بعد أشهر من التكهنات، تأكدت أخيراً الوجهة المقبلة للنجم المصري محمد صلاح.
من المقرر أن ينضم أسطورة ليفربول إلى نادي طرابزون سبور التركي عقب انتهاء عقده في أنفيلد، منهياً بذلك واحدة من أنجح المسيرات في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز.
إلا أن هذه الخطوة قد فاجأت كثيرين.
فعلى مدى سنوات، سعت أندية الدوري السعودي إلى التعاقد مع صلاح، كما كان الدوري الأميركي لكرة القدم يعد أيضاً وجهة واقعية لأحد أبرز نجوم كرة القدم في العالم. لكن اللاعب البالغ 34 عاماً فضّل البقاء في أوروبا عبر الانضمام إلى طرابزون سبور، النادي المعروف أكثر بقدرته على كسر هيمنة القوى التقليدية في تركيا من كونه قوة مهيمنة بحد ذاته.
فلماذا اختار صلاح، طرابزون سبور، وما الذي يمكن أن يتوقعه كل من اللاعب والنادي من الآخر؟
لا يفسر المال وحده قرار صلاح. إذ وضعت الأندية السعودية، اللاعب المصري، منذ فترة طويلة ضمن أبرز أهدافها، مع قيام فريق الاتحاد بمحاولة متأخرة للتعاقد معه، فيما يُعد سبورتينغ كانساس سيتي أحد أندية الدوري الأمريكي المهتمة بضمه.
وكان بإمكان كلا الخيارين أن يوفر مكافآت مالية ضخمة. لكن صلاح اختار الاستمرار في كرة القدم الأوروبية.
وقد حل طرابزون في المركز الثالث في الدوري التركي الممتاز في الموسم الماضي، وسيشارك في الملحق المؤهل إلى الدوري الأوروبي هذا الشهر. وسيؤهله الفوز بمجموع مباراتي الذهاب والإياب إلى مرحلة الدوري، لكن الإخفاق سيقوده إلى دوري المؤتمر الأوروبي.
وبالنسبة للاعب ساعد منتخب مصر على بلوغ الأدوار الإقصائية في كأس العالم هذا الصيف، وقدم أحد أفضل مواسمه خلال 2024-2025، يبدو أن مواصلة المنافسة في البطولات الأوروبية كانت عاملاً ذا وزن كبير.
إذا كان صلاح مصمماً على البقاء في أوروبا، فإن طرابزون سبور ربما لم يكن الخيار الأكثر وضوحاً.
فالقوى التقليدية في تركيا هي غلطة سراي وفنربخشة وبشكتاش، إذ اختارت غالبية الأسماء البارزة التي انتقلت إلى البلاد تاريخياً أحد عمالقة إسطنبول.
وقد حاول بشكتاش بالفعل التعاقد مع صلاح، قبل أن تنهار المفاوضات بسبب الهيكل المالي للصفقة، ما فتح الباب أمام طرابزون سبور.
ورغم افتقاد النادي إلى الحضور العالمي الذي تتمتع به أكبر الأندية التركية، فإنه بعيد كل البعد عن كونه طرفاً هامشياً.
إذ تُوّج بطلاً لتركيا سبع مرات، كان آخرها إحرازه لقب الدوري الممتاز في موسم 2021-2022، كما فاز بكأس تركيا الموسم الماضي.
كما أنهى الفريق الدوري في المركز الثالث، ليحصل على فرصة جديدة للتأهل إلى المنافسات الأوروبية.
على الفور، أصبح صلاح أكبر صفقة في تاريخ النادي. وقد عكس الحماس المحيط بوصوله هذه المكانة، إذ تجمع المئات من المشجعين لاستقباله قبل توجهه إلى طرابزون.
ولم يُفاجأ لاعب وسط اسكتلندا السابق، رايان جاك، الذي فاز بالدوري الاسكتلندي الممتاز مع رينجرز عام 2021 وقضى الموسمين الماضيين في تركيا، بتلك المشاهد.
وقال لبي بي سي سبورت: "هذا أحد الأمور المميزة في كرة القدم التركية، فالجماهير شغوفة بشكل لا يصدق. الأندية الكبرى تحظى بدعم هائل، والجماهير تساند فرقها بقوة".
وخلال تقديمه، ارتدى لفترة وجيزة قميصاً رمزياً يحمل رقم 61 تكريماً للمدينة، إذ يمثل الرقم رمز تسجيل المركبات في طرابزون ويحظى بأهمية خاصة لدى المشجعين الذين يحتفلون تقليدياً بالدقيقة 61 في المباريات.
ومع ذلك، سيرتدي صلاح القميص رقم 10 في الموسم المقبل، بعد أن طلب الرقم الذي يرتديه أيضاً مع منتخب مصر. ووافق زميله، إرنست موتشي، على التخلي عن القميص احتراماً لأبرز صفقات النادي.
تمثل خطوة صلاح أحدث مؤشر على الجاذبية المتزايدة لكرة القدم التركية بالنسبة للنجوم المعروفين.
فمن بين الأسماء البارزة التي تلعب حالياً في الدوري التركي: فيكتور أوسيمين، وليروي ساني، وإلكاي غوندوغان، وناثان آكي، ولياندرو تروسارد، فيما يضم فريق طرابزون سبور بالفعل أندريه أونانا، وروسلان مالينوفسكي، وستيفان سافيتش.
وفي الصيف الماضي، سجل الدوري التركي ثالث أعلى صافي إنفاق على الانتقالات في كرة القدم العالمية بعد الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري السعودي للمحترفين، ما يعكس الطموح المتزايد للمسابقة.
والعوامل الاقتصادية وراء هذا الإنفاق غير معتادة.
فالأندية التركية الكبرى تحقق إيرادات كبيرة باليورو من خلال المنافسات الأوروبية، بينما تبقى نسبة كبيرة من تكاليف التشغيل المحلية بالليرة التركية.
كما أن فترة التضخم المرتفعة الطويلة في البلاد خفضت القيمة النسبية للديون المحلية القائمة، ما منح الأندية مرونة أكبر مما قد يبدو للوهلة الأولى.
ومن الناحية المالية، تمكن طرابزون سبور بالتالي من تقديم عرض جذاب لصلاح.
وتقول تقارير في تركيا إنه وقع عقداً لمدة عامين يمتد حتى يونيو/حزيران 2028 بقيمة تقارب 7.3 ملايين جنيه إسترليني في الموسم الواحد، وهو أقل من الراتب الذي كان يمكن أن يحصل عليه في السعودية مع مكافآت إضافية وحصة من عائدات المنتجات المرتبطة باسمه، وفقاً للتقارير.
والنتيجة هي دوري قادر على تقديم رواتب تنافسية وجماهير متحمسة وكرة قدم أوروبية للاعبين الذين يدخلون المراحل الأخيرة من مسيرتهم.
ويرى جاك أن مكانة المسابقة تواصل الارتفاع. وقال: "الدوري يزداد قوة عاماً بعد عام، وأنت ترى انضمام المزيد من الأسماء اللامعة".
وأضاف: "ربما يكون صلاح أكبر اسم انتقل إلى تركيا في السنوات الأخيرة. هذا يظهر أن الدوري ينمو وقد يقنع لاعبين كباراً آخرين بالتفكير في الذهاب إلى هناك. هناك ملاعب رائعة ومدن رائعة وهو دوري تنافسي".
وقد عززت تجربته الشخصية هذا الانطباع.
وأضاف جاك: "لقد أحببت التجربة. الجميع يساعدك على التأقلم والناس ودودون للغاية. وعندما يصل لاعبون أجانب، تبذل الأندية قصارى جهدها لمساعدتهم".
رغم استقطابه أسماءً معروفة، لا يزال الدوري التركي الممتاز بعيداً إلى حد ما عن نخبة المسابقات الأوروبية.
وتصنفه أوبتا، وهي شركة بريطانية متخصصة في جمع وتحليل البيانات والإحصاءات الرياضية، حالياً باعتباره الدوري المحلي الرابع عشر من حيث القوة في كرة القدم العالمية، خلف دوريات الدرجة الأولى في دول مثل الدنمارك وبولندا وحتى دوري الدرجة الأولى الإنجليزي (تشامبيونشيب).
كما وجدت الأندية التركية صعوبة في تحقيق نجاح أوروبي مستدام.
فمنذ فوز غلطة سراي بكأس الاتحاد الأوروبي عام 2000، لم يبلغ نصف نهائي إحدى البطولات الأوروبية الكبرى سوى فريق تركي واحد، ما يوضح الفجوة التي لا تزال قائمة بين أكبر أندية تركيا والقوى الأوروبية الراسخة.
أما بالنسبة لصلاح، فإن الانتقال يمثل حلاً وسطاً. فبدلاً من الابتعاد عن كرة القدم الأوروبية، سيواصل المشاركة قارياً مع اللعب في واحدة من أكثر البيئات حماساً.
يشير العمر إلى أن صلاح يقترب من المراحل الأخيرة في مسيرته، لكن هناك دلائل على أنه لا يزال يملك الكثير ليقدمه.
إذ قاد مصر إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم 2026، مساهماً بهدف واحد وتمريرتين حاسمتين في خمس مباريات.
وكان موسمه الأخير مع ليفربول أكثر صعوبة، إذ تراجع حامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز إلى المركز الخامس في موسم مخيب للآمال.
وسجل صلاح 12 هدفاً في جميع المسابقات بعد أن تراجع دوره تحت قيادة المدرب أرني سلوت.
وقبل ذلك بعام واحد فقط، قدم أحد أفضل مواسمه الفردية، مسجلاً 34 هدفاً وصانعاً 23 هدفاً في جميع المسابقات، بينما أحرز ليفربول لقب الدوري الإنجليزي الممتاز.
وحتى مع الأخذ في الاعتبار تراجع مستواه في الموسم الماضي، فإن قلة من اللاعبين الذين يصلون إلى تركيا يمتلكون سجلاً يقارب ما حققه صلاح.
ويُتوقع أن يبني طرابزون سبور هجومه حوله مباشرة.
ويعتمد فريق المدرب فاتح تيكي عادة على خطة 4-2-3-1، ومن المنتظر أن يشغل صلاح مركزه المعتاد على الجناح الأيمن، متوغلاً إلى الداخل على قدمه اليسرى الأقوى، في الدور الذي جعله أحد أكثر المهاجمين تسجيلاً للأهداف في أوروبا.
كما يستطيع تيكي التحول إلى خطة 4-3-3 دون تغيير كبير في مسؤوليات صلاح، ليبقى المصري محور التهديد الهجومي للفريق.
وقد يأتي ظهوره الرسمي الأول في 15 أغسطس/آب عندما يستهل طرابزون سبور مشواره في الدوري التركي خارج أرضه أمام قاسم باشا، قبل أن تتحول الأنظار سريعاً إلى مواجهة في الملحق المؤهل للدوري الأوروبي ضد فيرينتسفاروشي المجري أو غورنيك زابجه البولندي.
بالنسبة لطرابزون سبور، فإن الصفقة تتجاوز بكثير ما يمكن أن يقدمه صلاح داخل الملعب.
فقد أدى وصوله فوراً إلى رفع الحضور العالمي للنادي، وتعزيز الفرص التجارية، ومنح الفريق واحداً من أكثر لاعبي كرة القدم قابلية للتسويق في العصر الحديث.
ويعتقد جاك أيضاً أن وصول صلاح سيزيد الاهتمام الدولي بكرة القدم التركية.
وقال: "أعتقد أن جماهير ليفربول ومحبي مشاهدة صلاح سيلفتهم الأمر بالتأكيد وسيبدأون بمتابعة الدوري."
وأضاف: "عندما انتقلت إلى هناك، بدأ أفراد عائلتي وأصدقائي في مشاهدة المباريات لأنهم لم يكونوا يعرفون الكثير عن كرة القدم التركية من قبل. انتقال صلاح سيجعل الناس يلتفتون ويتابعون المزيد من مباريات الدوري."
وفي المقابل، يمنح الانتقال صلاح شيئاً ربما يكون أكثر قيمة من عقد مربح آخر.
فهو لا يزال في أوروبا، ولديه فرصة للمنافسة على الألقاب المحلية والمشاركات الأوروبية، كما يصبح القائد الرمزي بلا منازع لأحد أعرق الأندية التركية.
وربما لم تكن هذه الوجهة التي توقعها كثيرون، لكن بالنسبة للاعب والنادي معاً، يمثل طرابزون سبور فرصة لبدء فصل جديد طموح.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة