انطلقت في فندق داما روز بدمشق، اليوم الاثنين، أعمال الورشة الوطنية لمراجعة مسودة مشروع مدونة السلوك القضائي، بمشاركة واسعة من القضاة والخبراء والمختصين، بهدف مناقشة مضامين المشروع بصورة تشاركية، والوصول إلى إطار يعزز استقلال القضاء ونزاهته وكفاءته ويرسخ ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية.
مشاركة قضائية وحكومية واسعة
شارك في أعمال الورشة رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس مجلس الدولة، ووزراء العدل والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام والتنمية الإدارية، ومستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب عدد من القضاة وممثلي المنظمات المجتمعية والنقابية.
الويس: المدونة لحماية القاضي وصون استقلاله
وفي كلمته، أكد وزير العدل مظهر الويس أن العمل على إعداد مدونة السلوك القضائي مستمر منذ نحو عام، موضحاً أن المشروع المطروح خلال الورشة يمثل منطلقاً للنقاش والحوار، وليس صيغة نهائية مغلقة.
شدد الويس على أن المدونة لا تهدف إلى أن تكون أداة لمراقبة القاضي أو مساءلته، وإنما تسعى إلى حمايته وصون استقلاله وسمعته، ومساعدته في تحديد الضوابط والمعايير التي ينبغي الالتزام بها، ولا سيما خلال المرحلة الحالية.
أوضح أن الوزارة تسعى من خلال النقاشات إلى التوصل لآلية عمل تتيح تجربة إطلاق المدونة، وإدراجها ضمن مناهج التدريب في المعهد العالي للقضاء، بما يسمح بإعداد برامج تدريبية تستهدف القضاة الجدد والقدامى على حد سواء.
الاستقلال والنزاهة والكفاءة
وحدد رئيس محكمة النقض القاضي المستشار أنس السليمان ثلاثة مقومات أساسية لتمكين المؤسسة القضائية من أداء رسالتها، تتمثل في استقلال القاضي ونزاهته وكفاءته.
اعتبر السليمان أن استقلال القضاء لا يمكن ضمانه بالدساتير والنصوص القانونية وحدها، بل يجب أن ينبع من داخل القاضي نفسه، باعتباره قراراً شخصياً وممارسة أخلاقية تسبق كونه مبدأً دستورياً، مؤكداً دعم محكمة النقض لخطوة وزارة العدل وتشجيعها على اعتماد مدونة ملزمة للسلوك القضائي.
تحسين الأوضاع المعيشية للقضاة
كشف رئيس مجلس الدولة عبد الرزاق كعدي عن وجود مساعٍ متواصلة لتحسين الظروف المعيشية للقضاة، بما يكفل لهم مستوى معيشياً كريماً ويحد من تعرضهم لأي ضغوط مادية قد تؤثر في أداء مهامهم.
تكامل بين المدونة والتفتيش القضائي
أكد رئيس المحكمة الدستورية العليا عصام الخليف أن مسيرة الإصلاح انطلقت وستظهر نتائجها بصورة متتابعة، معرباً عن اعتقاده بأن سوريا يمكن أن تصل خلال ثلاثة إلى خمسة أعوام إلى موقع متقدم بين الدول.
أوضح الخليف أن العلاقة بين مدونة السلوك القضائي والتفتيش القضائي تقوم على التكامل، إذ تشكل المدونة مرجعية أخلاقية ومعيارية تحدد واجبات القاضي والمحظورات المرتبطة بعمله، بينما يمثل التفتيش القضائي الآلية الإجرائية والرقابية لمتابعة مدى الالتزام بهذه الضوابط والكشف عن المخالفات وجمع الأدلة المتعلقة بها.
بيّن أن أعمال التفتيش القضائي تخضع لرقابة دورية من مجلس القضاء الأعلى، بهدف ضمان الالتزام بحدود المدونة وعدم تحويلها إلى وسيلة للضغط على القضاة، موضحاً أن المخالفات البسيطة للسلوكيات المستحبة لا تُعد تلقائياً مخالفات تأديبية، وإنما يرتبط ذلك بمدى مساس الفعل بجوهر الاستقلال أو النزاهة أو الثقة بالقضاء، وفق معايير موضوعية محددة مسبقاً.
منظومة أخلاقية داخل المحكمة وخارجها
شدد النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة على أن نجاح السلطة القضائية لا يقتصر على إصدار الأحكام الصحيحة أو امتلاك قضاة يتمتعون بالكفاءة، وإنما يحتاج أيضاً إلى منظومة أخلاقية تضبط سلوك القاضي داخل المحكمة وخارجها.
أشار التربة إلى أن مدونة السلوك القضائي تجمع بين الجانبين الأخلاقي والمهني، بما يعزز استقلال السلطة القضائية ونزاهتها ويرسخ ثقة المجتمع بها، مؤكداً في الوقت ذاته أنها لا تشكل بديلاً عن التشريعات والقوانين المنظمة للعمل القضائي.
الإصلاح الإداري مرتبط بقضاء قوي
ربط وزير التنمية الإدارية حسان السكاف نجاح عملية الإصلاح الإداري ببناء مؤسسة قضائية قوية ونزيهة، مؤكداً أنه لا يمكن الوصول إلى مؤسسات الدولة المنشودة دون وجود قضاء قادر على حماية حقوق المواطنين وضمان وصولها إليهم كاملة.
اعتبر السكاف أن مدونة السلوك القضائي تمثل أداة مهمة للوصول إلى مؤسسات قضائية تليق بسوريا الجديدة، مشدداً على أن القيمة الحقيقية للمدونة لن تتحقق بمجرد صياغتها، وإنما بانتقال مبادئها من الإطار النظري إلى التطبيق العملي داخل المؤسسة القضائية.
أهمية هذه الورش كخلفية للمادة
أهمية الورش في تطوير العمل القضائي
تكتسب الورش الوطنية المتخصصة بمراجعة التشريعات ومدونات السلوك القضائي أهمية خاصة في مسار تطوير المؤسسة القضائية، لما توفره من مساحة تشاركية تجمع القضاة والخبراء والجهات الحكومية والمجتمعية، وتتيح مناقشة المشاريع المقترحة قبل اعتمادها، بما يساعد على صياغة قواعد أكثر ارتباطاً بالواقع العملي واحتياجات القضاء.
كما تسهم هذه الورش في تعزيز مبادئ استقلال القضاء والنزاهة والكفاءة والمساءلة، من خلال توضيح المعايير المهنية والأخلاقية التي تحكم عمل القضاة، وتحديد الضوابط التي تحمي مكانة السلطة القضائية، بالتوازي مع ضمان عدم تحول أدوات الرقابة والتفتيش إلى وسائل للتأثير في استقلال القاضي أو ممارسة الضغط عليه.
وتوفر المناقشات التشاركية كذلك فرصة للاستفادة من خبرات العاملين في مختلف مفاصل القضاء، ورصد الثغرات والتحديات التي قد تظهر عند التطبيق، بما يسمح بتطوير النصوص قبل إقرارها، وتحويل مدونة السلوك من إطار نظري إلى مرجعية قابلة للتطبيق ضمن المحاكم والمؤسسات القضائية.
علاوة عن أنها تعزز هذه الخطوات أهمية إدراج مبادئ السلوك القضائي ضمن برامج التأهيل والتدريب في المعهد العالي للقضاء، بما يساعد على ترسيخ ثقافة مهنية موحدة لدى القضاة الجدد والعاملين، ويربط التأهيل القانوني بالقيم الأخلاقية والمهنية المرتبطة بممارسة العمل القضائي.
وتندرج هذه الورش في سياق أوسع لإعادة تطوير المؤسسات القضائية وتعزيز سيادة القانون، إذ يشكل وجود قضاء مستقل ونزيه وفاعل ركناً أساسياً في حماية حقوق المواطنين، وترسيخ الثقة بمؤسسات الدولة، وضمان الوصول إلى العدالة، ولا سيما خلال المراحل التي تشهد إصلاحات مؤسساتية وتشريعية واسعة.
المصدر:
شبكة شام