تجري الاستعدادات في العاصمة التركية أنقرة على قدم وساق. حيث تُجرى اللمسات الأخيرة في مجمع "آي يلدز" العسكري الضخم - الذي يُعرف باسم "بنتاغون تركيا" وقد تم إنجازه مؤخرًا. والإجراءات الأمنية رُفعت إلى أعلى مستوى: فقد تم منع حركة الشاحنات الثقيلة ومعدات البناء، ومُنعت المظاهرات والتجمعات.
وقد تم إخفاء كل شيء يعكّر منظر المدينة : حيث جُمعت الكلاب الضالة وطُرد المتسولون وأقيمت حواجز تمتد على طول مسارات رؤساء الدول والحكومات لحجب الرؤية عن الأحياء الفقيرة.
وتوجد أيضًا أخبار سيئة بالنسبة للأكاديميين والمحامين والسياسيين والناشطين البيئيين والمعلمين والمتقاعدين، الذين تم اعتقالهم بتهم إرهاب قبيل انعقاد القمة: يجب بقاء الكثيرين منهم رهن الاحتجاز حاليًا. وستُفرض على أنقرة حالة طوارئ فعلية حتى اختتام القمة في 10 تموز/يوليو.
أقيمت حواجز تمتد على طول مسارات رؤساء الدول والحكومات لحجب الرؤية عن الأحياء الفقيرة في العاصمةصورة من: Rasit Aydogan/Anadolu Agency/IMAGOوبالنسبة للحكومة التركية تحظى قمة الناتو ، التي تُعقد يومي 7 و8 تموز/يوليو، بأهمية كبيرة. لأنَّ أنقرة تريد استغلال هذه المنصة لتسليط الضوء على دورها الاستراتيجي داخل حلف الناتو. لم تعد تركيا تنظر إلى نفسها في عالم تزداد فيه الاضطرابات كمجرد حامية للجناح الجنوبي الشرقي لحلف الناتو، بل كدولة تسعى إلى المشاركة بشكل فعّال في صياغة قضايا السياسة الأمنية الرئيسية.
كما أنَّ قيادة الحلف تقيّم أهمية تركيا بأنَّها عالية للغاية. فقد أشاد الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته ، في حوار مع التلفزيون التركي الرسمي، بقوة الجيش التركي وتدريبه الجيد وكذلك بصناعة الدفاع التركية التي تنمو بسرعة.
تعتبر تركيا ركيزة أساسية في دفاع حلف الناتو منذ انضمامها إلى الحلف في عام 1952. وتحاول خلال الأعوام الأخيرة أيضًا أن تبرز كوسيط في الأزمات الدولية - مثلًا في حرب أوكرانيا وفي التوترات المحيطة بإيران . وتسعى أنقرة إلى تقديم نفسها كلاعب لا غنى عنه وتتجاوز أهميته موقعها الجغرافي.
شراكة استراتيجية: الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (على اليمين) والأمين العام لحلف الناتو مارك روتهصورة من: Mustafa Kamaci/PPO/Handout via REUTERS
وتتابع أنقرة باهتمام التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، بالإضافة إلى متابعتها النقاش حول مزيد من استقلال أوروبا الذاتي في مجال الدفاع. وإذا كان لا بد لأوروبا من تطوير هويتها الأمنية والدفاعية الخاصة، فيجب عليها ألا تنافس الحلف، بل أن تُكمّله.
وفي الوقت نفسه هناك تحذيرات من استبعاد حلفاء مهمين من خارج الاتحاد الأوروبي. ولكي يكون مثل هذا النموذج قابلًا للتطبيق يجب أن يشمل أيضًا حلفاء أوروبيين غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وهذا يعني بالتحديد كلًا من تركيا وبريطانيا و النرويج .
انضمت تركيا إلى حلف الناتو خلال الحرب الباردة . وهذه الشراكة كانت مفيدة استراتيجيًا للطرفين: فقد اكتسب الحلف حليفًا مهمًا على الجهة الجنوبية للاتحاد السوفيتي ، بينما حصلت أنقرة على ضمانات أمنية من حلف الناتو.
وتركيا لا تزال تحتل موقعًا جيوسياسيًا خاصًا حتى اليوم. فهي تقع عند مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا و الشرق الأوسط ، وتجاور العديد من مناطق الأزمات. ولذلك تحظى تركيا بأهمية بالغة بالنسبة لحلف الناتو، ليس على المستوى العسكري وحده، بل كذلك في مجالات الطاقة والاقتصاد والسياسة الأمنية، كما يقول نائب الأمين العام السابق لحلف الناتو، حسين ديريوز. ويضيف أنَّ أهميتها تبقى لهذا السبب بالذات قائمة من دون انقطاع.
تركيا تتمتع بالإضافة إلى ذلك بموقع استراتيجي مميز آخر: فكونها تطل على المضيقين بين بحر إيجة و البحر الأسود فهي تسيطر عليهما بموجب اتفاقية مونترو، ولديها بالتالي أداة مهمة للحفاظ على التوازن العسكري في المنطقة.
أكد أيضًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حضوره القمة في أنقرة، وشدد كثيرًا على علاقته الحسنة مع "صديقه" أردوغانصورة من: Yoan Valat/AFPمن المعروف أنَّ أنقرة تريد رفع نفقاتها الدفاعية إلى 5 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2030. وهي تمتلك بالفعل ثاني أكبر جيش في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) فقد ارتفعت النفقات العسكرية التركية مؤخرًا بنسبة 7.2 بالمائة بالمقارنة مع العام السابق، لتتجاوز أكثر من 30 مليار دولار أمريكي، وهذا يضع تركيا في المرتبة 18 عالميًا من حيث النفقات العسكرية.
ويتمثل أحد أهداف أنقرة الرئيسية في إبراز قدرات صناعاتها الدفاعية . ويرى المراقبون أنَّ حلف الناتو لن يعتمد في المستقبل على قوته العسكرية وحدها، بل كذلك على قدراته الإنتاجية والابتكارات التكنولوجية وسلاسل الإمداد الآمنة.
وبناءً على ذلك سيُعقد الآن منتدى الصناعات الدفاعية لأول مرة كجزء رسمي من برنامج قمة الناتو بعد أن كان يُنظّم في السابق كحدث جانبي. ومن المتوقع أن تعقد خلاله عدة اتفاقيات بين شركاء الحلف. وتؤكد ذلك قيادة الحلف أيضًا: فقد قال روته إنَّ تركيا دولة مهمة بفضل شركاتها الدفاعية البالغ عددها نحو ثلاثة آلاف شركة دفاعية.
وأنقرة تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع مفهوم حلف الناتو للأمن في هذه القمة. إذ تدعو الحكومة التركية إلى دمج التحديات في جنوب وشرق أوروبا وفي منطقة البحر الأسود وكذلك في الشرق الأوسط بشكل أكبر ضمن اعتبارات الحلف الاستراتيجية.
ولهذا السبب فإنَّ تركيا تدعو إلى إحياء مبادرة إسطنبول للتعاون (ICI) التي تأسست في عام 2004. ويهدف برنامج المبادرة إلى تعزيز التعاون في مجال السياسة الأمنية مع دول الشرق الأوسط. وتضم المبادرة في عضويتها كلًا من قطر و البحرين و الكويت و الإمارات العربية المتحدة . ومن جانبها تولي أنقرة أهمية كبيرة لهذه المبادرة وتدعو إلى تعاون وثيق بين حلف الناتو وجيرانه الجنوبيين.
وهذا يجعل قمة الناتو بالنسبة لأنقرة أكثر من مجرد حدث دبلوماسي كبير. فالقيادة التركية ترى فيها فرصة لتأكيد أهميتها الاستراتيجية - كقوة عسكرية ووسيط في الأزمات وشريك لا غنى عنه في أحد أكثر محاور حلف الناتو حساسية.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: يوسف بوفيجلين
المصدر:
DW