في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مأرب– في منزل صغير لا يتجاوز غرفتين وخيمة، تتقاسم 5 أسر نازحة مساحة ضيقة بعدما وصلت إلى محافظة مأرب هربا من التصعيد العسكري الأخير في الساحل الغربي لليمن.
لم تعد الغرفة قادرة على استيعاب مزيد من الأسر، لكن الوافدين الجدد لم يجدوا أمامهم كثيرا من الخيارات، فتكاليف الفنادق تفوق قدرتهم، والمأوى المستقل غير متوفر، بينما تحولت منازل بعض النازحين القدامى إلى ملاذ مؤقت لأقاربهم وأبناء مناطقهم الفارين من موجة جديدة من الحرب.
ولأسباب تتصل بالخصوصية والأعراف الاجتماعية، امتنعت كاميرا الجزيرة نت عن تصوير ما يجري داخل تلك الغرفة الضيقة التي تتقاسمها الأسر الخمس، في منزل بدائي صغير لا يتجاوز غرفتين أساسا.
لكن واقع الحال كان يغني عن كثير من الشرح والسؤال، فنظرات الإرهاق على الوجوه، وأحاديثهم عند عتبة الغرفة، كانت كافية لنقل حجم العوز والضيق الذي تعيشه هذه الأسر، التي وجدت نفسها تتقاسم مساحة محدودة بعد رحلة نزوح جديدة.
كان أحمد خباه يعمل في التعليم، قبل أن تتحول الحرب إلى رحلة طويلة من الانتقال بين مناطق مختلفة بحثا عن مكان آمن.
ويقول للجزيرة نت إن رحلته الأخيرة بدأت مع تصاعد القتال على الساحل الغربي، وإنه اضطر إلى مغادرة المنطقة مع أعداد كبيرة من المدنيين النازحين.
وخلال الرحلة، يروي الحاج أحمد أن قافلة تضم آلاف النازحين توقفت في إحدى المناطق للاستراحة، قبل أن يسقط صاروخ باليستي وسط النازحين، وفق روايته، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتفرق أفراد القافلة.
ويضيف أن ناجين حاولوا البحث عن المصابين، قبل أن تتعرض المنطقة نفسها لهجوم ثانٍ بطائرة مسيرة، ويقول إنه شاهد جثثا محترقة وأشلاء.
ويقدر أحمد عدد القتلى في الحادثة بأكثر من 100 شخص، معظمهم من النساء والأطفال، لكنه لم يقدم للجزيرة نت وثيقة مستقلة تثبت هذا الرقم، كما لم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة.
وتأتي شهادة المعلم أحمد في سياق موجة نزوح واسعة شهدتها مناطق الساحل الغربي خلال سبتمبر/أيلول الجاري، بعدما أدت المعارك والتدهور الأمني إلى فرار عشرات الآلاف من المدنيين.
وكشفت آخر تقارير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين التابعة للحكومة ارتفاع أعداد النازحين جراء التصعيد العسكري منذ مطلع سبتمبر الجاري إلى 25 ألفا و116 أسرة تتألف من 169 ألفا و74 فردا في 10 محافظات.
من جهتها، وثقت المنظمة الدولية للهجرة نزوح 129 ألفا و438 شخصا، أي ما يعادل 21 ألفا و573 أسرة، في 7 محافظات منذ بدء موجة النزوح المرتبطة بالقتال في تعز والساحل الغربي وباب المندب، حتى 20 سبتمبر/أيلول الجاري، وفق أحدث بيانات متاحة للمنظمة. وسجلت المنظمة زيادة قدرها 2406 نازحين مقارنة بتحديثها السابق.
وفي 22 من الشهر نفسه، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا داخل اليمن خلال الشهر الجاري مع اتساع رقعة القتال، محذرة من إمكانية نزوح أعداد إضافية خلال الأشهر المقبلة.
في مأرب، لا تبدو موجة النزوح الجديدة مجرد مشاهد متفرقة في المخيمات والمنازل، إذ وثق تقرير حديث، حصلت عليه الجزيرة نت من الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في مأرب، أن المحافظة استقبلت خلال موجة النزوح الجديدة في الشهر الجاري 412 أسرة، تضم 2954 فردا، قدموا نتيجة التصعيد العسكري الأخير.
وجاءت غالبية الأسر من محافظتي تعز والحديدة، إذ بلغت حصة تعز 61.9% بواقع 255 أسرة، قدم معظمها من مديريات مقبنة والوازعية وموزع والمخا وحيفان، بينما جاءت 110 أسر من محافظة الحديدة بنسبة 26.7%، ولا سيما من حيس والخوخة والجراحي ومدينة الحديدة.
أما الجوف، فمثل القادمون منها 11.4%، بواقع 47 أسرة، معظمهم من مديرية خب والشعف.
وبذلك، تُشكِّل الأسر القادمة من محافظتي تعز والحديدة معا نحو 89% من موجة الوافدين الجدد التي رصدتها الوحدة التنفيذية في مأرب.
وتعكس هذه الأرقام جانبا من اتساع حركة النزوح التي أحدثها التصعيد الأخير على الساحل الغربي والمناطق المحيطة به، في وقت تشير فيه بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تعز تستضيف أكبر تجمع للنازحين المسجلين في هذه الموجة.
توزعت الأسر الوافدة الجديدة داخل مأرب على ثلاث مناطق رئيسية، بحسب تقرير الوحدة التنفيذية.
واستقبلت مدينة مأرب عاصمة المحافظة 285 أسرة، أي 69.17% من إجمالي الوافدين، بينما استقبلت مأرب الوادي 105 أسر بنسبة 25.49%، وحريب 22 أسرة بنسبة 5.34%.
لكن الاستقرار في المدينة لا يعني بالضرورة حصول كل أسرة على مسكن مستقل.
فبعض الوافدين لجؤوا إلى أقارب ومعارف سبق لهم النزوح، وهو ما أنتج مشاهد من الاكتظاظ داخل المنازل،، فالنازح السابق الذي فرّ من الحرب قبل سنوات يجد نفسه اليوم مضطرا إلى فتح منزله أمام نازحين جدد ممن فروا مؤخرا من المنطقة نفسها، كما حدث مع الأسر الخمس التي التقتها الجزيرة نت.
وفي هذا السياق، يقول النازح السابق الأستاذ عبد الله حسن إبراهيم، الذي فتح منزله الصغير المكون من غرفتين وخيمة أمام إخوانه الوافدين الجدد، إنه استقبلهم باعتبار ذلك واجبا إنسانيا، بعدما عجزوا عن تحمل تكاليف الفنادق.
وتحدث عبد الله حسن للجزيرة نت قائلا: "استقبلناهم بترحيب وأهلا وسهلا بهم بعد أن تعذر عليهم تحمل تكاليف الفنادق الرهيبة. قمنا بواجبنا الإنساني البسيط بتوفير مياه الشرب واقتسام ما لدينا".
لكن الضيافة، وفقا لعبد الله، لا تحل المشكلة الأساسية، فالأسر الجديدة لا تزال بحاجة إلى مأوى مستقل يجمع أفرادها ويحفظ لهم الحد الأدنى من الخصوصية والاستقرار.
ويطالب عبد الله الوحدة التنفيذية ومسؤولي السلطة المحلية والمنظمات الإنسانية بسرعة التحرك لتدارك أوضاع هذه الأسر قبل أن تتفاقم احتياجاتها.
وهكذا يجد النازح القديم نفسه مرة أخرى في قلب أزمة النزوح، لكن هذه المرة ليس بوصفه طالبا للمأوى فقط، وإنما بوصفه مضيفا لنازحين جدد.
يكشف تقرير الوحدة التنفيذية عن الطابع العائلي لموجة النزوح الجديدة، إذ يشكل الأطفال 52% من إجمالي الوافدين، والنساء 26%، أي أن الأطفال والنساء يمثلون معا 78% من هذه الموجة.
كما تشكل الأسر التي تعيلها نساء 9%، وكبار السن 6%، وأصحاب الأمراض المزمنة 4%، بينما يمثل الأشخاص ذوو الإعاقة 3%.
وتضع هذه التركيبة الأسرية الجديدة ضغطا إضافيا على احتياجات المأوى والحماية والغذاء والخدمات الأساسية، خصوصا في ظل اعتماد كثير من الأسر النازحة على المساعدات أو الاستضافة لدى الأقارب.
