انتخب مجلس الشعب السوري، اليوم، الدكتور عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس، ليصبح أول رئيس لأول مجلس شعب في سوريا بعد سقوط نظام الأسد البائد، في محطة دستورية تؤذن بانطلاق عمل السلطة التشريعية ضمن المرحلة الانتقالية واستكمال بناء مؤسسات الدولة.
يحمل العواك، المولود عام 1966، إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1990، إضافة إلى دبلوم في القانون العام، وماجستير في القانون الإداري من الجامعة الإسلامية في لبنان عام 2009، كما نال درجة الدكتوراه في القانون الدستوري من جامعة بيروت العربية.
شغل خلال مسيرته المهنية عدداً من المناصب القانونية والقضائية، إذ عمل مديراً للشؤون القانونية في مديرية حوض دجلة والخابور بين عامي 1993 و1998، وقاضياً برتبة مستشار في وزارة العدل السورية لمدة عشر سنوات، إلى جانب عمله محاضراً في كلية الحقوق بجامعة الفرات.
شارك العواك في صياغة مسودة الإعلان الدستوري، كما عمل أستاذاً مساعداً في جامعة "ماردين أرتقلو" منذ عام 2016، وشغل منصب مستشار في "وحدة دعم الاستقرار"، ما منحه خبرة تجمع بين العمل الأكاديمي والقانوني والدستوري.
يمثل انتخاب العواك لرئاسة مجلس الشعب بداية مرحلة جديدة في عمل المؤسسة التشريعية، التي تتولى خلال المرحلة الانتقالية مهام سنّ التشريعات، وممارسة الرقابة على الأداء الحكومي، والإسهام في ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، بما يواكب مسار إعادة بناء الدولة السورية بعد سقوط نظام الأسد البائد.
مجلس الشعب الأول بعد سقوط نظام الأسد.. لماذا تمثل هذه الجلسة محطة تأسيسية في بناء سوريا الجديدة؟
يمثل انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب بعد سقوط نظام الأسد البائد، محطة سياسية ومؤسساتية فارقة في مسار إعادة بناء الدولة السورية، بعد سنوات طويلة من الحرب في سوريا، وانهيار مؤسسات الحكم، وهيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية، فالمجلس الذي يبدأ أعماله اليوم يضع اللبنة الأولى لمرحلة انتقالية تستهدف إعادة تأسيس السلطة التشريعية ضمن منظومة دولة تقوم على المؤسسات وسيادة القانون.
من التشكيل إلى ممارسة السلطة
ينتقل مجلس الشعب، مع انعقاد جلسته الأولى، من مرحلة التشكيل إلى ممارسة صلاحياته الدستورية، عبر أداء القسم، وانتخاب هيئة رئاسته، والانطلاق في أداء وظائفه التشريعية والرقابية، باعتباره إحدى السلطات الأساسية المنصوص عليها في الإعلان الدستوري.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار متكامل لاستكمال بناء مؤسسات الدولة، بعد تشكيل الحكومة، وإعادة تأسيس المحكمة الدستورية العليا، بما يعكس انتقال سوريا تدريجياً من مرحلة إدارة الانتقال إلى مرحلة ترسيخ مؤسسات الحكم.
مجلس يؤسس للدولة لا لتقاسم السلطة
تختلف مهمة المجلس الحالي عن التجارب البرلمانية التقليدية، لأن طبيعة المرحلة الانتقالية تفرض عليه دوراً تأسيسياً قبل أن يكون دوراً تشريعياً، فالمطلوب اليوم ليس إدارة تنافس سياسي على المواقع أو النفوذ، وإنما بناء البيئة القانونية التي تحتاجها الدولة لإعادة الإعمار، واستكمال الإصلاح المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وإقرار التشريعات التي تواكب مرحلة التعافي الاقتصادي والإداري.
ولهذا فإن نجاح المجلس لن يقاس بعدد القوانين التي يصدرها فقط، وإنما بقدرته على ترسيخ ثقافة مؤسساتية جديدة، تجعل المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الشخصية أو الفئوية.
الدرس الذي يجب ألا يتكرر
يحمل التاريخ السياسي السوري درساً بالغ الأهمية في هذا السياق.
فخلال خمسينيات القرن الماضي تحولت الحياة البرلمانية إلى ساحة صراع بين الأحزاب والتكتلات، وغلبت المنافسة السياسية على بناء مؤسسات الدولة، حتى أفضت حالة الانقسام والتجاذب إلى إضعاف النظام السياسي، وهو ما مهّد لانقلاب آذار عام 1963، ودخول سوريا في مرحلة امتدت لعقود من حكم الحزب الواحد، وانتهت بسيطرة نظام الأسد البائد على الدولة ومؤسساتها.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه التجربة الجديدة هو إعادة إنتاج الثقافة السياسية ذاتها، القائمة على الاصطفافات والمحاصصة، بدلاً من ثقافة البرامج والكفاءة والعمل المؤسسي.
الموروث السياسي والتحدي الحقيقي
لا يزال جزء من النخب السياسية يحمل إرثاً طويلاً من التفكير بمنطق الحصص والتوازنات، وهو موروث تشكل عبر عقود من الاستقطاب والانقسام، لكن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز هذا الإرث، لأن مجلس الشعب ليس ساحة لإعادة تشكيل كتل متنافسة، ولا منصة لإحياء الانقسامات القديمة، وإنما مؤسسة دستورية هدفها إنتاج تشريعات تخدم جميع السوريين، وتعزز وحدة الدولة واستقرارها.
وفي هذا السياق، فإن أي نزعة نحو تشكيل اصطفافات غير برامجية أو إعادة إنتاج الولاءات الضيقة، لا تمثل مجرد خلاف سياسي، بل قد تتحول إلى عامل يضعف المؤسسة التشريعية ويؤثر في قدرتها على أداء دورها الوطني.
رسائل خطاب الرئيس أحمد الشرع
جاءت كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام المجلس لتؤكد هذه المعاني بصورة واضحة.
فقد ركز الرئيس على قيم الشورى، والحوار، والعمل الجماعي، معتبراً أن تنوع الآراء يمثل مصدر قوة للدولة عندما يكون الهدف خدمة الوطن، وليس تحقيق المكاسب الشخصية.
كما شدد على أن سوريا تدخل مرحلة جديدة تقوم على الكفاءة والمسؤولية، وأن إعادة بناء الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتهيئة بيئة الاستثمار، مسؤوليات تشترك فيها جميع مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس الشعب.
ولم يكن لافتاً فقط مضمون الخطاب، بل أيضاً طبيعته، إذ انتهت كلمة الرئيس دون تصفيق، في مشهد حمل دلالة على ترسيخ تقاليد مؤسساتية جديدة، تقوم على احترام الخطاب الدستوري بوصفه وثيقة توجيهية للعمل الوطني، بعيداً عن المظاهر الاحتفالية التي ارتبطت لعقود بثقافة تمجيد السلطة.
مجلس يؤسس للمستقبل
المرحلة التي تبدأ اليوم لا تتعلق بمقاعد أو مناصب داخل المجلس، وإنما بمستقبل الدولة السورية.
فالمجلس مطالب بإقرار تشريعات تدعم إعادة الإعمار، وتعزز الاستثمار، وتطور الإدارة العامة، وتواكب مسار الإصلاح الاقتصادي، وتؤسس لبيئة قانونية مستقرة تشجع عودة النشاط الاقتصادي والانفتاح الدولي الذي تشهده سوريا خلال المرحلة الحالية.
كما يضطلع بدور رقابي يضمن كفاءة أداء المؤسسات العامة، ويعزز مبادئ الشفافية والمساءلة، بما يسهم في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
بداية مرحلة لا نهاية مسار
ويمثل انعقاد مجلس الشعب بداية مرحلة جديدة من العمل الدستوري والمؤسساتي، فنجاح التجربة لن يتوقف على تشكيل المجلس أو انتخاب رئاسته، وإنما على قدرته في التحول إلى مؤسسة فاعلة، تعمل وفق الدستور والقانون، وتضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم التي يحملها انعقاد أول مجلس شعب بعد سقوط نظام الأسد البائد، هي أن سوريا تنتقل من منطق السلطة الفردية إلى منطق الدولة، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن إرث الانقسام إلى مرحلة تتطلب الشراكة والمسؤولية والكفاءة، باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء سوريا الجديدة.
المصدر:
شبكة شام