في مساء أثقلته أصوات القصف وغياب الأحبة، أضاءت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة مشهدا مختلفا، مشهدا يشبه الحياة وهي تنتصر على الموت، والأمل وهو يشق طريقه بين الركام. ففي ملعب العنان، اجتمع 100 عريس وعروس تحت شعار "أفراح تعانق السماء"، في عرس جماعي نظمته مؤسسة "غيث الخير" ليكون رسالة حب وصمود في وجه حرب لم تتوقف آثارها رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
لم يكن الحفل، الذي نقلت الجزيرة مباشر مقتطفات منه، مجرد مناسبة اجتماعية عابرة، بل كان إعلانا جماعيا بأن الفلسطيني، مهما اشتدت عليه المآسي، لا يتخلى عن حقه في الحياة. فبين أم ودعت شهيدا، وأب هُدم منزله، وشاب فقد مصدر رزقه، جاءت هذه المبادرة لتعيد شيئا من الفرح إلى القلوب المثقلة بالحزن، ولتؤكد أن غزة قادرة على أن تصنع الأمل حتى في أكثر اللحظات قسوة.
اصطف العرسان بملابسهم البسيطة وابتساماتهم الممزوجة بالدموع، فيما علت الزغاريد في المكان رغم الوجع الذي يحيط بالقطاع من كل جانب. كانت السماء التي اعتادت استقبال الدخان، تستمع هذه المرة إلى الأناشيد والدعوات الطيبة، وكأن غزة كلها تحاول أن تتنفس قليلا بعيدا عن مشاهد القتل الممنهج والاستهداف المستمر الذي يمارسه الاحتلال بحق المدنيين.
وجاء هذا المشروع النبيل انطلاقا من إيمان عميق بأهمية تيسير الزواج، والمحافظة على الأسرة الفلسطينية، وترسيخ مبادئ الحياة الأسرية في مجتمع يواجه تحديات غير مسبوقة. فمع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتدمير آلاف البيوت، أصبح الزواج حلما مؤجلا لكثير من الشباب، لتأتي هذه المبادرة وتفتح نافذة أمل أمام مئة شاب وشابة قرروا أن يبدأوا حياتهم رغم كل الظروف.
واستحضرت المؤسسة في هذه المناسبة قول الله تعالى: ﴿وأنكِحوا الْأيامىٰ مِنكمْ والصالِحِين مِنْ عِبادِكمْ وإِمائِكمْ ۚ ۚ إِن يكونوا فقراء يغْنِهِم الله مِن فضْلِهِ ۗ ۗ والله واسِع علِيم﴾، في مشهد جسد صدق الوعد الإلهي، حين اجتمعت الإرادة الإنسانية مع روح التكافل والتراحم.
وتضمن الحفل فقرات احتفالية متنوعة بحضور شخصيات اعتبارية ومجتمعية، إلى جانب مشاركة فرقة أفراح التي أحيت المناسبة ضمن أجواء تراعي التعاليم الإسلامية والقيم المجتمعية الأصيلة. كما جرى توثيق الحدث عبر التصوير الفوتوغرافي والفيديو، لتبقى هذه اللحظات شاهدة على قدرة الإنسان الفلسطيني على صناعة الفرح حتى تحت النار.
وتواصل مؤسسة "غيث الخير" دورها الإغاثي والتنموي في خدمة مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني، مع تركيز خاص على الفئات المهمشة والمستضعفة من خلال برامج الدعم الإنساني والصحي والنفسي والاجتماعي والتعليمي والثقافي، إيمانا منها بأن بناء الإنسان الفلسطيني وتمكينه هو الطريق نحو مجتمع أكثر قدرة على الصمود والاستمرار.
في غزة، لا يقاس الفرح بحجمه، بل بقدرته على النجاة. ولهذا لم يكن هذا العرس مجرد احتفال، بل كان رسالة حياة كتبها 100 عريس وعروس في وجه الموت، ورسالة شعب يؤمن أن الحب والأسرة والبقاء، كلها أشكال من المقاومة.
المصدر:
الجزيرة