آخر الأخبار

منظمة العفو الدولية تطالب بتعليق قانون الجرائم الإلكترونية الموروث عن النظام البائد

شارك

طالبت منظمة العفو الدولية، يوم الجمعة 24 تموز 2026، الحكومة السورية بتعليق العمل بالقانون رقم 20 لعام 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي أقرته حكومة رئيس النظام السوري البائد بشار الأسد، إلى حين إدخال تعديلات جوهرية تضمن توافق أحكامه مع التزامات سوريا بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وقالت المنظمة إن وزارة العدل السورية أعلنت خلال حزيران 2026 مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية، واتخذت إجراءات تهدف إلى تقييد بعض جوانب تطبيقه، إلا أنها ادعت أن القانون ما يزال يُستخدم في قضايا مرتبطة بالتعبير عن الآراء عبر الإنترنت.

ووثقت منظمة العفو الدولية خمس حالات قالت إنها تعود إلى صحفيين ونشطاء احتُجزوا بين كانون الثاني وحزيران 2026، لفترات تراوحت مدتها ووصلت في أطولها إلى سبعة أيام، استنادًا إلى أحكام واردة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022.

وبحسب المنظمة، استندت إجراءات القبض في الحالات الخمس إلى مواد تجرّم أفعالًا مرتبطة بالتعبير عبر الإنترنت، وتحمل توصيفات من بينها «النيل من هيبة الدولة»، و«النيل من مكانة الدولة المالية»، و«القدح والذم الإلكترونيان». وأضافت أن اثنين من الأشخاص الذين تابعت قضاياهم ما يزالان يواجهان ملاحقات جنائية قد تنتهي، وفق تقديرها، بأحكام مشددة بالسجن.

دعوة إلى مراجعة التشريعات الموروثة

قالت مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، هبة مرايف، إن المجتمع المدني السوري تمكّن بعد سقوط النظام البائد من إيجاد مساحة أوسع لممارسة حرية التعبير وتكوين الجمعيات والانضمام إليها، رغم استمرار العمل بجزء من الإطار التشريعي الذي أُقر خلال الحقبة السابقة.

وزعمت مرايف أن استخدام قانون الجرائم الإلكترونية في قضايا تتعلق بانتقاد مؤسسات الدولة يثير القلق، مشيرة إلى أن الإعلان الدستوري لعام 2025 يكفل الحق في حرية التعبير، في حين يمكن أن يؤدي استمرار تطبيق المواد الحالية من القانون إلى تعريض أشخاص للاعتقال أو الملاحقة القضائية بسبب منشوراتهم وآرائهم على الإنترنت.

وأشارت المسؤولة الحقوقية إلى أن الحكومة السورية أعلنت مرارًا توجهها نحو بناء دولة جديدة، واتخذت خطوات وصفتها بالإيجابية لتجاوز الممارسات القمعية التي ارتبطت بالنظام البائد، لكنها رأت أن استمرار استخدام بعض القوانين الموروثة في القضايا المرتبطة بالنقاش العام والنقد قد يؤثر في هذا المسار.

ودعت مرايف، بعد تشكيل البرلمان، إلى إعطاء أولوية لإصلاح التشريعات الموروثة وضمان توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، بدءًا من المواد التي وصفتها بالمسيئة في قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 وقانون العقوبات. وشددت على موقف المنظمة الرافض لاعتقال أي شخص أو ملاحقته أو معاقبته بسبب التعبير السلمي عن رأيه عبر الإنترنت.

وكانت وزارة العدل السورية قد أعلنت في 21 حزيران 2026 تشكيل لجان قانونية وفنية مكلفة بإعادة دراسة عدد من القوانين النافذة، من بينها قانون الجرائم الإلكترونية.

وقالت منظمة العفو الدولية إنها بنت تقريرها على مقابلات أجرتها مع ستة أشخاص، بينهم شخصان سبق أن اعتُقلا على خلفية التعبير عن آرائهما، وشخصان مطلعان على حالات اعتقال إضافية، إلى جانب محاميين قدما معلومات عن ملفات قضائية مرتبطة بالموضوع.

وأضافت المنظمة أنها راجعت ملخصات لوثائق محاكم وتقارير أصدرتها منظمات حقوقية محلية ودولية، إلى جانب تغطيات نشرتها وسائل إعلام وصفتها بالموثوقة، وبيانات وتعليمات رسمية صادرة عن الجهات السورية المختصة.

وزارة العدل تفرض ضمانات جديدة على إجراءات التحقيق

أشارت المنظمة إلى أن الحكومة السورية اعتمدت ضمانات إجرائية جديدة لتنظيم تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية، من بينها تعميم أصدرته وزارة العدل في 26 حزيران 2026، ألزم بالحصول على إذن قضائي قبل البدء بالتحقيقات المتخصصة في جرائم المعلوماتية.

ونص التعميم، وفق المادة التي نشرتها منظمة العفو الدولية، على حظر التوقيف الاحتياطي في هذه القضايا إلا ضمن ظروف استثنائية، تشمل منع طمس الأدلة أو التأثير على الشهود أو درء خطر محدق بالمجتمع أو بالشخص المتضرر.

كما قيّد التعميم إصدار أوامر إذاعة البحث بحق المطلوبين، وحصر استخدامها بالحالات الاستثنائية، ونص على مراجعة إذاعات البحث السابقة الصادرة في قضايا جرائم المعلوماتية.

ورحبت المنظمة بهذه القيود الإجرائية جزئيًا، لكنها قالت إن القانون بصيغته الحالية ما يزال يجيز إجراءات يمكن أن تتدخل في الحق في الخصوصية، ويقرر عقوبات سالبة للحرية على مخالفات مرتبطة بالتعبير.

ورأت منظمة العفو الدولية أن التعميم يحد من إحالة بعض الجرائم المتعلقة بالتعبير على الإنترنت إلى الضابطة العدلية المختصة، لكنه لا يضمن بصورة كاملة أن تخضع التحقيقات والملاحقات المتعلقة بالقدح والذم والتحقير للضمانات المرتبطة بحرية التعبير. وبناء على ذلك، جددت مطالبتها بتعليق القانون كاملًا إلى حين الانتهاء من تعديله.

وفي هذا السياق، تناولت المنظمة قضية الناشط المنحدر من مدينة إدلب مازن عرجا، الذي اعتُقل في 21 تموز 2026 بعد مراجعته فرع الجرائم الإلكترونية في دمشق إثر استدعائه.

وقالت المنظمة إن المعلومات المتاحة علنًا تشير إلى احتمال ارتباط القبض على عرجا بإعلانه نيته الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية، معتبرة أن المعايير الاستثنائية التي وضعها تعميم وزارة العدل لتبرير التوقيف الاحتياطي لا تنطبق، بحسب تقديرها، على حالته.

كما أعادت المنظمة التذكير بقضية سابقة لمازن عرجا في تموز 2025، وقالت إنه احتُجز بأمر من النيابة العامة في إدلب على خلفية منشور عبر منصة فيسبوك تناول فيه الطريقة التي تعامل بها النظام القضائي معه.

وبحسب المنظمة، استمر احتجاز عرجا في تلك القضية مدة 63 يومًا، ووجهت إليه تهمة «النيل من هيبة القضاء».

وأضافت أن عرجا أُوقف مجددًا في نيسان 2026، إثر شكوى تقدم بها وزير الصحة السابق، ووجهت إليه اتهامات تتعلق بـ«النيل من هيبة الدولة ومكتب رئاسة الجمهورية ومكتب الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية الذي يرأسه ماهر الشرع».

وقالت المنظمة إن الاتهامات ارتبطت بمنشور نشره عرجا عبر فيسبوك، تحدث فيه عن العلاقة بين وزير الصحة السابق وماهر الشرع خلال كانون الثاني 2025.

المنظمة تعرض معايير التوقيف الاحتياطي

استندت منظمة العفو الدولية في موقفها إلى قواعد القانون الدولي المتعلقة بالتوقيف الاحتياطي، وقالت إنه لا يجوز إبقاء الأشخاص الخاضعين لتحقيق جنائي أو المنتظرين للمحاكمة رهن الاحتجاز قبل المحاكمة إلا بوصفه إجراءً استثنائيًا تقتضيه الضرورة القصوى.

وأضافت أن اتخاذ قرار التوقيف يجب أن يستند إلى تقييم فردي لكل قضية، وأن تقدم الجهات المختصة أدلة تثبت أن الاحتجاز ضروري ومتناسب.

وبحسب المنظمة، يمكن أن تستند ضرورة التوقيف إلى وجود خطر جدي يتمثل في فرار الشخص أو إلحاقه أذى جسيمًا بالآخرين أو تكرار الجريمة أو التلاعب بالأدلة أو التأثير في التحقيق. وأكدت أنه ينبغي الإفراج عن المحتجزين احتياطيًا في حال عدم توفر أدلة تثبت وجود أحد هذه المخاطر.

وفي معرض عرضها للحالات التي تابعتها، قالت المنظمة إنها وثقت اعتقال صحفيين وناشط واتهامهم بـ«النيل من سمعة الدولة وهيبتها» و«القدح والذم والتحقير الإلكترونيين»، وهي اتهامات منصوص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية.

كما قالت إنها تلقت معلومات عن توقيف ناشطين آخرين على خلفية اتهامات مرتبطة بـ«نشر أخبار كاذبة» والقدح والذم و«التحقير».

وأفرج عن الأشخاص الخمسة لاحقًا بعد فترات من الاحتجاز والتحقيق تراوحت بين 24 ساعة وسبعة أيام.

ووفق ما وثقته المنظمة، وجهت النيابة العامة اتهامات رسمية إلى ثلاثة من المجموعة، هم صحفي وناشطان، بينما قُدمت شكاوى فردية بحق صحفي وناشط آخرين.

وقالت إن الشكاوى المقدمة بحق الشخصين الأخيرين أُسقطت لاحقًا بعد تفاعل وضغط من الرأي العام. أما في القضايا التي حركتها النيابة العامة، فأشارت المنظمة إلى أن الصحفي ما يزال معرضًا للملاحقة القضائية، في حين بقيت الإجراءات المتعلقة بالناشطين معلقة بانتظار المحاكمة.

وأضافت منظمة العفو الدولية أنها راجعت المحتوى المنشور عبر الإنترنت الذي استندت إليه الادعاءات أو الاتهامات في الحالات الخمس، وقالت إنها لم تجد فيه ما يدل على التحريض على العنف أو الكراهية، أو ما يحقق الشروط التي تسمح بفرض قيود على التعبير تصل إلى الاعتقال أو الملاحقة الجنائية.

واعتبرت المنظمة أن المنشورات التي راجعتها تدخل ضمن نطاق التعبير المحمي، ودعت الجهات القضائية إلى إسقاط الاتهامات الموجهة إلى الأشخاص الثلاثة، قائلة إنها ترتبط بممارستهم السلمية لحقوقهم.

قضية الفنان والمخرج حسّان عقاد

تطرقت منظمة العفو الدولية إلى قضية الفنان والمخرج حسّان عقاد، وقالت إن قوات الأمن اعتقلته من مقهى في حي المالكي بمدينة دمشق في 17 حزيران 2026، من دون إبراز مذكرة توقيف.

وبحسب المعلومات التي أوردتها المنظمة، نفذ عملية الاعتقال ثمانية رجال يرتدون ملابس مدنية، كان اثنان منهم ملثمين ويحملان بنادق، وقال الرجال لاحقًا إنهم من عناصر إدارة المباحث الجنائية.

وكان عقاد قد أطلق في نيسان 2026 حملة حملت اسم «هاتوا الفلوس»، سعى من خلالها إلى مساءلة أفراد ورجال أعمال ومسؤولين عن تعهدات مالية سبق أن أعلنوا تقديمها لدعم جهود الإغاثة ومشروعات إعادة الإعمار والخدمات العامة، قبل أن يتهمهم بعدم الوفاء بهذه التعهدات.

وقالت المنظمة إن اعتقال عقاد في حزيران جاء إثر شكوى قدمها أحد الأفراد، اتهمه فيها بالقدح والذم و«التحقير»، وهي أفعال يجرمها القانون السوري، قبل إحالة الشكوى إلى النيابة العامة.

ونقلت المنظمة عن محامٍ قوله إن إجراءات الاعتقال استندت إلى المادتين 23 و24 من قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022.

وبعد تفاعل واسع مع القضية واعتراضات عبر الفضاء العام، تراجع صاحب الشكوى عنها، وأُفرج عن حسّان عقاد بعد خمسة أيام من احتجازه.

وقالت هبة مرايف إن الانتقال من إطار تشريعي قائم على ممارسات قمعية خلال عهد النظام البائد ليس أمرًا سهلًا، لكنها اعتبرت أن وزارة العدل والنيابة العامة تستطيعان، إلى حين اكتمال الإصلاحات التشريعية، إصدار تعليمات توقف الاعتقال والتوقيف الاحتياطي في الجرائم المتعلقة بالتعبير.

وأضافت مرايف أن الجرائم المرتبطة بالتعبير، بحسب تقييم المنظمة، لا تستوفي المعايير التي يسمح القانون الدولي بموجبها باستخدام التوقيف الاحتياطي.

مواد فضفاضة وصلاحيات للحجب والملاحقة

قالت منظمة العفو الدولية إن قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2022 يجرّم صورًا مختلفة من التعبير يتعين على سوريا حمايتها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي أصبحت سوريا دولة طرفًا فيه منذ عام 1969.

وأوضحت أن المواد 24 و25 والمواد الممتدة من 27 إلى 29، إضافة إلى المادة 31، تقرر عقوبات على أفعال تشمل «اقتراف القدح أو التحقير» و«الجرائم الواقعة على الدستور» و«النيل من هيبة الدولة».

وتشمل المواد كذلك «النيل من مكانة الدولة المالية أو زعزعة الثقة في أوراق النقد الوطنية»، و«الإساءة إلى الأديان أو المقدسات أو الشعائر الدينية»، و«الحض على الكراهية أو التحريض على العنف».

ورأت المنظمة أن بعض هذه الأفعال لا يعترف بها القانون الدولي بوصفها جرائم بالصورة التي وردت في التشريع، كما اعتبرت أن قضايا القدح والذم ينبغي أن تعالج ضمن المسؤولية المدنية بدل العقوبات الجنائية، وفق المعايير الدولية المعمول بها.

وقالت إن العبارات الفضفاضة أو غير المحددة الواردة في القانون يمكن أن تعرض أشخاصًا للاعتقال والمقاضاة بسبب آراء تنظر إليها الجهات المختصة على أنها انتقاد للحكومة.

وأشارت المنظمة أيضًا إلى أن القانون يمنح جهات إنفاذ القانون صلاحيات واسعة، إذ تعد المادتان 34 و35 معظم صور النشر وإعادة النشر على الإنترنت من وسائل العلنية، ما يوسع المسؤولية الجنائية لتشمل الأشخاص الذين يشاركون المحتوى أو يعيدون نشره، حتى عندما لا يكونون الناشرين الأصليين.

كما لفتت إلى أن المادة 37 تجيز للمحاكم حجب المواقع الإلكترونية أو النظم المعلوماتية إذا استُخدمت في ارتكاب جرائم منصوص عليها في القانون، لمدة تبدأ من ثلاثة أشهر ويمكن أن تصل إلى الحظر الدائم.

وتجيز المادة 43، وفق المنظمة، تقييد الدخول إلى المواقع الإلكترونية بموجب قرارات قضائية أو إجراءات إدارية تتخذها الهيئة الناظمة.

واستعرضت منظمة العفو الدولية المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل شخص الحق في حرية التعبير، بما يشمل التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين عبر مختلف الوسائل.

وقالت إن الفقرة الثالثة من المادة ذاتها لا تسمح بتقييد حرية التعبير إلا ضمن حالات محددة بدقة، وإن العقوبات الجنائية لا تكون قيدًا مشروعًا، بحسب تفسيرها، إلا عندما يصل التعبير إلى مستوى التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.

وأضافت أن أي قيد على حرية التعبير يجب أن يكون منصوصًا عليه في القانون، وأن يحقق غرضًا مشروعًا، وأن يكون ضروريًا ومتناسبًا، مع تحمل الدولة مسؤولية إثبات توافر هذه المعايير.

وذكّرت المنظمة بأن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أشارت، في ملاحظاتها الختامية المتعلقة بسوريا والصادرة في تموز 2024، إلى العقوبات المشددة التي يفرضها القانون على بعض صور التعبير.

وأثارت اللجنة حينها تساؤلات بشأن مدى توافق القانون مع المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأوصت سوريا بتعديل أحكامه وإلغاء النصوص المبهمة، وضمان خضوع أي قيود على التعبير لمبادئ الشرعية والضرورة والتناسب.

واختتمت هبة مرايف موقف المنظمة بالإشارة إلى أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل أبلغتا منظمة العفو الدولية خلال عام 2025 بأن الإصلاح التشريعي يمثل أولوية.

وقالت مرايف إن تشكيل البرلمان يتيح للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ووزارة العدل فرصة لتسريع مراجعة القوانين الموروثة عن النظام البائد، وإظهار أولوية الحريات السياسية وحماية حقوق الإنسان، عبر جعل التشريعات السورية متوافقة مع الالتزامات الدولية.

شبكة شام المصدر: شبكة شام
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا