رغم أن حبوب الكينوا والشوفان والدخن باتت تحظى بشعبية واسعة من قبل المهتمين بالغذاء الصحي، فإن الفونيو ظل أحد أقدم الحبوب المزروعة في العالم بعيدا عن الأضواء خارج موطنه الأصلي.
لكن هذا الواقع بدأ يتغير مع تزايد الاهتمام العالمي بالمحاصيل التقليدية التي تجمع بين القيمة الغذائية والاستدامة، ليشق هذا المحصول الأفريقي أو ما يُعرف بـ"أرز الجوعى" طريقه إلى المطابخ العالمية باعتباره بديلا واعدا للحبوب الشائعة، وليتجاوز هذه التسمية السلبية.
الفونيو هو أحد أقدم الحبوب المزروعة في العالم، ويُعتقد أنه زُرع في غرب أفريقيا منذ أكثر من 5 آلاف عام، حيث شكل الغذاء الأساسي لسكان المنطقة، ولا يزال يزرع حتى اليوم في دول مثل السنغال ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتوغو وبنين، وتتميز حبوبه البيضاء الصغيرة التي تشبه حبات الرمل بنكهة جوزية خفيفة وملمس يجمع بين الكسكس والكينوا.
وينتمي الفونيو إلى الفصيلة النجيلية (Poaceae)، ويصنف ضمن الحبوب الكاملة، كما يعد من أكثر المحاصيل قدرة على التكيف مع الظروف البيئية القاسية، إذ ينمو في التربة الفقيرة ويتحمل الجفاف دون الحاجة إلى كميات من المياه أو الأسمدة، ويمكن حصاده بعد 6 إلى 8 أسابيع فقط من زراعته وتخزينه بأمان دون خطر الإصابة بالآفات، مما يجعله ركيزة أساسية لدعم الأمن الغذائي في مناطق تعاني الجفاف وشح الموارد، ومصدرا مهما لدخل صغار المزارعين، حتى إنه بات يسمى "حبوب الحياة".
تحضر حبوب الفونيو بطرق متنوعة، إذ يمكن تقديمها كحبوب إفطار أو بديل للأرز وتضاف إلى السلطات واليخنات أو تطحن لإنتاج الدقيق.
ويتميز الفونيو بأنه خالٍ من الغلوتين بشكل طبيعي وغني بالعناصر الغذائية لاحتوائه على حمضين أمينيين، السيستين والميثيونين، وهما من الأحماض الأمينية التي تفتقر إليها الكثير من الحبوب الأخرى.
ولا تقتصر أهمية الفونيو على قيمته الغذائية، بل يتمتع أيضا بمكانة ثقافية واجتماعية في عدد من بلدان قارة أفريقيا، إذ ارتبط منذ القدم بالمناسبات الدينية والاحتفالات، وكان مشروب الفونيو يُخصص تقليديا للزعماء والملوك في بعض المجتمعات، كما يحضر خلال شهر رمضان وحفلات الأعراس لإكرام الضيوف، واستُخدم في بعض المناطق ضمن مهر العروس. وفي توغو، يتوارث السكان استخدامه ضمن ممارسات شعبية لمساعدة النساء بعد الولادة وتحفيز إنتاج الحليب، وهي ممارسات تراثية لا تستند إلى أدلة علمية كافية.
يعد الفونيو إضافة مناسبة لمعظم الأنظمة الغذائية، إذ يتميز بتركيبته الغنية بالعناصر الغذائية مع انخفاض محتواه من الصوديوم والدهون.
ووفقا لجدول التركيب الغذائي في دولة مالي الذي تستند إليه منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، فإنه يحتوي على أعلى نسبة من الكالسيوم بين جميع الحبوب، مما يجعله خيارا مناسبا للأشخاص الذين لا يتناولون منتجات الألبان، كما قد يسهم في دعم صحة العظام ضمن نظام غذائي صحي.
وتوضح اختصاصية التغذية بيث ستارك لموقع "ذا هيلثي" (The Healthy) أن بذور الفونيو غنية بالألياف، كما تعد مصدرا جيدا لفيتامينات "بي" (B)، بما في ذلك الثيامين والريبوفلافين والنياسين، وهي فيتامينات ضرورية لنمو الخلايا وأداء وظائفها، فضلا عن دورها في إنتاج الطاقة.
وتضيف ستارك أن الفونيو يحتوي أيضا على معادن مهمة منها الحديد والنحاس والزنك والمغنيسيوم، حيث يساعد الحديد والنحاس في تكوين خلايا الدم الحمراء والأنسجة الضامة، بينما يدعم الزنك وظائف الجهاز المناعي وتخليق البروتين ونمو الخلايا وانقسامها، في حين يساعد المغنيسيوم في العديد من العمليات الحيوية داخل الجسم.
ووفق موقع "هيلث لاين" (Healthline)، فإن ربع كوب من الفونيو الجاف (45 غراما) يوفر نحو 170 سعرة حرارية و39 غراما من الكربوهيدرات المعقدة وغرامين من البروتين ونحو 0.5 غرام من الدهون، إضافة إلى كميات معتدلة من الحديد والألياف.
تشير دراسة حديثة نشرتها بوابة الأبحاث العلمية إلى أن الفونيو يتمتع بخصائص مضادة للأكسدة ويحتوي على نسب عالية من الأحماض الأمينية، وأشارت النتائج إلى دوره في تنظيم سكر الدم والمساعدة في التحكم في الوزن، ومن أبرز فوائده:
يتميز الفونيو عن معظم الحبوب باحتوائه على كميات جيدة من الحمضين الأمينيين السيستين والميثيونين، اللذين يساهمان في نمو الأنسجة وصحة الجلد والشعر والأظافر وإنتاج البروتين، مما يجعله خيارا مناسبا للنباتيين أو من يقلّ استهلاكهم للبروتينات الحيوانية.
يتمتع الفونيو بمؤشر غلايسيمي منخفض، مما يعني أنه يُهضم ببطء ولا يسبب ارتفاعا سريعا في مستويات السكر في الدم، كما يحتوي على النشا المقاوم الذي قد يساعد في تحسين حساسية الأنسولين.
يعد الفونيو من الحبوب الخالية من الغلوتين بشكل طبيعي، لذلك يناسب الأشخاص المصابين بحساسية الغلوتين أو مرض السيلياك وكذلك من يرغبون في تقليل استهلاك الغلوتين.
بفضل احتوائه على الألياف والبروتين، قد يعزز الفونيو الشعور بالشبع ويساعد في تقليل السعرات الحرارية المتناولة، كما ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف بتحسين صحة الجهاز الهضمي، وتشير دراسة نُشرت عام 2019 في مجلة التغذية، إلى أن زيادة تناول الألياف ارتبطت بفقدان الوزن لدى البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.
يقول أهل قبائل البامبارا في مالي: "الفونيو لا يحرج الطاهي أبدا"، في إشارة إلى تعدد استخداماته وسهولة طهيه حتى مع محدودية الخبرة في المطبخ، ويمكنك تحضيره بالطريقة نفسها التي يُطهى بها الكسكس أو العصيدة، أو إضافته إلى العصائر والمشروبات لتعزيزها بالألياف، ويمكن أيضا طهوه بالبخار أو سلقه مثل الأرز ليقدم كطبق جانبي مع الخضار أو البروتين المشوي أو يضاف إلى السلطات والحساء واليخنات.
ويمكنك استخدامه بديلا للأرز أو الكينوا في العديد من الوصفات، كما يطحن لإنتاج دقيق خالٍ من الغلوتين يدخل في تحضير الخبز والفطائر والبسكويت والكعك والمعجنات، كما يستخدم في تحضير وجبات الإفطار بإضافته إلى الحليب والعسل أو تحميصه مثل الفشار وتناوله كوجبة خفيفة، وعندما لا يتوفر الوقت لإعداد الطعام، يمكن تشويح البصل والفلفل والخضروات في مقلاة مع إضافة التوابل مثل الكاري أو الزعتر ثم إضافة الفونيو.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة