أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا تعمل على بناء مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والتنمية والانفتاح وإقامة علاقات متوازنة مع مختلف الدول، مشدداً على أن موقع البلاد الاستراتيجي ومصالحها الاقتصادية يفرضان عليها استعادة دورها الإقليمي والدولي، بعد عقود من العزلة التي تسببت بها سياسات نظام الأسد البائد.
المنطقة الشرقية وحادث طريق دير الزور
أوضح الرئيس الشرع، في مقابلة مع قناة الجزيرة، أن نظام الأسد البائد همّش المنطقة الشرقية رغم ما تمتلكه من ثروات بشرية ونفطية وزراعية كبيرة، لافتاً إلى أن الطريق الواصل بين دمشق ودير الزور باتجاه واحد، وأن الدولة تسعى جاهدة لإنشاء طريق جديد يخدم المنطقة ويحسن حركة النقل بينها وبين بقية المحافظات.
وأشار إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة لمعرفة الأسباب التي أدت إلى الحادث المأساوي على طريق دمشق – دير الزور، موضحاً أن الاحتمالات المتوافرة حتى الآن ترجح أن يكون الحادث عرضياً.
رفع العقوبات واستعادة موقع سوريا
شدد الرئيس الشرع على أن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا لن يحقق جدواه الكاملة ما لم يُرفع اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في ظل الجهود المبذولة لإعادة دمج سوريا ضمن محيطها الاقتصادي والسياسي الدولي.
لفت إلى أن سوريا دولة مهمة تتمتع بموقع استراتيجي يجعلها عقدة رئيسية للربط التجاري، إلا أن سياسات نظام الأسد البائد على مدى نحو ستة عقود أدت إلى عزل البلاد عن محيطها الإقليمي والدولي، وحرمتها من الاستفادة من موقعها وإمكاناتها.
أكد أن القيادة السورية تعمل على إيصال رسائل واضحة إلى مختلف دول العالم، وأن البلاد بدأت كتابة تاريخ جديد حظي بتفاعل إيجابي من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، مشيراً إلى وجود مصالح اقتصادية وتجارية كبيرة بين سوريا والدول الغربية، إلى جانب فرص واسعة لتبادل الخبرات.
العلاقة مع روسيا ومستقبل القواعد
أوضح الرئيس الشرع أن العلاقات السورية الروسية تستند إلى تاريخ طويل ومصالح مشتركة كبيرة، مبيناً أن موسكو سارعت إلى فتح صفحة جديدة مع سوريا بعد التحولات التي شهدتها البلاد.
وأشار إلى أن دمشق تعمل على تصحيح مسار العلاقة مع روسيا وإعادتها إلى شكلها الطبيعي، مؤكداً أن النقاش بشأن مستقبل القواعد الروسية في سوريا لم يصل حتى الآن إلى نهايته.
لبنان وحصر السلاح بيد الدولة
كشف الرئيس الشرع عن مباحثات مع الحكومة اللبنانية تتناول مجموعة من الحلول التي يمكن أن تساعد لبنان على تجاوز التحديات التي يواجهها، وتمكنه في الوقت ذاته من الاستفادة من حالة النهضة التي تشهدها سوريا.
حذر من وجود مخاوف سورية كبيرة من احتمال انفجار الأوضاع داخل لبنان، لما لذلك من انعكاسات مباشرة وسلبية على سوريا، مؤكداً أن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية ستكون له نتائج خطيرة على المنطقة.
دعم الرئيس الشرع حق الدولة اللبنانية في احتكار تطبيق القانون والسلاح وقرار السلم والحرب، مؤكداً أن سوريا تسعى إلى تمكين الدولة اللبنانية من الوفاء بالتزاماتها، وتفضل الوصول إلى حلول واقعية وعملية حتى إن تطلب ذلك الصبر والتدرج في اتخاذ الإجراءات.
اتهم حزب الله بالمشاركة إلى جانب نظام الأسد البائد على مدى 14 عاماً في حربه ضد الشعب السوري، والتسبب بتهجير وقتل أعداد كبيرة من السوريين، مشيراً إلى استمرار الحزب في حمل السلاح والانتشار على الحدود السورية اللبنانية.
استبعد الرئيس الشرع اللجوء إلى التدخل العسكري، مؤكداً أن سوريا تمتلك أوراقاً عدة يمكن تقديمها إلى الدولة اللبنانية لتتعامل معها وفق ما تراه مناسباً، ومعتبراً أن المنطقة تدفع اليوم ثمن السياسات التي دعمت إنشاء كيانات مسلحة داخل الدول وخارج سلطتها.
رؤية مستقلة للمنطقة
اعتبر الرئيس الشرع أن المنطقة كانت تاريخياً ساحة للأطماع والصراعات، وأن قدرتها على مواجهة المخاطر ترتبط بتوحيد جبهتها الداخلية واستعادة قيمتها ومكانتها.
شدد على ضرورة ألا تبقى دول المنطقة أمام خيار دائم بين السياسات الإسرائيلية والإيرانية، داعياً إلى امتلاك المنطقة سياسة خاصة بها وشخصية مستقلة تحمي مصالح شعوبها وتمنحها فرصة للنمو والازدهار.
إسرائيل والاتفاق الأمني
أكد الرئيس الشرع أن إسرائيل لديها مطامع في المنطقة، موضحاً أن سوريا تعمل للوصول إلى اتفاق أمني معها، بالتوازي مع إشراك مجموعة واسعة من الدول للضغط باتجاه تبني سياسة إسرائيلية أكثر توازناً تجاه سوريا.
أوضح أن دمشق تتجنب الدخول في صدامات مع إسرائيل، انطلاقاً من أن مصلحة سوريا لا تكمن في خوض صراعات وصفها بالعقيمة، بل في البحث عن مقاربات أكثر أمناً تتيح لشعوب المنطقة فرص الاستقرار والتنمية.
جدد موقف سوريا المؤيد لإقامة الدولة الفلسطينية، مؤكداً تمسك دمشق بالمسار العربي والاتفاقيات الملزمة دولياً المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
أشار إلى استمرار وجود عقبات أمام التوصل إلى الاتفاق الأمني مع إسرائيل، في ظل عدم استقرار ظروف المنطقة واستمرار بعض الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، وإن كانت بوتيرة أقل من السابق، مؤكداً أن دمشق تخوض تحركاً دبلوماسياً واسعاً لتقليل الأضرار والدفع باتجاه الحلول السلمية.
لفت إلى أن سوريا تحاول النأي بنفسها عن الصراع الأمريكي – الإسرائيلي – الإيراني، معرباً عن أمله في عدم اتساع نطاق هذا الصراع.
العراق والمخاوف الحدودية
وصف الرئيس الشرع العلاقات بين سوريا والعراق بالجيدة والتي تشهد تحسناً، مؤكداً وجود مصالح متبادلة واسعة بين البلدين، إذ يحتاج العراق إلى العديد من الموارد السورية، كما تحتاج سوريا إلى موارد عراقية، ما يستوجب بناء هذه المصالح على أسس صحيحة.
حذر في الوقت ذاته من مخاوف سورية تتعلق بانتشار فصائل عراقية على الحدود لا تخضع بصورة كاملة للقانون العراقي، مؤكداً أن دمشق تتفهم الواقع الذي يمر به العراق، وتنتهج سياسة الانفتاح والوقوف على مسافة واحدة من الجميع.
انتقد اعتقاد جزء من المتصدرين في الحرس الثوري الإيراني بوجود أحقية لهم في الخليج العربي، مؤكداً أن النظر إلى الخليج باعتباره خاصرة رخوة لا يعكس حقيقة الواقع.
علاقات استراتيجية مع الخليج
أكد الرئيس الشرع أن العلاقات السورية الخليجية جيدة واستراتيجية، مشيراً إلى بدء تدفق الاستثمارات إلى سوريا، وحرص الدولة على توفير عوامل النجاح لكل استثمار يدخل البلاد.
أوضح أن الإدارة الجيدة للموارد والاستثمارات هي الأساس لتحقيق عوائد مالية إيجابية، معتبراً أن سوريا تمر حالياً بمرحلة "إغلاق الفراغات"، وتسير في الاتجاه الصحيح.
الأولويات والنموذج السوري
أقر الرئيس الشرع بعدم إمكانية معالجة جميع المشكلات المتراكمة دفعة واحدة، موضحاً أن الدولة تعمل على تحقيق التوازن وترتيب الملفات وفق الأولويات والإمكانات المتاحة.
شدد على أن سوريا لا تسعى إلى استيراد نماذج سياسية أو تجارب اقتصادية جاهزة من الخارج، وإنما تعمل على دراسة التجارب المختلفة والاستفادة مما يتناسب منها مع خصوصية الواقع السوري واحتياجات البلاد.
أكد أن السياسة السورية الحالية تقوم بصورة واضحة على البناء والاستقرار والتنمية، وهو ما يتطلب توجيه رسائل إيجابية وإقامة علاقات جيدة مع مختلف الدول.
المفقودون والعدالة والسلم الأهلي
كشف الرئيس الشرع أن الدولة شكلت هيئة متخصصة لمعالجة ملف المفقودين في سوريا، مؤكداً أنها تعمل بصورة جيدة، إلا أن حجم الأرقام المرتبطة بهذا الملف كبير وصادم.
شدد على أن الدولة هي صاحبة الحق في إنفاذ القانون وتحقيق العدالة، باعتبارها "ولي الدم"، وأن مسؤوليتها تشمل كذلك الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الانزلاق نحو الانتقام خارج المؤسسات القانونية.
الاتفاق مع "قسد"
أقر الرئيس الشرع بوجود بطء في تنفيذ الاتفاق المبرم مع "قوات سوريا الديمقراطية – قسد"، لكنه أكد استمرار الرهان على إنجاح الاتفاق والوصول به إلى النتائج المرجوة.
اختتم الرئيس أحمد الشرع رؤيته بالتأكيد على أن سوريا تسعى إلى استعادة موقعها وبناء مستقبل يتناسب مع تاريخها وحضارتها وإمكاناتها، قائلاً إن البلاد ستكون مستقبلاً بما يليق بتاريخها وحضارتها ومستقبلها.
المصدر:
شبكة شام