وجّه الإعلامي السوري فيصل القاسم رسالة انتقادية إلى ما وصفهم بـ«تجّار المظلوميّات الصغار»، مؤكداً أن العدالة يجب أن تكون للجميع دون استثناء، وقال إن هذه اللعبة المكشوفة لم تعد تنطلي على أحد، مشدداً على أنه لا يوجد سوري واحد لم يتعرض للظلم خلال ما يقارب ستة عقود من حكم النظام الساقط.
وأوضح القاسم أن الظلم شمل جميع السوريين، لكن الحقيقة التي يجري تجاهلها عمداً هي أن العبء الأكبر وقع على الأكثرية، التي شُرّد منها نحو خمسة عشر مليون إنسان، وقدّمت أكثر من مليون شهيد، وامتلأت سجونها بمئات آلاف الشباب، ودُمّرت مدنها وقراها بالكامل، فيما تعرّض أطفالها للسلاح الكيماوي على يد رأس النظام السابق.
وأضاف: لنكن صريحين مع أنفسنا، جميعنا مظلومون، لكن الفارق لا يكمن في طبيعة الظلم بل في حجمه وكميته. وختم بالقول إن محاولات اختلاق مظلومية جديدة بعد تحرير شرق سوريا ليست سوى محاولة عبثية، أشبه بمحاولة بيع الماء في حيّ السقّائين.
بالطبع، إليك مقالًا تحليليًا متزنًا يستعرض المظلومية كأداة سياسية استخدمت من قبل بعض الجهات باسم الأقليات في سوريا، ويقابلها بسياسة الحكومة السورية الجديدة المبنية على الاحتواء والتشاركية الوطنية:
سياسة المظلومية.. من خطاب الانقسام إلى مشروع الاحتواء الوطني
لطالما شكّلت "المظلومية" أداةً سياسية دعائية لجأت إليها أطراف وجهات داخلية وخارجية، تارة باسم الأكراد، وتارة باسم الشيعة أو العلويين أو الدروز، لتبرير سلوك سياسي معيّن أو تمرير أجندات فئوية، خصوصاً بعد سقوط النظام السابق في سوريا.
هذا النهج الذي يُعيد إنتاج سرديات تاريخية بمعزل عن السياق الوطني الجامع، تحوّل في بعض الخطابات إلى وسيلة لطلب الامتيازات خارج الإطار الدستوري، أو لتبرير مشاريع انفصالية كما حصل في مناطق شمال شرق سوريا، حيث استُخدمت "المظلومية الكردية" لتبرير إقامة كيان موازٍ على حساب وحدة الدولة.
كما لم تخلُ مناطق الساحل والجنوب من هذا الخطاب. فمرة تُستخدم "مظلومية العلويين" لتأجيج المخاوف من الإقصاء، ومرة تُستخدم "مظلومية الدروز" لتبرير حالة التمرد أو الانعزال عن مؤسسات الدولة، وكلها حالات تستند إلى خطاب أقلوي تضخيمي لا يعكس الواقع المتوازن الذي بدأت تشهده سوريا بعد إعادة تموضع مؤسسات الدولة في مختلف الجغرافيا.
لكن الجديد اليوم، هو أن الحكومة السورية الحالية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، لم تتعامل مع هذه السرديات بردود فعل قمعية أو إقصائية، بل واجهتها بسياسة نقيضة تقوم على الاحتواء والانفتاح والتشاركية.
وفي عدة مواقف مفصلية، وجّهت القيادة السياسية رسائل طمأنة حقيقية إلى مختلف المكونات، وعلى رأسها الأكراد، عبر المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أقرّ حقوقهم اللغوية والثقافية، ورفع الغبن التاريخي عنهم بإلغاء آثار إحصاء 1962.
كما انفتح الخطاب الرسمي على مختلف شرائح المجتمع، بما فيهم العلويون والدروز، مؤكدًا أن سوريا الجديدة لا تُبنى إلا بتكامل أبنائها، وأن أي مكون، مهما بلغ حجمه أو موقعه، لا يمكن أن يحكم أو يُقصى بمفرده.
إن ما أشار إليه الإعلامي فيصل القاسم في رسالته الأخيرة، حول استغلال خطاب المظلومية لأهداف مشبوهة، يعكس إدراكًا متناميًا لدى الرأي العام السوري بأن تلك السرديات لم تعد تنطلي على أحد. فقد آن أوان التحول من سياسة التخويف والفرز إلى بناء عقد وطني جامع.
وتؤكد الوقائع أن سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لتثبيت هوية وطنية فوق فئوية، تُنهي عصر الاستثناءات وتُرسّخ دولة المواطنة الحقة، حيث لا فضل لعربي على كردي، ولا لديني على علماني، إلا بمقدار ما يُقدّم لهذا الوطن من إخلاص وبناء.
المصدر:
شبكة شام