يبرز تناقض صارخ في صميم الاقتصاد العالمي، إذ لم تعد الولايات المتحدة الدولة الصناعية المهيمنة في العالم بعد أن تفوقت عليها الصين، ومع ذلك، لا يزال الدولار يمثل العملة الدولية الأهم على الإطلاق.
تستحوذ الولايات المتحدة حاليا على نحو 16% من الناتج الصناعي العالمي، في حين تقترب حصة الصين من 30%. ورغم ذلك، ما زال الدولار يشكل قرابة 60% من احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، مهيمنا على المدفوعات الدولية ومستخدما على نطاق واسع في تسعير التجارة حتى في غياب أي تدخل لشركات أمريكية.
وفي المقابل، يظل الرنمينبي الصيني عملة احتياطية هامشية، على الرغم من القوة الإنتاجية الهائلة التي تتمتع بها الصين.
فلماذا أثبتت القوة النقدية الأمريكية أنها أكثر ديمومة بكثير من التفوق الإنتاجي الأمريكي؟
تكشف الإجابة عن جانب مهم حول آليات عمل القوة في الاقتصاد العالمي، والسبب وراء التسرع المتكرر في التنبؤات بقرب نهاية الهيمنة الأمريكية، حتى وإن لم تعد الولايات المتحدة كسابق عهدها.
تستحوذ الولايات المتحدة حاليا على نحو 16% من الناتج الصناعي العالمي، في حين تقترب حصة الصين من 30%. ورغم ذلك، ما زال الدولار يشكل قرابة 60% من احتياطيات النقد الأجنبي الرسمية، مهيمنا على المدفوعات الدولية ومستخدما على نطاق واسع في تسعير التجارة حتى في غياب أي تدخل لشركات أمريكية
في نهاية الحرب العالمية الثانية، كان من السهل تفسير قوة الدولار، فقد أنتجت الولايات المتحدة حينها ما يقرب من نصف الناتج الصناعي العالمي، وامتلكت قوة تكنولوجية وعسكرية ساحقة.
وقد جسد النظام النقدي الدولي المتفق عليه في "بريتون وودز" عام 1944 ذلك الواقع، إذ ربطت العملات الأخرى بالدولار، وربط الدولار بالذهب.
تآكل هذا الأساس الإنتاجي تدريجيا مع إعادة بناء أوروبا واليابان، لتتخلى الولايات المتحدة في عام 1971 عن قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. ومنطقيا، كان ينبغي لمكانة الدولار الدولية أن تضعف بشدة أيضا.
غير أن ذلك لم يحدث، بل غدا الدولار، عوضا عن ذلك، أساسا لاقتصاد عالمي تسيطر عليه الشؤون المالية بصورة متزايدة، وكانت أسواق الدولار الخارجية (الأوفشور) قد نمت بالفعل بوتيرة سريعة خلال الستينات.
وعقب صدمات أسعار النفط في السبعينيات، تراكمت الفوائض المالية الضخمة للدول المصدرة للنفط بالدولار في الغالب، مما منح الخليج دورا مهما في إعادة بناء نظام الدولار بعد انهيار اتفاقية "بريتون وودز".
إثر ذلك، أدى التحرير المالي ابتداء من الثمانينات إلى ربط الخدمات المصرفية وأسواق الأوراق المالية وتمويل الشركات بالدولار بشكل أعمق.
ومع تآكل التفوق الإنتاجي الأمريكي، استندت قوة الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى أساس مختلف: ألا وهو دور الدولار الذي لا غنى عنه في التمويل العالمي.
لا تعكس حصة الدولار من احتياطيات البنوك المركزية سوى نزر يسير من أهميته، إذ تسعر الشركات في جميع أنحاء العالم سلعها وتسوي معاملاتها بالدولار، وتقرض البنوك التجارية عبر الحدود بالدولار، وتقترض الحكومات بالدولار.
كما تحتفظ المؤسسات المالية بالديون الحكومية الأمريكية لإمكانية بيعها فورا أو استخدامها كضمان لاقتراض النقد في أية لحظة، مما يجعلها شكل السيولة الأكثر موثوقية في العالم.
وتعد هذه الحالة ذاتية التعزيز، فيستخدم الناس الدولار جزئيا لأن الجميع يفعلون ذلك، وتستطيع البنوك تسيير أعمالها بالدولار بتكلفة زهيدة نظرا لضخامة الأسواق، وتقبل الشركات التعامل بالدولار لأن مورديها وبنوكها سيقبلون به أيضا، في حين تحتفظ البنوك المركزية به لحاجة اقتصاداتها إلى الدولار من أجل التجارة وحالات الطوارئ.
الدول التي تحظى بامتياز الوصول إلى الدولار تعد أيضا من بين أقرب شركاء أمريكا على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، إذ تتداخل خريطة السيولة الدولارية مع خريطة القوة الجيوسياسية الأمريكية بشكل ملحوظ
غير أن هذا لا يعد مجرد اعتياد، إذ يتضح الفارق الحاسم بين الدولار وأي عملة أخرى بجلاء في أوقات الأزمات. فإذا أحدث الذعر المالي طلبا عالميا هائلا على الدولار، فلن توجد سوى مؤسسة واحدة قادرة على خلقه بلا حدود: وهي الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009 وصدمة جائحة كورونا في عام 2020، ضخ الاحتياطي الفيدرالي الدولارات مباشرة لمجموعة مختارة من البنوك المركزية الأجنبية من خلال ترتيبات تعرف بخطوط المبادلة.
وفي الأشهر الحرجة من عام 2020، تمتعت 14 بنكا مركزيا بهذا الوصول المتميز؛ حيث حظيت خمسة منها -وهي البنك المركزي الأوروبي والبنوك المركزية في اليابان وبريطانيا وسويسرا وكندا– بترتيبات دائمة وغير محدودة، في حين تلقت تسعة بنوك أخرى تسهيلات مؤقتة، في حين افتقرت معظم الدول إلى مثل هذا الوصول على الإطلاق.
ومما له دلالته، أن الدول التي تحظى بامتياز الوصول إلى الدولار تعد أيضا من بين أقرب شركاء أمريكا على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، إذ تتداخل خريطة السيولة الدولارية مع خريطة القوة الجيوسياسية الأمريكية بشكل ملحوظ.
ويحظى هذا التمييز بأهمية بالغة؛ فالبنك المركزي الذي يستطيع الحصول على الدولار مباشرة من الاحتياطي الفيدرالي يقف في موقف مختلف تماما، إبان الذعر العالمي، عن البنك الذي يتعين عليه الدفاع عن عملته، أو استنزاف احتياطياته، أو رفع أسعار الفائدة بحدة، أو طلب مساعدة طارئة من مصادر أخرى.
وهكذا، يتسم النظام النقدي الدولي بهيكلية هرمية، تتربع الولايات المتحدة في مركزه، حيث تخلق العملة التي يحتاجها الجميع، وتحيط بها دول تتمتع بوصول تفضيلي إلى السيولة الدولارية، لتأتي في الدائرة الأبعد الدول التي يجب عليها مراكمة الدولارات مقدما، أو اقتراضها دوليا، لحماية نفسها.
وتتكبد الدول النامية تكاليف حقيقية جراء ذلك، فمن أجل الحماية من تدفقات رؤوس الأموال الخارجة أو نقص العملات الأجنبية، تلجأ الحكومات غالبا إلى بناء احتياطيات ضخمة يحتفظ بمعظمها في شكل أوراق مالية حكومية أمريكية.
وبذلك، تحتجز الموارد التي كان من شأنها دعم الاستثمار المحلي في أصول أجنبية سائلة، كنوع من التأمين ضد عدم الاستقرار المالي.
بيد أن هذا التأمين قابل للمصادرة؛ فقد أظهر تجميد الاحتياطيات السيادية، بما في ذلك احتياطيات روسيا وأفغانستان، أن الوصول إلى نظام الدولار ليس مجرد ميزة اقتصادية فحسب، بل يمكن أن يغدو أيضا أداة للإكراه الجيوسياسي.
ولا يعني أي من هذا أن الإنتاج قد فقد أهميته، فتآكل الصناعة الأمريكية يعد حقيقة واقعة، وباتت الصين منافسا إنتاجيا على مستوى لم تواجهه الولايات المتحدة منذ أجيال. ففي نهاية المطاف، لا تزال القوة الاقتصادية تعتمد على القدرة على الإنتاج والابتكار والريادة التكنولوجية.
تمتلك الصين القوة الإنتاجية لتحدي الولايات المتحدة ولكنها تفتقر إلى عملة قادرة على الحلول محل الدولار، وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بالعملة المهيمنة عالميا، غير أنها لم تعد تمتلك التفوق الإنتاجي الذي بنيت عليه تلك الهيمنة.
ولا تعني هيمنة الدولار أن واشنطن قادرة ببساطة على إملاء النتائج، وصحيح أن قياس القوة الأمريكية حصرا من خلال المصانع أو الصادرات أو حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يغفل عنصرا جوهريا، إلا أن التعامل مع مكانة الدولار بوصفها دائمة وغير قابلة للتحدي سيشكل إغفالا مماثلا.
وتوضح واقعة معبرة حدثت هذا الصيف هذه النقطة، فحين انضمت واشنطن إلى طوكيو في تدخل نادر لدعم الين في شهر يوليو/تموز، أفادت التقارير بأن وزارة الخزانة الأمريكية لم تمول حصتها عبر بيع الدولارات، بل ببيع اليورو.
وكان أحد الأسباب المطروحة هو تجنب إجبار اليابان على بيع حيازاتها الضخمة من الديون الحكومية الأمريكية للدفاع عن عملتها. وحتى أثناء دعمها لحليف مقرب، كان القلق حيال إحداث اضطراب في سوق الديون الحكومية الأمريكية جزءا من الحسابات.
كما يفقد الدولار مكانته تدريجيا في الاحتياطيات الرسمية، في حين تختبر الدول عملات وترتيبات دفع أخرى. ولا تعني هيمنة الدولار أن كل معاملة نقدية دولية مهمة يجب أن تمر عبر الدولار، كما لا تعني أيضا أن الهيكلية الهرمية الحالية ستدوم إلى الأبد.
وتحمل هذه التحولات دلالات خاصة بالنسبة للعالم العربي؛ فالمنطقة التي ساهمت في بناء الهيكل المالي لما بعد اتفاقية "بريتون وودز" في السبعينات، تقف الآن على خط التصدع بين نظام دولاري يرزح تحت ضغوط متزايدة ومركز ثقل إنتاجي جديد يتمثل في الصين.
فقد نمت الروابط الاقتصادية مع الصين بشكل هائل، في حين تظل أسعار النفط، والاحتياطيات، والتمويل الدولي، وقدر كبير من الاستثمارات عبر الحدود راسية بعمق في نظام الدولار. تتغير الخريطة الإنتاجية للعالم بوتيرة أسرع من خريطته النقدية، ولكن الخريطة النقدية تتغير هي الأخرى.
ويشير هذا إلى مشكلة أعمق، فقد نشأت المكانة الاستثنائية للدولار في فترة ما بعد الحرب بفضل التفوق الإنتاجي الأمريكي، وقد زال ذلك التفوق، بينما بقي الكثير من البنية النقدية التي أفرزها.
وتمتلك الصين القوة الإنتاجية لتحدي الولايات المتحدة ولكنها تفتقر إلى عملة قادرة على الحلول محل الدولار. وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بالعملة المهيمنة عالميا، غير أنها لم تعد تمتلك التفوق الإنتاجي الذي بنيت عليه تلك الهيمنة.
ولذلك، لا يشهد الاقتصاد العالمي انتقالا بسيطا للقوة من الولايات المتحدة إلى الصين، فالنظام القديم آخذ في الضعف دون أن يحل محله نظام جديد.
لا يقف الدولار على شفا الاختفاء، ولكنه في الوقت ذاته ليس آمنا بالقدر الذي قد توحي به هيمنته المستمرة.
وتبقى مرونته مصدرا كبيرا لقوة الولايات المتحدة، غير أن الضغوط المتزايدة تحت هذه المرونة تتحول إلى مصدر رئيسي لعدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة