آخر الأخبار

هذه القوة النووية القادمة التي يجب أن يخشاها العالم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"لم يعد السؤال هل ستمتلك اليابان قدرات ردع نووي أم لا، بل متى سيحدث ذلك"

بواسطة الدبلوماسي السنغافوري بيلاهاري كاوسيكان

"اليابان بحاجة ماسة لأسلحة نووية حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها"، صرح بهذه الكلمات مسؤول ياباني رفيع المستوى في ديسمبر/كانون الأول الماضي (2025) لعدد من وسائل الإعلام اليابانية (التي لم تكشف عن هويته)، قائلا إن التوترات الجيوسياسية والأمنية المتصاعدة في منطقة شرق آسيا أصبحت تحتم على اليابان امتلاك سلاح نووي لردع المعتدين.

ورغم اعتراف المسؤول في التصريحات نفسها بأن هذا الأمر "صعب للغاية من الناحية الواقعية"، وأنه لا توجد أي نقاشات داخل الحكومة اليابانية حول هذا الخيار، ورغم نفي الناطق باسم الحكومة اليابانية وجود أي تغيير في السياسة النووية للبلاد، فإن هذه الكلمات التي صدرت عن مسؤول رفيع، كانت غير معتادة بكل المقاييس. بل إنها كانت حتى وقت قريب من المحظورات السياسية، وخطا أحمر يحرم تجاوزه أو الاقتراب منه بأي شكل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الرقم الذي حيّر العلماء أكثر من 100 عام
* list 2 of 2 "عقيدة الردع" الإيرانية.. لماذا هُزمت في دمشق وصمدت في طهران؟ end of list

الأخطر أن تلميحات قريبة، وإن كانت أقل جرأة، كانت قد صدرت عن رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي نفسها في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، حين أشارت إلى أن المبادئ النووية اليابانية الثلاثة هي مجرد "توجيهات سياسية لهذه المرحلة"، ما يفتح الباب للنظر فيها مستقبلا، بالأخص مبدأ عدم إدخال أسلحة نووية إلى البلاد، الذي يمهد تغييره لتوسيع المظلة النووية الأمريكية لتشمل طوكيو تحت قبتها.

وقد علق الدبلوماسي السنغافوري المخضرم بيلاهاري كاوسيكان على هذه الإفادات في مقال نشرته مجلة "فورين بوليسي" في وقت سابق بعنوان "المنطق الحتمي للسلاح النووي الياباني"، مجادلا بـ"حتمية الخيار النووي" بالنسبة إلى طوكيو، ومتوقعا أن التغيرات الإستراتيجية العالمية ستدفع كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية نحو طريق لا مفر منه، وهو امتلاك قدرات ردع نووي مستقلة تمكنهما من الدفاع عن نفسيهما والوقوف في وجه تهديدات كوريا الشمالية والصين، خاصة مع توسيع بكين لترسانتها النووية.

"انتقلت العقيدة الدفاعية اليابانية في السنوات الأخيرة من منطق الدفاع البحت إلى إدراج قدرات الهجوم المضاد"

ومع الشكوك التي تحيط بمدى موثوقية مظلة الحماية الأمريكية، لا سيَّما في عهد الرئيس دونالد ترمب، شهدت العقيدة الدفاعية اليابانية نقلة في السنوات الأخيرة، من منطق "الدفاع البحت" إلى إدراج قدرات "الهجوم المضاد"، ما أرسى قواعد جديدة لمفهوم الأمن القومي في اليابان، وأعاد تعريف ما تعده الدولة تهديدا وجوديا. دفعت كل هذه المعطيات المحللين العسكريين إلى التساؤل عما إذا كانت اليابان بصدد مراجعة مبادئها النووية الثلاثة، التي تنص على عدم حيازة (امتلاك) أو تصنيع (إنتاج) أسلحة نووية، وعدم السماح بإدخال الأسلحة النووية إلى الأراضي اليابانية، رغم تاريخها الطويل في جهود حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل.

مصدر الصورة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي (رويترز)

من القصف الذري إلى القنبلة النووية

تناولت العديد من الكتب والأفلام الوثائقية والدرامية القصف الذري الذي شنته الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين عام 1945، وكلها تقريبا تقدم القصف بوصفه الحدث الذي كتب نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن بعقد مقارنة بسيطة بين السرديتين الأمريكية واليابانية، نجد أنهما متناقضتان. فبينما رأت السردية الأمريكية القصف بعيون طاقم الطائرة "إينولا غاي"، كصورة باهتة من السماء لسحابة عش الغراب وهي تحصد مظاهر الحياة على الأرض، في لمحة عابرة سبقت قيام الطيار بمناورة الهروب والعودة إلى وطنه، رأت الرواية اليابانية أمرا مختلفا تماما.

إعلان

تسرد القصة اليابانية تفاصيل الوجه الآخر لهذه القوة التدميرية، التي وصفها مخترعها الفيزيائي الأمريكي روبرت أوبنهايمر باقتباس هندوسي شهير: "الآن أصبحت الموت، مدمر العوالم". يتحدث سكان هيروشيما في شهاداتهم عن يوم مشمس عادي، كانوا ذاهبين فيه إلى وظائفهم، والأطفال في طريقهم إلى المدارس، قبل أن يتحول اليوم في غمضة عين إلى أحد مشاهد أهوال يوم القيامة. فقد سمعوا ضجة الانفجار، ورأوا وميضا مهيبا لم يدركوا كنهه. كانوا يظنون أنه مجرد قصف عادي، قُتِل فيه من قُتِل، وانتهى الأمر، لكن لحظة التدمير لم تكن سوى البداية.

"عانى الشعب الياباني من حالة هلع وصدمة، أصبحت متجذرة في نفسية الأمة اليابانية، ولذا باتوا يمقتون كل ما له علاقة بأسلحة الدمار الشامل"

خلَّف القصف الذري تأثيرا بالغا في المجتمع الياباني، فعلى مدار أيام رأوا أشخاصا تتساقط عنهم جلودهم رغم أنهم لم يوجدوا قط في موقع الانفجار، إلا أنهم كانوا على مقربة منه، فماتوا في غضون أيام. كانت هذه أولى تجارب البشرية مع تأثيرات الإشعاع الذري المرعبة، ولم يكن العالم قد رأى شيئا مثلها من قبل.

كان سكان هيروشيما هم أول من عايشوا هذه التأثيرات على أرض الواقع، وفي الوقت الذي عاد فيه طاقم الطائرة الأمريكية إلى الديار، وعوملوا معاملة الأبطال، عانى الشعب الياباني من حالة هلع وصدمة، أصبحت متجذرة في نفسية الأمة اليابانية، ولذا باتوا يمقتون كل ما له علاقة بأسلحة الدمار الشامل. وفي موقع إسقاط القنبلة في هيروشيما بُني نصب تذكاري، كتبت عليه عبارة: "فلترقد كل الأرواح هنا في سلام، لأننا لن نكرر هذا الشر مرة أخرى".

مصدر الصورة يابانيون يحيون ذكرى قصف هيروشيما أمام النصب التذكاري لضحايا القنبلة الذرية (رويترز)

قاد الناجون من هيروشيما وناغازاكي، المعروفون باسم "الهيباكوشا"، جهود نزع أسلحة الدمار الشامل، داعين إلى عالم خال من السلاح النووي، وتحوَّلت اليابان من دولة عسكرية اشتهرت بعدوانيتها وميولها التوسعية في عهد الإمبراطورية، إلى "أمة سلام" قادت على مدار 60 عاما جهود نزع الأسلحة النووية. وقَّعت اليابان على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في فبراير/شباط 1970، كما التزمت بالمبادئ غير النووية الثلاثة التي صاغها رئيس وزراء اليابان "إيساكو ساتو" عام 1967، واعتمدها البرلمان بقرار رسمي عام 1971، وأصبحت منذ ذلك الحين ركيزة السياسة النووية اليابانية.

ونظرا لكونها الدولة الوحيدة في العالم التي تعرضت لقصف ذري، يكتسب الحوار حول التسلح النووي خصوصية بالغة في اليابان، وصفها جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي في خمسينيات القرن الماضي بمصطلح "الحساسية النووية"، التي تعني حالة النفور الشديد تجاه الأسلحة النووية أو استخدامها. وقد ازدادت هذه الحساسية بعد حادثة فوكوشيما عام 2011، حين تسبَّب وقوع زلزال يوم 11 مارس/آذار في موجات تسونامي انقطع على إثرها التيار الكهربائي في محطة فوكوشيما، ما أدى إلى انصهار قلوب عدة مفاعلات نووية وأسفر عن تسرُّب مواد إشعاعية وإجلاء عشرات الآلاف من السكان، وهي صدمة حديثة تضاف إلى صدمة القصف الذري التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الشعب الياباني.

"التزمت طوكيو خلال ماضيها القريب بالمبادئ غير النووية الثلاثة التي صيغت في عهد رئيس الوزراء إيساكو ساتو عام 1967، واعتمدها البرلمان عام 1971"

لطالما كانت هذه المعارضة الشعبية للتسلح النووي بمثابة حائط السد المنيع أمام أي طموحات نووية لدى أي فرد من النخبة السياسية اليابانية، ومثلت العقبة الرئيسية التي يتعين على طوكيو تخطيها أولا قبل إجراء أي تعديلات على عقيدتها النووية. وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة التي أجرتها صحيفة "أساهي شيمبون" (Asahi Shimbun)، إحدى الصحف اليابانية الشهيرة، العام الماضي أن 70% من المشاركين في الاستطلاع لا يزالون يفضلون الإبقاء على المبادئ الثلاثة غير النووية.

إعلان

أضف إلى ذلك العديد من العقبات القانونية، أبرزها المادة التاسعة من الدستور الياباني، التي تخلت اليابان بموجبها عن الحرب بوصفها حقا سياديا للأمة، إذ تحظر صراحة التهديد باستخدام القوة أو استخدام القوة العسكرية وسيلة لتسوية النزاعات الدولية. كما يحظر قانون الطاقة الذرية الياباني لعام 1955 أي استخدام عسكري للتكنولوجيا النووية. لهذه الأسباب مجتمعة، رأى المسؤولون اليابانيون في أكثر من حكومة أن أي مراجعة شاملة للمبادئ غير النووية الثلاثة ستكون أمرا بالغ الصعوبة.

مظلة غير مضمونة

"من الأفضل أن تمتلك اليابان وكوريا الجنوبية أسلحتهم النووية الخاصة، بدلا من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لحمايتهم"

بواسطة دونالد ترمب خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016

خلال حملته الانتخابية الأولى، وقبل أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة للمرة الأولى، صرح دونالد ترمب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2016 بأنه من الأفضل لدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية أن تمتلك أسلحتها النووية الخاصة، التي تُمكنها من الدفاع عن نفسها، بدلا من الاعتماد على أمريكا لحمايتها من تهديدات الصين وكوريا الشمالية. وقعت هذه الكلمات كصدمة على مسامع المسؤولين اليابانيين، الذين اعتقدوا لعقود أن مظلة الحماية الأمريكية "أمر مفروغ منه" وليسوا بحاجة للقلق بشأنه. كانت تلك هي المرة الأولى التي يتساءل فيها اليابانيون علنا عن مصير طوكيو في حال نشوب حرب، وعما إذا كانت الولايات المتحدة ستتحرك حينها لنجدتهم.

بحلول عام 2023، نشرت مجلة "ناشونال إنترست" تقريرا بعنوان "اليابان مقدر لها أن تمتلك أسلحة نووية"، أعده باري غوين، مشيرا إلى أن اليابان وصلت إلى مفترق طرق، وليس أمامها خيار بديل عن تطوير أسلحة نووية. ويرى غوين أن الظروف الجيوسياسية التي أحاطت باليابان في أعقاب هزيمة الحرب العالمية الثانية لم تعد قائمة، إذ مثَّلت حينذاك ركيزة أساسية للوجود الأمريكي في شرق آسيا، وركنا مهما لمحاربة انتشار الشيوعية السوفيتية في ذروة الحرب الباردة، كما ساهمت في احتواء الصعود الصيني بعد ذلك.

كان الشراكة الأمريكية اليابانية قوية إلى درجة أن رئيس الوزراء السابق ياسوهيرو ناكاسوني وصفها في ثمانينيات القرن الماضي، قائلا إن البلدين "يتشاركان قدرا مشتركا لا ينفك". وعلى إثر ذلك، احتلت اليابان المركز الأول على مستوى العالم من حيث حجم التواجد العسكري الأمريكي، حيث تضم 15 قاعدة أمريكية، تؤوي ما لا يقل عن 55 ألف جندي.

"في ظل تضاعف الترسانة النووية للصين، وتنامي حضور كوريا الشمالية النووي، تجد اليابان نفسها محاصرة من الخصوم"

أما الآن، وفي ظل تضاعف الترسانة النووية للصين، وتنامي حضور كوريا الشمالية النووي، تجد اليابان نفسها محاصرة من الخصوم، في وقت تراجعت فيه مظلة الحماية العسكرية الأمريكية وباتت غير مضمونة. دفع ذلك بعض المشرعين اليابانيين، وعلى رأسهم حزب سانسيتو المعارض (يمين شعبوي)، إلى المطالبة بوضع خطة بديلة لضمان أمن اليابان على المدى الطويل. وعن ذلك كتبت غابرييلا برنال محللة الشؤون الكورية تقول إن اليابان بدأت في إعادة النظر بجدية أكبر في خياراتها النووية، مشيرة إلى أن هذه الدعوات ازدادت حدة في أعقاب انتخاب ترمب رئيسا للولايات المتحدة مرة ثانية.

لكن الاعتماد الزائد على الحماية الأمريكية لعقود تسبَّب في ثغرة يراها اليابانيون اليوم نقطة ضعف بالغة؛ إذ ساهمت الإستراتيجية العسكرية المسالمة في جعل اليابان أمة سلمية بحق. فأغلب الشعب الياباني أصبح مؤمنا بأن النتيجة المأساوية للحرب العالمية الثانية، والقصف الذري، والمعاناة النفسية الشرسة من تبعات الإشعاع، كل ذلك جاء نتيجة حتمية للعدوانية اليابانية قبل الحرب، ما حوَّل اليابان إلى أمة تنبذ الحرب، وترفص مبدأ الردع بقوة السلاح، ناهيك بتطوير أسلحة نووية واستخدامها.

مصدر الصورة ترمب خلال لقائه في البيت الأبيض مع رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي (الفرنسية)

لكن التحالف الأمريكي الياباني تتكشف هشاشته يوما بعد يوم، ما ينذر بأن الشراكة التي استمرت لعقود قد تتبخر بين عشية وضحاها، ومن ثمَّ يُفرَض على اليابان واقع مغاير بحسب المحرر باري غوين، الذي يقول متسائلا: "إذا شنت الصين هجوما شاملا على اليابان، هل تغامر الولايات المتحدة بتدمير لوس أنجلوس لأجل حماية طوكيو؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه لتحديد أي مستقبل ينتظر اليابان".

إعلان

في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، شعرت طوكيو بقلق متفاقم دفعها لمراجعة عقيدتها الدفاعية والأمنية التي صاغتها بعد عام 1945. ويقول الدبلوماسي السنغافوري كاوسيكان إن اليابان تعلمت "درس أوكرانيا" جيدا، فقد تخلت كييف عن ترسانتها النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي، مقابل ورقة تعدها بالحماية إذا تعرضت أراضيها للهجوم. ورغم ذلك لم تحرك الولايات المتحدة ولا حلف الناتو ساكنا عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، واكتفوا بالدعم المادي والاستخباري بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. ونتيجة لذلك، اقترح رئيس وزراء اليابان آنذاك شينزو آبي، أن تنشر الولايات المتحدة أسلحة نووية تكتيكية على الأراضي اليابانية، كما تفعل في بعض دول الناتو.

"إذا شنت الصين هجوما شاملا على اليابان، هل تغامر الولايات المتحدة بتدمير لوس أنجلوس لأجل حماية طوكيو؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه لتحديد أي مستقبل ينتظر اليابان"

لا عجب إذن أن كان عام 2022 هو العام الذي أدرجت فيه اليابان قدرات الرد (الهجوم المضاد) في عقيدتها الدفاعية، بما يتيح لقواتها تنفيذ هجمات ضمن إطار دفاعي أوسع، مثل استهداف موانئ معادية تُستخدَم لدعم عمليات عسكرية ضد اليابان، وهي خطوة قد تفتح المجال مستقبلا لمناقشة الردع النووي كجزء من منظومة دفاعية أشمل.

لكن ماذا عن الرأي العام المعارض للعسكرة وللسلاح النووي في اليابان؟ يجادل باري غوين بأن ذلك التوجه ربما يتغير تدريجيا مع تآكل مظلة الحماية الأمريكية. والدليل على ذلك أن مناقشة التسلح النووي التي كانت في الماضي أشبه بالمحرمات، باتت اليوم تجرى علانية، وتتسرب إلى تصريحات المسؤولين.

ويشير أن الأجيال التي عاصرت القصف الذري قد مرت، ومن بقي منهم على قيد الحياة يتجاوز عمره التسعين عاما اليوم، أي أنهم باتوا ماضيا منسيا. أما الأجيال الجديدة التي نشأت في ظل الحماية الأمريكية، فقد تكون أكثر تقبلا لفكرة امتلاك اليابان أسلحة نووية. وقد أظهر استطلاع رأي نُشر عام 2025 أن ثلث المراهقين اليابانيين لا يمانعون تطوير سلاح نووي بهدف الردع.

مصدر الصورة سقف الإنفاق العسكري الياباني يرتفع باستمرار (الأناضول)

دولة "عتبة نووية"

"اليابان تمتلك القدرة التكنولوجية التي تمكنها من أن تصبح دولة نووية بين عشية وضحاها"

بواسطة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن

في عام 2016، وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة العامة (PBS)، صرح الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن بأن اليابان تمتلك القدرات اللازمة كي تصبح دولة نووية "بين عشية وضحاها". وتُعَد اليابان دولة عتبة نووية، إذ تعتبر الدولة الوحيدة غير النووية التي تمتلك تقنيات متقدمة لإعادة المعالجة، ودورة وقود نووي كاملة، كما أن لديها مخزونا هائلا من البلوتونيوم بالإمكان استخدامه في تصنيع أسلحة الدمار الشامل، وذلك بحسب تقرير صادر عن عدة هيئات بحثية في الصين بالتعاون مع الجمعية الصينية للحد من التسلح ونزع السلاح (CACDA). وقد حذر التقرير من طموحات طوكيو النووية، زاعما أن اليابان سعت سرا لتطوير تقنيات الأسلحة النووية منذ الحرب العالمية الثانية.

"لدى الصين إيمان عميق أن اليابان تمتلك قنبلة نووية جاهزة في القبو"

لدى الصين إيمان عميق أن اليابان تمتلك قنبلة نووية جاهزة "في القبو". وقد تناول تقرير نشرته "إن بي سي" نيوز عام 2014 فكرة التصور الصيني عن طوكيو بأنها لا تخشى من جيرانها في كوريا الشمالية والصين لأنها جزء من النادي النووي (عمليا). والمقصود بتعبير قنبلة في القبو أن اليابان تمتلك كل المواد والتكنولوجيا اللازمة لإنتاج سلاح نووي في غضون ستة أشهر بحسب التقديرات.

هذا الاعتقاد راسخ بشدة لدى بكين لدرجة أنه دفعها لمطالبة طوكيو بالتخلص من مخزونها الهائل من البلوتونيوم. والحقيقة أن هذه التصورات الصينية ليست واهية تماما، فقد صرح مسؤول حكومي ياباني سابقا أن طوكيو تمتلك القدرة على إنتاج أسلحة نووية منذ أكثر من 40 عاما، فور أن أطلقت مفاعلاتها لتوليد البلوتونيوم ومحطات تخصيب اليورانيوم في ثمانينيات القرن الماضي.

مصدر الصورة منشأة لتصريف المياه المشعة المعالجة إلى البحر في محطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية في اليابان (غيتي إيمدجز)

يحتاج تصنيع قنبلة نووية إلى كمية من البلوتونيوم تتراوح بين 10-15 كيلوغراما، في حين يبلغ مخزون اليابان أكثر من 47 طنا متريا، وفقا لتقديرات هيئة الطاقة الذرية اليابانية (JAEC) عام 2018، وهي كمية كافية لصنع 5000 قنبلة نووية. هذا بالإضافة إلى مخزونها من اليورانيوم المخصب، الذي يقدر بنحو 1.2 طن.

إعلان

كل هذا كان يعني أن اليابان ربما تجاوزت بالفعل العتبة النووية، وأصبح لديها رادع نووي حتى لو لم تستخدم هذه التقنيات لصنع قنبلة نووية. وتعمل إمكانية التصنيع في وقت قياسي بمثابة رادع كاف لإبقاء جيرانها في كوريا الشمالية والصين في حالة ترقُّب، ما يمنحها الحد الأدنى من الردع دون بناء قنبلة فعلية.

يرى كاوسيكان، أن اليابان طوال العقود الماضية، ورغم جهودها الظاهرة في مجال نزع الأسلحة النووية، كانت تسير بهدوء وبخطى ثابتة نحو امتلاك قدرة ردع نووي مستقل خاص بها، لا سيَّما مع تطور قدرات "الضربة الثانية" النووية لكل من كوريا الشمالية والصين، ما دفع طوكيو نحو "الخيار النووي الذي لا مفر منه"، لأن البديل يتمثل في تفكك نظام التحالفات الأمريكي والخضوع للصين.

لكن إذا لم تستطع اليابان تطوير سلاح ردع نووي مستقل في الوقت الراهن، فهي تأمل على أقل تقدير أن تتسع المظلة النووية الأمريكية لتشملها إلى جانب بعض دول الناتو، الأمر الذي من أجله وجهت رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي بمراجعة مبدأ عدم إدخال أسلحة نووية إلى الأراضي اليابانية (ضمن المبادئ غير النووية الثلاثة)، بهدف التمهيد لنشر صواريخ كروز نووية تحملها غواصات هجومية أمريكية ترسو في الموانئ اليابانية وتبحر في مياهها الإقليمية، بحسب ما ذكره تقرير مؤسسة كارنيغي في مارس/آذار 2026.

"طوكيو تعمل على تعزيز قدرات الإيصال عبر برنامج متطور للقدرات الصاروخية"

في الوقت ذاته، تشير التقارير العسكرية أن طوكيو تعمل على تعزيز "قدرات الإيصال" عبر تطوير منظومتها الصاروخية. فقد قامت بشراء 400 صاروخ من طراز "توماهوك"، وعملت على تطوير قدرات صواريخ كروز المحلية. وبدأت عام 2022 في تطوير صواريخ بعيدة المدى من طراز "تايب-12" المحسنة، التي يصل مداها التقريبي إلى نحو ألف كيلومتر، ما يجعلها قادرة على ضرب أهداف في كوريا الشمالية والصين.

وفي مارس/آذار 2025، نشرت مجلة "ذا سبكتاتور" البريطانية، أخبارا تشير إلى أن اليابان تعتزم نشر صواريخ بعيدة المدى من طراز "تايب-12" في جزيرة كيوشو الجنوبية، وهي ثالث أكبر جزر اليابان وأقربها إلى تايوان والصين وكوريا الشمالية. وبين عامي 2024-2025، أجرت اليابان تجارب إطلاق لقذائف انزلاقية فائقة السرعة (HVGP)، وهو نظام هجوم صاروخي تتجاوز سرعته خمسة أضعاف سرعة الصوت (ماخ 5)، ما يعني حضورا يابانيا في سباق التسلح الفرط صوتي، الذي يُعَد محوريا في أي صراع مستقبلي، نظرا لقدرة هذه الأنظمة الصاروخية على المناورة ومراوغة أنظمة الدفاع المتقدمة.

تطوير مثل هذه الصواريخ يعني أمرا واحدا: أن اليابان بدأت في تعزيز ترسانتها العسكرية لتصبح قادرة على تسديد ضربة مضادة، وهو تحول إستراتيجي نحو مزيد من الاستقلالية العسكرية يعكس الشكوك اليابانية في موثوقية الحماية الأمريكية. ويبدو أن اليابان قد تيقنت في نهاية المطاف من أن حماية أراضيها عبء يقع على عاتقها وحدها دون غيرها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا