد حوادث القتل والاشتباكات والاعتداءات، إلى جانب انتشار سرقة كابلات الكهرباء والاتصالات وتضرر منشآت خدمية حيوية، في ظل نفوذ ما يسمى بـ"الحرس الوطني" المعروف بـ"ميليشيا الهجري" التي لا تتهم فقط بعدم فرض الأمن بل كونها العامل الفاعل في هذه الانتهاكات عبر العصابات الخارجة عن القانون التابعة لها.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بالعنف المسلح وسط انتشار السلاح في صفوف المجموعات الخارجة عن القانون، لتطرح تساؤلات متزايدة حول واقع الأمن في المحافظة، مع تزايد نفوذ المليشيات المسيطرة على الأرض وخطرها على المدنيين والمنشآت العامة.
أربعة قتلى خلال أقل من 48 ساعة
سجلت المحافظة خلال يومي 10 و11 آب مقتل أربعة أشخاص في حوادث منفصلة، وفق معلومات محلية، ما يعكس استمرار هشاشة الوضع الأمني وتعدد مصادر الخطر على السكان.
ففي مساء 10 آب، قتلت الشابة رغد العنداري، البالغة 21 عاماً، داخل منزلها في قرية الطيبة بريف السويداء الشرقي، إثر إطلاق والدها جندل ضامن العنداري النار عليها بعدة طلقات من بندقية آلية، بحسب مصادر محلية.
وفي 11 آب، قُتل الشابان ضيغم كمال، 25 عاماً، وإسماعيل أبو راس، 27 عاماً، إثر انفجار أصاب سيارتهما شرق قرية الحريسة، أثناء ما وصف بأنه رحلة صيد، فيما أصيب شخصان آخران بجروح خفيفة، وسط تضارب الروايات حول طبيعة الانفجار وسببه.
وفي اليوم ذاته، قتل الشاب ليث العلي، في حي الخريج شرقي مدينة السويداء، خلال اشتباك مع أهالي الحي بعد اتهامه بمحاولة سرقة دراجة نارية برفقة شخصين آخرين، بينما نفت عائلته الاتهامات وطالبت بتحقيق شفاف في ملابسات مقتله.
الاعتداء على طبيب يشعل إضراباً في المشفى الوطني
ولم تقتصر مظاهر الفلتان الأمني على جرائم القتل، إذ شهد المشفى الوطني في مدينة السويداء اعتداءً جسدياً على أحد الأطباء، عقب خلاف مع مرافق أحد المرضى داخل غرفة المعاينة.
وبحسب المعلومات المتداولة، طلب الطبيب من المرافق مغادرة الغرفة، التزاماً بالإجراءات المعتمدة التي تتيح للطبيب والكادر التمريضي إجراء المعاينة في ظروف مناسبة تضمن خصوصية المريض، إلا أن الطلب تحول إلى مشادة كلامية وتدافع انتهى بالاعتداء على الطبيب بالضرب.
وعقب الحادثة، أعلن الكادر الطبي في المشفى إضراباً عن العمل احتجاجاً، مطالباً بتوفير الحماية للعاملين في القطاع الصحي ومحاسبة المعتدين.
سرقة الكابلات.. اعتداء متكرر على البنية التحتية
ومن أبرز مظاهر الفلتان الأمني في السويداء، خلال الأشهر الماضية، تصاعد سرقة كابلات الكهرباء والاتصالات، في عمليات تستهدف النحاس بغرض بيعه، وفق معلومات محلية.
وتشير معطيات فنية محلية إلى تسجيل سبع عمليات سرقة وتخريب خلال عشرة أيام من حزيران 2026، طالت مواقع عدة، بينها طريق الثعلة، ومساكن الخضر، ومنطقة الكوم، وحي الجلاء، والطريق العريض، وطريق الرحى ومفرق مصاد.
وتسبب استهداف شبكات الاتصالات بخروج آلاف المشتركين عن الخدمة، إذ أدت إحدى عمليات السرقة إلى تعطيل 1199 رقماً هاتفياً و928 بوابة إنترنت، فيما طالت أضرار أخرى نحو 1500 مشترك في الرحى ونحو 1300 مشترك في مركز السويداء الثاني.
كما امتدت السرقات إلى شبكات الكهرباء، حيث استُهدفت كابلات محولات ومغذيات لأحياء ومبانٍ سكنية، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق عدة وخروج بعض المحولات عن الخدمة.
السرقات تطال المياه وخطوط الطوارئ
الأضرار لم تتوقف عند الكهرباء والاتصالات، بل امتدت إلى قطاعات حيوية أخرى فقد استهدفت عمليات السرقة الكابلات المغذية لآبار المياه، ما تسبب بخروج آبار عن الخدمة، ولا سيما في بلدة الرحى، وسط تكرار عمليات التخريب بعد إصلاح الأعطال.
كما طال التخريب خط الطوارئ الخاص بفوج إطفاء السويداء، المعروف بالرقم 113، ما دفع الفوج إلى إعلان أرقام بديلة للتواصل ويعني استمرار هذه العمليات أن آثارها لا تقتصر على خسائر مادية، بل تمتد إلى تعطيل خدمات أساسية يمكن أن تكون حاسمة في حالات الطوارئ، فضلاً عن استنزاف الموارد اللازمة لإعادة تأهيل الشبكات التي تتعرض للاستهداف المتكرر.
وتربط مصادر وشكاوى محلية استمرار هذه الظاهرة بضعف الدور الأمني في المحافظة، وتوجه انتقادات للقوى والأجهزة المرتبطة بما يسمى ميليشيا "الحرس الوطني" بقيادة الشيخ حكمت الهجري، متهمة إياها بعدم اتخاذ إجراءات كافية لردع العصابات وملاحقة المتورطين وسط تأكيد أن معظم المجرمين ينتمون إلى ميليشيا الهجري.
38 وفاة خلال أقل من ثلاثة أشهر
وتقدم إحصائية نشرتها شبكة "السويداء 24" مؤشراً أوسع على حجم العنف في المحافظة، إذ وثقت نحو 38 حالة وفاة خلال الفترة الممتدة من 7 أيار وحتى 26 تموز 2026، مع توثيق الأسماء والتواريخ والأسباب المعلنة.
وتشير عملية تصنيف الحالات إلى أن ما بين 20 و22 وفاة ارتبطت بإطلاق النار، فيما تسببت الألغام والقنابل والشظايا بمقتل نحو ستة إلى سبعة أشخاص، بينما تراوحت الوفيات الناجمة عن حوادث غير مرتبطة بالعنف المباشر بين ثماني وعشر حالات.
وبحسب الإحصائية، فإن نحو 70 إلى 75 بالمئة من الوفيات الموثقة خلال الفترة المذكورة ارتبطت بالعنف المسلح أو المتفجرات، ما يجعل انتشار السلاح غير المنظم ومخلفات الحرب من أبرز مصادر الخطر على المدنيين.
وتظهر البيانات أن الطلقات النارية تمثل المصدر الأكبر للوفيات المرتبطة بالعنف، في وقت تواصل فيه الألغام ومخلفات الحرب حصد أرواح المدنيين، ولا سيما في المناطق الزراعية والطرق الفرعية.
وشملت الحالات أطفالاً ومراهقين، بينهم ضحايا بأعمار 13 و15 و16 و17 عاماً، إضافة إلى عدد من النساء، ما يعكس اتساع دائرة المتضررين وعدم اقتصار آثار الفلتان الأمني على فئة عمرية أو اجتماعية محددة.
كما شهدت المحافظة خلال الفترة ذاتها حالات جرى تصنيفها كخرق للهدنة، بينها إصابات بشظايا وحوادث إطلاق نار، الأمر الذي يزيد من هشاشة الوضع الأمني ويعمق مخاوف السكان.
هذا تشهد محافظة السويداء خلال الأيام الأخيرة تصاعداً غير مسبوق في مظاهر الفلتان الأمني، مع قيام مجموعات مسلحة مرتبطة بـ"الحرس الوطني" الخاضع لنفوذ حكمت الهجري ونجله سلمان الهجري بالوقوف خلف سلسلة من الحوادث الأمنية التي شملت عمليات خطف وقطع طرق واشتباكات مسلحة واعتداءات على المدنيين.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الوقائع المتلاحقة تظهر مدى حالة الانفلات الأمني المتفاقمة التي تشهدها السويداء، في ظل اتهامات متزايدة لمجموعات مسلحة مرتبطة بمراكز نفوذ داخل "الحرس الوطني" بممارسة الخطف والابتزاز وفرض الإتاوات وقطع الطرق واستخدام السلاح لتحقيق مكاسب خاصة، بينما تتصاعد مطالب الأهالي بإنهاء حالة الفوضى وضبط السلاح ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات التي باتت تهدد أمن المدنيين في المحافظة.
المصدر:
شبكة شام