منذ اندلاع الصراع في اليمن قبل 12 عاما ومأرب تستقبل موجات من النزوح رغم أنها تُعد إحدى الجبهات الساخنة بين القوات الحكومية والحوثيين، وتقول السلطات الحكومية إن المحافظة تضم أكبر تجمع للنازحين داخليا.
وبحسب تقرير الوحدة التنفيذية الذي حصلت عليه الجزيرة نت، تستضيف مأرب مليونين و217 ألفا و152 نازحا بصورة تراكمية خلال الفترة من 2014 وحتى سبتمبر/أيلول 2026.
ومع أن الرقم يعكس إجماليا تراكميا على مدى سنوات، فإن وصول موجة جديدة من مئات الأسر إلى المحافظة يضيف احتياجات جديدة إلى منظومة إيواء وخدمات مثقلة أصلا بتبعات النزوح الطويل.
وتظهر آثار ذلك بوضوح في مخيمات مأرب.
ففي مخيم الجفينة السفلى، أحد أكبر تجمعات النازحين في المحافظة، التقت الجزيرة نت النازح عابد صديق وزوجته، وهما من القادمين من محافظة الحديدة.
وبحديث تلقائي للجزيرة نت، لخص الزوجان جانبا من الأزمة التي يعيشها النازحون في المخيمات، قائلين إن الأوضاع "سيئة للغاية"، وإن كل أسرة تكافح ظروفها بمفردها.
ويقولان إن المساعدات الإنسانية التي كانت تصل إليهما في السابق أو تساعدهما في المستشفيات والمرافق الخدمية تراجعت بصورة كبيرة، بل اختفت تقريبا خلال الأيام الأخيرة، بحسب إفادتهما.
وتقول الأسرة إن تراجع الدعم يضع النازحين بين ضغوط المعيشة من جهة، وتراجع المساعدة الإغاثية من جهة أخرى.
ويصنف تقرير الوحدة التنفيذية احتياجات الوافدين الجدد بحسب درجة الأولوية، حيث يأتي المأوى والمواد غير الغذائية في مقدمة الاحتياجات الحرجة، بما يشمل توفير خيام ومستلزمات إيواء طارئة، إلى جانب الأمن الغذائي وسبل العيش من خلال السلال الغذائية والتدخلات التغذوية العاجلة.
وتأتي المياه والإصحاح البيئي والحماية ضمن الاحتياجات المرتفعة، بينما تشمل الاحتياجات المتوسطة الصحة والتعليم وحقائب الاستجابة السريعة والمساعدات النقدية.
وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية خاصة في ظل المشهد الذي رصدته الجزيرة نت ميدانيا: أسر جديدة تصل إلى المحافظة ولا تجد بالضرورة مكانا مستقلا، ونازحون سابقون يفتحون منازلهم ويتقاسمون ما لديهم، بينما تبقى الخيام والمساكن المؤقتة خيارا قائما أمام كثيرين.
بالنسبة إلى النازح اليمني أحمد حسن خباه، ليست مأرب اليوم هي المحطة الأولى في رحلة الفرار، وربما لا تكون الأخيرة. 5 مرات غادر فيها الرجل منزله، وفي كل مرة بدأ البحث من جديد عن مكان آمن وحياة قابلة للاستمرار.
ففي مخيم "القوز"، وتحديدا من داخل ذلك المنزل البدائي الصغير الذي تتقاسم فيه خمس عائلات غرفة واحدة، تتكرر الحكاية بصورة أخرى: نازح قديم يفتح ما تبقى لديه لنازحين جدد، في حين تظل الحاجة إلى مأوى مستقل مؤجلة.
أما من خارج تلك الغرفة المكتظة، فتكفي نظرات التعب وأحاديث النازحين عند العتبة لتكشف ما تعجز الأرقام وحدها عن قوله: بالنسبة إلى هؤلاء، لم تكن الرحلة إلى مأرب نهاية للنزوح، بل محطة جديدة في رحلة بحث طويلة ومرهقة عن مكان آمن يمكن أن يسمّوه بيتا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة