تمثل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا محطة سياسية ودبلوماسية بارزة في مسار البلاد بعد سقوط نظام الأسد البائد، لما تحمله من دلالات تتجاوز طبيعة الزيارة الرسمية، باتجاه تكريس عودة دمشق إلى التفاعل المباشر مع المؤسسات الدولية، بعد عقود عانت خلالها سوريا من العزلة وتدهور علاقاتها الخارجية، ولا سيما خلال سنوات الثورة السورية وما رافقها من انتهاكات ارتكبها النظام السابق بحق السوريين.
دلالة الزيارة الأممية
وفق خبراء، تكتسب زيارة غوتيريش أهمية خاصة باعتبارها الأولى التي يقوم بها أمين عام للأمم المتحدة وهو في منصبه إلى سوريا منذ سنوات طويلة، ما يمنحها بعداً سياسياً يتصل بالتحولات التي شهدتها البلاد منذ سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وبدء مرحلة جديدة تسعى خلالها الدولة السورية إلى إعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية.
وتعكس الزيارة كذلك انتقال العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة إلى مرحلة مختلفة، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني بإعلانه انتقال سوريا إلى موقع "الشريك الفاعل" للمنظمة الدولية، بعد سنوات ارتبط فيها حضور الأمم المتحدة في الملف السوري بصورة أساسية بملفات الحرب والمساعدات الإنسانية والنزوح واللجوء والانتهاكات.
من العزلة إلى الشراكة
عاشت سوريا خلال عهد نظام الأسد البائد عزلة دولية متزايدة، تفاقمت بصورة كبيرة عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011، وما تبعها من انتهاكات واسعة وعمليات قتل واعتقال وتهجير، الأمر الذي انعكس على علاقات دمشق مع العديد من الدول والمؤسسات الدولية، وحوّل سوريا إلى ساحة لأزمات سياسية وإنسانية وأمنية متشابكة.
ويفتح سقوط النظام البائد وما تبعه من تحولات سياسية الباب أمام إعادة صياغة موقع سوريا الخارجي، إذ باتت القيادة السورية الجديدة تسعى إلى تجاوز إرث السنوات الماضية، وإقامة علاقات تستند إلى المصالح المشتركة والتعاون المؤسساتي، بالتوازي مع إعادة تفعيل حضور البلاد في المحافل العربية والإقليمية والدولية.
رسالة ثقة بالمرحلة الجديدة
ويحمل حضور غوتيريش إلى دمشق رسالة سياسية مهمة بشأن استعداد الأمم المتحدة للتعامل بصورة مباشرة مع سوريا الجديدة ودعم مسارها الانتقالي، خصوصاً أن الأمين العام أكد أن البلاد باتت في مرحلة تجمع بين التعافي والاستثمار، وأن السوريين أمام فرصة لوضع أسس مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
ويعزز هذا الحضور فرص دمشق في بناء قنوات أوسع مع المجتمع الدولي، لا سيما مع تأكيد غوتيريش تطلع الأمم المتحدة إلى التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، والعمل مع المجتمع الدولي لمساندتها في عملية التعافي وإعادة البناء.
إعادة الإعمار أولوية المرحلة
وفق الخبراء، تنقل الزيارة أيضاً طبيعة النقاش الدولي بشأن سوريا من التركيز على الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى ملفات التعافي وإعادة الإعمار والتنمية، وهي أولوية أكدها الشيباني خلال مباحثاته مع غوتيريش، داعياً إلى رفع القيود وتوفير البيئة اللازمة للانتقال من مرحلة الاستغاثة إلى التنمية المستدامة.
فسوريا تحتاج في هذا السياق إلى شراكات دولية واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحريك الاقتصاد وتوفير فرص العمل وتشجيع الاستثمار، إضافة إلى توفير الظروف المناسبة لعودة السوريين، ولا سيما مع إعلان الحكومة عودة نحو 3.5 ملايين سوري إلى البلاد.
دعم السيادة ووحدة الأراضي
وتكتسب مواقف غوتيريش بشأن السيادة السورية أهمية إضافية في توقيت الزيارة، إذ جدد من دمشق التأكيد على أن الجولان أرض سورية، وشدد على وقوف الأمم المتحدة مع سلامة سوريا واستقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها، مطالباً بوقف الانتهاكات الإسرائيلية.
كما تمنح هذه التصريحات الزيارة بعداً يتصل أيضاً بموقع سوريا داخل المنظومة الدولية، وخصوصاً في ظل سعي دمشق إلى تثبيت سيادة الدولة على كامل أراضيها وتأمين حدودها وحصر السلاح بيد الدولة، وهي ملفات وضعتها القيادة السورية ضمن ركائز رؤيتها للاستقرار.
فرصة لاستعادة الدور السوري
وتؤشر زيارة الأمين العام للأمم المتحدة في مجملها إلى تحول في الصورة الدولية لسوريا، من بلد ارتبط اسمه طوال سنوات بملفات الحرب والنزوح والأزمات الإنسانية، إلى دولة تحاول استعادة موقعها وبناء شراكات سياسية واقتصادية ودبلوماسية جديدة.
الزيارة ترسخ في الوقت ذاته أهمية الدعم الدولي للمرحلة المقبلة، إذ أكد غوتيريش أن الدول الخارجة من نزاعات شديدة لا تستطيع إعادة بناء نفسها بمفردها، ما يضع المجتمع الدولي أمام دور في مساندة السوريين في ملفات التعافي والتنمية وإعادة الإعمار.
وتشكل زيارة غوتيريش، في هذا الإطار، واحدة من أبرز المحطات التي تعكس كسر جانب من العزلة التي أحاطت بسوريا خلال عهد نظام الأسد البائد، وفتح صفحة جديدة في العلاقة مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، في وقت تراهن فيه دمشق على تحويل الانفتاح السياسي والدبلوماسي إلى شراكات عملية تسهم في إعادة الإعمار وتحسين الواقع الاقتصادي، وتعيد لسوريا حضورها ودورها على المستويين الإقليمي والدولي.
المصدر:
شبكة شام