آخر الأخبار

من دينغ شياو بينغ إلى ترمب.. قصة الصين والمعادن النادرة

شارك

“إذا كان الشرق الأوسط يمتلك النفط، فإن الصين تمتلك المعادن النادرة”.. جملة قالها الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ في مطلع عام 1992، وربما لم يلقِ العالم لها بالا في ذلك الوقت، لكن سرعان ما تغير الأمر.

الرجل نفسه هو الذي قال في عام 1978 إن الصين تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية التحديث والسيطرة السياسية والاقتصادية، وها هي الآن قبل عامين من اكتمال المدة تزاحم الولايات المتحدة على قطبية العالم التي انفردت بها الأخيرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بنهاية عام 1991.

ولذلك يبدو طبيعيا أن يتذكر الناس مقولته وهم يسمعون ليل نهار عن هذا المتغير الجديد، وأثره الكبير، وبالتالي دوره في معركة النفوذ بين عمالقة العالم.

مصدر الصورة الزعيم الصيني دينغ شياوبينغ ولد في 1904 وتوفي في 1997 (غيتي إيميجز)

فلنبدأ سريعا بالتعريف بالمعادن النادرة وأهميتها..


* هي مجموعة من 17 عنصرا كيميائيا لها دور محوري في تطور الصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة.
* تدخل في صناعات حيوية عديدة ما يجعلها موردا إستراتيجيا تسعى الدول إلى تأمينه والحفاظ على استدامة إمداداتها منه.
* من أبرز هذه الصناعات الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية والتقنيات الطبية.
* تستخدم أيضا على نطاق واسع في صناعات عسكرية حساسة منها صناعة محركات الطائرات المقاتلة وأنظمة الصواريخ
* تشكل أيضا أهمية حيوية لمستقبل الطاقة المتجددة على الأرض من حيث إنتاج توربينات الرياح الكهربائية، والمصابيح الموفرة للطاقة، والبطاريات القابلة لإعادة الشحن.
* تدخل هذه المعادن أيضا في صناعات متقدمة أخرى مثل تكنولوجيا الفضاء، والروبوتات، والرقائق الدقيقة المستخدمة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
* باختصار وصفها المعهد البريطاني للمسح الجيولوجي بأنها "مجموعة عناصر تستخدم في أكبر قدر من المنتجات الاستهلاكية في العالم"
إعلان

استدراك


* رغم اسمها، فإنها ليست في الحقيقة نادرة من حيث الكمية، لكنها تعد نادرة اقتصاديا وصناعيا بالنظر إلى وجودها مختلطة مع معادن أخرى بشكل يجعل استخراجها وفصلها عملية معقدة تتطلب تقنيات متقدمة.
* هذه التعقيدات تنعكس مباشرة على أسعارها وتجعلها مرتفعة، إلى جانب خصائصها الفريدة التي تمنحها قيمة إستراتيجية عالية.
* ينضاف إلى ذلك أن عملية استخراجها وتنقيتها ومعالجتها تتسم بارتفاع التكلفة والتلوث ما يجعل دولا كالاتحاد الأوروبي تحجم عن إنتاجها.
* تبقى الإشارة إلى أن المعادن النادرة نوعان: خفيفة وثقيلة والأخيرة أندر وجودا وأصعب من حيث المعالجة وبالتالي هي الأغلى ثمنا.

مصدر الصورة (الجزيرة)

ما موقع الصين في هذا المجال؟

تكاد الصين تحتكر استخراج المعادن الأرضية النادرة، وتنقيتها من الشوائب أو فصلها عن غيرها من المعادن.

وتستخرج الصين ما يتراوح بين 60 و65% من المعادن الأرضية النادرة عالميا، فيما تقوم بتكرير وتنقية نحو 90% منها، وفقا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة.

وفيما يخص التجارة العالمية، تتحكم الصين في أكثر من 90% منها، وهو ما يعني سيطرتها على سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن النادرة، وتحديد الشركات والدول التي يمكن تصديرها إليها وتلك التي يمكن حرمانها منها.

وفي الحقيقة، فإن هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة لم تترسخ في يوم وليلة، وإنما جاءت على مدى عقود من تعامل السلطات معها كقطاع إستراتيجي لا مجرد صناعة تعدين.

إستراتيجية السيطرة

فمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي، استشعرت الصين أهمية المعادن النادرة في الصناعات الحديثة والذكية، فاستثمرت في تطوير تكنولوجيا استخراجها وفصلها عن بقية المعادن وتكريرها، حتى هيمنت بنسبة 90% على الإنتاج العالمي مع مطلع القرن الحالي.

واستفادت الصين في ذلك من الاحتياطيات الكبيرة خصوصا في منجم بايان أوبو في منغوليا الداخلية، وكذلك انخفاض أجور اليد العاملة وعدم تشدد البلاد في شروط الحفاظ على البيئة والحماية من التلوث، مما أتاح تصدير الفائض من إنتاجها بأسعار تنافسية.

واتبعت الصين سياسة متكاملة تمثلت في دعم حكومي، ودمج للشركات، وجذب للصناعات الأجنبية المحتاجة لهذه المعادن، ثم نقل تدريجي للمعرفة والتكنولوجيا.

كما أنشأت الصين منظومة علمية متكاملة تضم عشرات الجامعات والمختبرات المتخصصة التي تقدم برامج دراسية متخصصة في المعادن النادرة.

المثير أن الصين مرشحة للاستمرار في تدعيم موقعها العالمي الرائد في هذا المجال، حيث قالت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست " إن الصين التي تعالج بالفعل نحو 90% من المعادن النادرة عالميا، شهدت مؤخرا اكتشافا جيولوجيا جديدا في شمال شرق البلاد قد يغير قواعد اللعبة خصوصا من حيث سهولة الاستخراج وانخفاض تكلفة الإنتاج.

الاكتشاف، من شأنه وفق باحثين، أن يعيد رسم خارطة التوزيع الجغرافي للمعادن النادرة في الصين، ويعزز من قدرتها على تأمين الإمدادات بكفاءة أعلى، وذلك بالنظر إلى تكون الرواسب من الرمال والحصى بدلاً من الطين الذي يتطلب معالجة كيميائية معقدة.

مصدر الصورة (الجزيرة)

ماذا عن الولايات المتحدة؟

بعد توضيح موقع الصين، سنلقي ضوءا إضافيا عن الحاجة للمعادن النادرة من جانب القطب العالمي الأكبر وهو الولايات المتحدة الذي تتربع على القمة سواء فيما يتعلق بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية أو النفوذ الدولي.

إعلان

ونبدأ مع حقيقة صادمة جاءت في تقرير جيولوجي أمريكي أوضح أن واشنطن اعتمدت خلال الفترة بين 2020 و2023 على المعادن النادرة المستوردة من الصين بنسبة 70%.

ويشير تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن تقنيات عسكرية أمريكية حساسة تعتمد على تلك المعادن النادرة، من بينها ما يدخل في تصنيع طائرات إف-35 الشبحية، وصواريخ توماهوك وطائرات هجومية بدون طيار.

وتدخل المعادن الأرضية النادرة أيضا في العديد من الصناعات العسكرية، كصناعة الصواريخ بشكل عام والرادارات، فضلاً عن المغانط الدائمة.

وحسب موقع بي بي سي، تمتلك الولايات المتحدة منجماً واحداً جاهزاً لإنتاج المعادن الأرضية النادرة، لكن هذا المنجم لا يملك المقدرة على معالجة المعادن النادرة الثقيلة، ومن ثمّ فهو يقوم بإرسالها في صورتها الخام إلى الصين من أجل معالجتها هناك.

وحتى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة أكبر منتِج للمعادن الأرضية النادرة في العالم، خصوصا بفضل منجم ماونتن باس بكاليفورنيا، لكن الشركات الأمريكية خرجت من السوق وتركته للهيمنة الصينية ذات التوسعات الأكبر نطاقاً والأقل تكلفة.

الآن بدأت واشنطن تدرك خطورة الأمر، حيث كثفت مساعيها عبر مسارين أحدهما محلي يتمثل في العمل على تنشيط عمليات الإنتاج والتكرير، والآخر يتمثل في السعي لتحالفات دولية تساعد على تنويع مصادر الإمداد.

وفي فبراير/شباط الماضي، استضافت واشنطن اجتماعا وزاريا دوليا موسعا ضم 55 دولة لمناقشة مستقبل سلاسل إمداد المعادن النادرة، في لحظة تعكس انتقال هذا الملف من كونه قضية صناعية تقنية إلى كونه عنصرا بنيويا في الاستقرار الاقتصادي العالمي.

وحسب وكالة رويترز، لم يقتصر النقاش على حجم الإنتاج أو تنويع مناجم المعادن النادرة فحسب، بل حول كيفية عمل السوق نفسها، وكيف تُدار المخاطر المرتبطة بتركّز القدرات الصناعية في حلقات محددة من سلسلة القيمة.

مصدر الصورة ترمب وعن يساره شي خلال لقائهما في كوريا الجنوبية نهاية أكتوبر 2025 (الفرنسية)

صدمة المعادن النادرة.. حرب أشعلها ترمب

في ذروة الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين في أبريل/نيسان من العام الماضي، أقدمت بكين على خطوة مثيرة تتعلق بالمعادن النادرة التي تعد من العناصر الضرورية لكثير من الصناعات الأمريكية خصوصا في المجال العسكري.

في الحقيقة كانت البداية في فبراير/شباط 2025 عندما نفذ ترمب وعده الانتخابي وفرض رسوما جمركية بلغت 20% على كافة البضائع الواردة من الصين، بل وهدد برفعها أضعافا لإجبار بكين على الرضوخ في ملفات بينها العجز التجاري.

لكن الصين ردت بحدة مستخدمة للمرة الأولى سلاح المعادن النادرة حيث فرضت قيودا على تصدير سبعة منها، وبات على كل الشركات أن تحصل على رُخصة خاصة للتصدير، قبل أن ترسل معادن ومغانط أرضية نادرة خارج الصين.

الأمر تسبب في إرباك كبير لدى الولايات المتحدة خصوصا، حيث تتحدث تقارير عن أن وارداتها من معدن الإيتريوم مثلا انخفضت خلال عدة أشهر من أكثر من 300 طن إلى أقل من 20 طنا.

ومع اقتراب نهاية المهلة الأمريكية لمضاعفة الجمارك رفعت الصين من حدة المواجهة، ما جعل واشنطن أمام خطر شلل يهدد صناعات إستراتيجية عديدة سواء في المجالات العسكرية أو صناعة السيارات الكهربائية.

هنا جاءت قمة ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بوسان بكوريا الجنوبية نهاية أكتوبر/تشرين الثاني لتسفر عن هدنة مؤقتة تضمنت تراجعا متبادلا حيث قررت واشنطن خفض التعريفات الجمركية بينما قررت بكين تعليق القيود المفروضة على تصدير المعادن النادرة لمدة عام.

هذه المعركة، كشفت بشكل كبير مدى الاعتماد الأمريكي على المعادن النادرة الصينية، لكن الأهم أنها صنعت ما يمكن تسميته بـ"صدمة المعادن النادرة"، فالشركات الأمريكية والأوروبية واليابانية باتت في أحسن الأحوال في حالة من عدم اليقين بشأن حصولها على احتياجاتها الضرورية من هذه المعادن.

سلاح فعال

السلاح الصيني الجديد لم يكتف بإرباك الاقتصاد، بل فتح بابا جديدا لتدعيم النفوذ الصيني، فالمعادن النادرة باتت عنصرا أساسيا في كل ضرورات الحياة ويكفي أن نشير هنا إلى أنها تتقاطع مع ثلاث ثورات: الثورة الرقمية والثورة العسكرية التكنولوجية وثورة الطاقة النظيفة.

إعلان

فالعالم يحتاج إلى المزيد من السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والروبوتات، والطائرات المسيّرة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وكلها تعتمد بدرجات مختلفة على مغناطيسات ومعادن متخصصة. وكلما زاد الاعتماد على هذه التقنيات، زادت قيمة الدولة التي تتحكم في مدخلاتها.

نعود لمقولة دينغ شياو بينغ الذي قارن المعادن النادرة بالنفط، والحقيقة أن الأخير يمكن الحصول عليه من مصادر عديدة كما يمكن نقله وتخزينه، أما الأولى فسوقها أصغر حجما لكنه أكثر حساسية، فكمية صغيرة منها قد تكون ضرورية لصناعة جهاز باهظ الثمن أو نظام عسكري معقد. لذلك فإن تعطيل بضعة آلاف من الأطنان قد يترك أثرا يتجاوز بكثير قيمة التجارة نفسها.

مصدر الصورة عامل يقود جرافة أثناء عمله في موقع للمعادن الأرضية النادرة في جيانغشي بالصين (رويترز)


عناصر النفوذ التي منحتها المعادن النادرة للصين يمكن إجمالها فيما يلي:


* نفوذ تفاوضي في مواجهة واشنطن، التي ما زالت متقدمة في مجالات مهمة مثل الرقائق المتقدمة، والبرمجيات، والتمويل، والتحالفات العسكرية، لكنها تواجه نقطة ضعف في المواد والمكونات الوسيطة.
* أداة ضغط دقيقة. فالصين لا تحتاج إلى قطع الإمدادات عن العالم كله. يكفي أن تشدد القيود على عناصر محددة، أو شركات معينة، أو منتجات ذات استخدام مزدوج، كي ترسل رسالة سياسية مؤثرة.
* هذه المرونة تجعل السلاح أكثر قابلية للاستخدام من الحظر الشامل، لأن الحظر الكامل قد يضر بالصين نفسها ويدفع العالم بسرعة أكبر إلى بناء بدائل.
* الضغط على أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، وهي اقتصادات صناعية تعتمد على الاستيراد وتعاني من محدودية الموارد المحلية.

في النهاية، نشير إلى أن المعادن النادرة فتحت سباقا عالميا جديدا على دول الجنوب الغنية بالموارد. ومن الواضح أن دولا مثل البرازيل وأستراليا وكندا وفيتنام وماليزيا إضافة إلى عدة دول أفريقية تتحول إلى ساحات تنافس بين الصين والغرب.

لكن الخبر السيئ للغرب، أن امتلاك الخام لا يكفي، فالدول التي تمتلك في باطن أرضها هذه الموارد، ستحتاج بعد فتح المناجم إلى بناء مصانع فصل وتكرير، وتأمين تمويل، وتجاوز اعتراضات بيئية، وتدريب عمالة متخصصة.

هذا يعني أنها ستحتاج وقتا يقدر بالسنوات، وإذا احتاجت مساعدة فالصين ستكون الأقدر على ذلك عبر الشراكة، كما أنها قد لا تتمكن من منافسة أسعار المنتج الصيني الذي رسخ وجوده في الأسواق.

التنين الصيني سيبقى متقدما في هذا المجال على الأقل لسنوات، والواقع أن المعادن النادرة لم تعد مجرد ملف صناعي، بل أصبحت جزءا من هندسة النظام العالمي. فمن يملك القدرة على التعدين والتكرير والتصنيع، سيملك قدرة على التأثير في قرارات الدول.

وإذا كان النفط قد صنع جغرافيا سياسية كاملة في القرن العشرين، فإن المعادن النادرة قد تكون إحدى خرائط القوة الأهم في القرن الحادي والعشرين.

هذا يعني أن عبارة دينغ شياو بينغ لم تكن مجرد توصيف اقتصادي وإنما أقرب إلى نبوءة سياسية توضح أن الصين فهمت مبكرا أن القوة في القرن الجديد لن تقوم فقط على امتلاك النفط أو الجيوش أو الأسواق، بل على التحكم في الحلقات الخفية التي يقوم عليها التصنيع الحديث.

ومن خلال المعادن النادرة، بنت بكين نموذجا جديدا للقوة: قوة لا تظهر في عناوين التجارة اليومية، لكنها تسكن داخل كل سيارة كهربائية، وكل توربين رياح، وكل هاتف ذكي، وكل رادار وطائرة مسيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا لبنان أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا