في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية محصورة داخل الأراضي الأوكرانية، فمع تصاعد الضربات وارتفاع الدعم الغربي لكييف، تتزايد المخاوف من انتقال المواجهة إلى أراضي دول حلف شمال الأطلسي، سواء عبر هجوم عسكري مباشر أو عمليات هجينة وسيبرانية.
وتزامنت هذه المخاوف مع زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو، وسط تقارير عن تحذيرات أمريكية للكرملين من عواقب مهاجمة أي دولة عضو في الناتو، في وقت هددت فيه موسكو بضرب أهداف عسكرية بريطانية، عقب إعلان لندن استعدادها لتزويد أوكرانيا بتكنولوجيا لإنتاج صواريخ "ستورم شادو" بعيدة المدى القادرة على ضرب أهداف في عمق الأراضي الروسية.
ويطرح هذا التصعيد سؤالا محوريا، هل تستعد روسيا فعلا لاختبار الناتو عسكريا، أم أن التهديدات المتبادلة ليست سوى رسائل ردع ومحاولات للضغط من أجل تحريك المسار الدبلوماسي؟
المخاوف الغربية لا تتحدث بالضرورة عن حرب شاملة بين روسيا والناتو، بل عن احتمال تنفيذ موسكو عملية محدودة لاختبار تماسك الحلف واستعداده للرد. وتبرز بولندا ودول البلطيق الثلاث باعتبارها مناطق حساسة في هذا السيناريو، بسبب قربها الجغرافي من روسيا وبيلاروسيا وارتباطها بالتزامات الدفاع الجماعي للحلف.
لكن الباحث السياسي والإستراتيجي رولاند بيجاموف يستبعد وجود خطة روسية جاهزة لمهاجمة إحدى دول الناتو، ويرى أن التصريحات الأخيرة تأتي في إطار محاولة وقف التصعيد وإرسال رسائل تحذيرية، خصوصا بعد الإعلان البريطاني عن نقل تكنولوجيا صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا.
وبحسب بيجاموف، قد ترد موسكو أولا باستهداف المنشآت أو الورش داخل أوكرانيا المرتبطة بهذه التكنولوجيا، قبل توسيع نطاق الضربات إلى أهداف خارجها إذا استمر التصعيد، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع دول غربية.
لا يُشترط أن تبدأ المواجهة بين روسيا والغرب بصواريخ ودبابات، إذ يمكن أن تأخذ شكلا هجينا يشمل التخريب والهجمات السيبرانية واستهداف منشآت عسكرية أو صناعية مرتبطة بالدعم الغربي لأوكرانيا. ويرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف حسني عبيدي أن هذا النوع من العمليات يضع أوروبا أمام معضلة صعبة، لأن تحديد اللحظة التي يتحول فيها العمل العدائي إلى هجوم يستوجب رد الناتو ليس دائما أمرا واضحا.
فطائرة مسيرة تدخل المجال الجوي لدولة أوروبية، أو هجوم إلكتروني يعطل منشأة حيوية، أو عملية تخريب تستهدف مصنعا عسكريا، قد تبدو حوادث منفصلة، لكنها إذا تكررت يمكن أن تتحول إلى مسار تصعيد يصعب احتواؤه.
تحتل بريطانيا موقعا حساسا في هذه الأزمة، بعدما أعلنت استعدادها لمساعدة أوكرانيا في إنتاج صواريخ "ستورم شادو" بعيدة المدى. وردت موسكو بالتحذير من احتمال استهداف أهداف عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا أو خارجها. وترى روسيا أن نقل هذه التكنولوجيا يمثل تصعيدا نوعيا يسمح لكييف بتوسيع قدرتها على ضرب العمق الروسي، بينما تعتبر لندن دعم أوكرانيا جزءا من إستراتيجية لحماية الأمن الأوروبي ومنع موسكو من تحقيق أهدافها العسكرية.
ومن هنا، فإن أي هجوم روسي على بريطانيا أو دولة أخرى في الناتو قد ينقل الحرب من مواجهة غير مباشرة إلى صدام مباشر بين روسيا والحلف.
تختلف أي مواجهة مع دولة عضو في الناتو جذريا عن الحرب في أوكرانيا، لأن الحلف يقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، مما يجعل الاعتداء على عضو فيه تهديدا للحلف بأكمله.
ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق دونالد جينسن أن الناتو لن يتجاهل أي اعتداء روسي، رغم الخلافات داخله بشأن الإنفاق الدفاعي ودور الولايات المتحدة. وقد يبدأ الرد بعقوبات أو تعزيزات عسكرية وعمليات دفاعية وهجمات إلكترونية مضادة، قبل أن يتطور إلى إجراءات عسكرية أوسع. لكن المعضلة تكمن في كيفية الرد دون تحويله إلى شرارة لحرب شاملة بين روسيا والغرب، خصوصا أن الطرفين يمتلكان ترسانات نووية.
وتعود الولايات المتحدة إلى مركز المشهد في ظل هذه التطورات. فزيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى موسكو جاءت وسط تقارير عن تحذيرات أمريكية للكرملين من عواقب مهاجمة أي دولة في الناتو. ورغم عدم معرفة تفاصيل المباحثات، فإن التواصل المباشر بين واشنطن وموسكو يعكس حجم المخاوف من خروج التصعيد عن السيطرة. ويرى عبيدي أن التهديدات الروسية لبريطانيا والتحرك الأمريكي قد يمنحان واشنطن فرصة لتعزيز دورها الدبلوماسي.
لكن الولايات المتحدة تواجه معادلة دقيقة، تقضي بأن التراجع الكبير عن الالتزامات تجاه أوروبا قد يشجع موسكو على اختبار حدود الرد الغربي، بينما قد يؤدي التدخل العسكري الأمريكي المباشر ضد روسيا إلى مواجهة بين قوتين نوويتين.
أحد السيناريوهات التي تثير قلق الغرب هو أن تنفذ موسكو عملية محدودة، لا بهدف احتلال دولة عضو، وإنما لمعرفة مدى استعداد الحلف للرد ووحدة الموقف الأوروبي والأمريكي. غير أن بيجاموف يرفض هذا الاحتمال، معتبرا أن الأولوية الروسية تظل الحرب في أوكرانيا وشروط التسوية التي تطالب بها موسكو، وفي مقدمتها التعامل مع الوقائع القائمة على الأرض ورفض انضمام أوكرانيا إلى الناتو.
وبحسب هذا الطرح، فإن التصعيد الحالي يعكس صراعا على المواقف أكثر من كونه استعدادا لحرب جديدة.
وإلى جانب المعارك، تخوض روسيا والغرب حربا في الروايات. فموسكو تعتبر توسع الناتو شرقا والضغوط الأمنية الغربية من أسباب اندلاع الحرب، بينما تتهمها الولايات المتحدة وأوروبا بتهديد الأمن الأوروبي واستخدام القوة والوسائل الهجينة لفرض أهدافها.
وبين الروايتين، تراجعت الثقة إلى مستويات غير مسبوقة، رغم أن العلاقات بين روسيا والناتو شهدت في مراحل سابقة تعاونا، بما في ذلك في أفغانستان.
رغم ارتفاع منسوب التهديدات، يظل المسار الدبلوماسي الطريق الأهم لتجنب مواجهة مباشرة. ويتطلب ذلك إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية، ووضع حدود واضحة للتصعيد، خصوصا فيما يتعلق بالأسلحة بعيدة المدى والهجمات على العمق الروسي والعمليات السيبرانية والتخريبية.
كما تحتاج الأطراف إلى صيغة تفاوضية تعالج المخاوف الأمنية الروسية دون المساس بسيادة أوكرانيا وحقها في تقرير مستقبلها. وتواجه أوروبا بدورها معادلة صعبة؛ فهي تعتبر الحرب قضية أمنية وجودية، خصوصا بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لكنها تدرك أن استمرار الدعم العسكري لكييف قد يزيد خطر اتساع دائرة الصراع.
حتى الآن، لا توجد أدلة حاسمة على أن روسيا قررت شن هجوم وشيك على إحدى دول الناتو، لكن الخطر لا يمكن تجاهله. فالتهديدات المتبادلة، والهجمات بعيدة المدى، والعمليات الهجينة، وتراجع الثقة، كلها تخلق بيئة يمكن أن تتحول فيها حادثة واحدة إلى أزمة واسعة.
وقد لا تبدأ الحرب بقرار مباشر من روسيا أو الناتو، بل نتيجة سلسلة من الحسابات الخاطئة وسوء التقدير. ولهذا، فإن المسافة بين الردع والمواجهة أصبحت ضيقة للغاية. وبينما يواصل كل طرف اختبار حدود الطرف الآخر، يبقى الخيار الأصعب والأكثر إلحاحا هو إعادة فتح قنوات التفاوض وخفض سقف التصعيد، قبل أن تتحول حرب أوكرانيا من صراع غير مباشر إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والغرب.
المصدر:
الجزيرة