منذ أكثر من 35 عاما، أعمل مستشارا سياسيا للحزب الديمقراطي في واشنطن العاصمة، خلال تلك الفترة خضت العديد من النقاشات حول الوضع الراهن لحزبنا وإلى أين يتجه.
لكنْ ثمة سؤال يتكرر طرحه بإلحاح الآن؛ سؤال لم يكن ليجرؤ أحد على إثارته قبل خمس سنوات فقط سوى فئة قليلة من الديمقراطيين أو المشتغلين بالسياسة، وهو: هل ينهي الحزب الديمقراطي عقودا من دعمه القوي لإسرائيل؟
في هذا الشهر، صوت 40 عضوا ديمقراطيا في مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح قرار يقضي بحظر مبيعات الأسلحة لإسرائيل.
ويعد هذا التصويت خروجا صريحا عن مواقف الحزب التقليدية التي طالما اتسمت بالدعم الأمريكي المطلق وغير المشروط لإسرائيل. ومن بين الأسلحة المشمولة في تلك الصفقة جرافات عسكرية يستخدمها الجيش الإسرائيلي في هدم منازل الفلسطينيين بالضفة الغربية.
ومن اللافت أن جل هؤلاء الأعضاء الأربعين أتبعوا تصويتهم بانتقادات علنية لحكومة نتنياهو لتبرير موقفهم، حيث انصبت انتقاداتهم على السياسة العسكرية الإسرائيلية، بدءا من الحرب في قطاع غزة.
ففي السابق، كان كثير من المسؤولين الديمقراطيين المنتخبين يترددون في التصريح بأن إسرائيل انتهكت القانون الدولي، أو تسببت في أزمة إنسانية في غزة، أو لم تعد تستحق الدعم العسكري الأمريكي.
ومما يجدر ذكره أيضا أن أعضاء مجلس الشيوخ الذين يطمحون إلى خوض سباق الترشح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي عام 2028 لم يصوت أي منهم ضد هذا الإجراء، إذ أدرك كل واحد منهم أن تصويته سيُفهم في هذا التوقيت على أنه معارضة لنتنياهو ولسياساته العسكرية.
كما تكشف استطلاعات الرأي العام الحديثة عن تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لحكومة نتنياهو. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث أن 27% فقط من الأمريكيين يثقون به حاليا.
وتنخفض هذه النسبة أكثر بين الديمقراطيين، إذ يقول 12% فقط منهم إن لديهم ثقة في قدرته على اتخاذ القرارات الصائبة فيما يتعلق بالشؤون الدولية.
كما أن 80% من الناخبين الديمقراطيين والمستقلين الذين يميلون إلى التصويت لصالح الديمقراطيين لديهم الآن نظرة سلبية تجاه إسرائيل.
أما الأسباب الكامنة وراء هذا التحول في مواقف الديمقراطيين، والعديد من الناخبين المستقلين، بل وحتى بعض الجمهوريين، فهي ليست عصية على الفهم.
فبعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بات قطاع عريض من الديمقراطيين يرى أن الرد العسكري الإسرائيلي في غزة تسبب في مستويات غير مقبولة من الضحايا المدنيين والمعاناة الإنسانية.
وكثيرون مثلي توقفوا مليا عند زيارة الرئيس بايدن لإسرائيل عقب تلك الهجمات بفترة وجيزة، فقد حذر نتنياهو، بل كاد أن يتوسل إليه علانية وبشكل مباشر، بألا يكرر الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في العراق، وبالتحديد عدم شن حملة عسكرية مطولة تودي بحياة المدنيين الأبرياء، وتزعزع استقرار المنطقة. ونحن نعلم الآن أن نتنياهو لم يأخذ بنصيحة بايدن.
وبدلا من ذلك، مضى نتنياهو في حملة عسكرية يراها كثير من المراقبين أنها كانت مدفوعة بالرغبة في الانتقام أكثر من كونها تهدف لتحقيق نصر عسكري محدد على حركة حماس.
وفي ذات الوقت، بلغت أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية مستويات قياسية وغير مقبولة. وقد وثقت هذه الانتهاكات كل من الأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش.
وقد تعاملت حكومة نتنياهو مع هذا العنف في الضفة الغربية على أنه قضية ثانوية في أحسن الأحوال، بينما ذهب أعضاء في الحزب الحاكم إلى حد تشجيعه في أسوأ الأحوال.
ومنذ عام 2023، ازداد الرفض الشعبي لسياسات نتنياهو بشكل ملحوظ في مختلف أنحاء الولايات المتحدة. وكان من أبرز تجليات هذا الرفض احتجاجات الشباب في الجامعات. فمن جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك إلى جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، بات واضحا أن شريحة واسعة من الأمريكيين الشباب ترفض السياسات الإسرائيلية تحت قيادة نتنياهو.
وقد كان للتكنولوجيا دور محوري في هذا التحول بطبيعة الحال، فقد أتاحت شبكة الإنترنت -بكل منصات التواصل الاجتماعي التي تحتويها- لمستخدميها من الشباب تبادل الآراء والمعلومات بشكل مباشر، دون المرور عبر فلاتر وسائل الإعلام التقليدية.
وبالنسبة لكثير من الشباب، فإن فهمهم للحرب في غزة وآراءهم بشأنها تشكَّلا عبر هواتفهم، على عن طريق نشرات شبكات التلفزة الإخبارية والصحف الأمريكية.
أما أنا فقد تأثرت رؤيتي الحالية تجاه إسرائيل بقيادة نتنياهو بعوامل أخرى، وخاصة بالأحداث السياسية، شأني في ذلك شأن الأمريكيين الأكبر سنا مثلي، ممن هم أقل ارتباطا بقنوات المعلومات الجديدة، وهي أمور لم أكن يوما أتوقع أن أشهدها.
وقد أكدت لي هذه الأحداث أن الفرضيات السياسية القديمة لم تعد صالحة اليوم. بل إن بعضا من أشد المؤيدين لإسرائيل والمناصرين لها منذ زمن طويل في الولايات المتحدة لم يعودوا على استعداد اليوم لتقديم دعم كامل لها في ظل قيادة نتنياهو.
وكانت اللحظة الفارقة بالنسبة لي في مارس/آذار 2024، حين ألقى السيناتور تشاك شومر، زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ آنذاك وأرفع مسؤول يهودي في تاريخ الحكومة الأمريكية، خطابا أمام المجلس.
فقد قال لزملائه وللبلاد قاطبة بشكل أساسي، إنه يرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمثل "عقبة أمام السلام". وأضاف أن نتنياهو "ضل طريقه"، محذرا من أن ائتلافه اليميني المتطرف قد يجعل إسرائيل "دولة منبوذة" في العالم.
ودعا شومر في ذلك الخطاب إلى إجراء انتخابات جديدة في إسرائيل، في إشارة صريحة إلى ضرورة إزاحة نتنياهو عن السلطة في أقرب وقت.
ومما أضفى على هذا الخطاب أهمية استثنائية هو شخصية من ألقاه؛ فشومر- الذي روى كيف كان كان يترقب أخبار إسرائيل عبر المذياع في مدرسته الثانوية خلال حرب 1967- ظل مرتبطا بإسرائيل طوال حياته، وكان هذا الارتباط ودعمه العلني القوي لها مفتاح نجاحه السياسي في مدينة وولاية تضم الملايين من الناخبين اليهود.
وبعد مشاهدة شومر وهو يلقي ذلك الخطاب، خلصتُ إلى أن نتنياهو أقدم على خطوات مدمرة سيكون من الصعب إصلاحها، حتى بين أشد مؤيدي إسرائيل. نحن نمر اليوم بمرحلة مختلفة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فهل خسرت إسرائيل دعم الحزب الديمقراطي؟ لقد نشأت على أمل تحقيق سلام حقيقي ودائم بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، سلام يتيح للطرفين العيش جنبا إلى جنب باستقلال وحرية وأمان.
وكان هذا الأمل يشاركني فيه الملايين من الأمريكيين ومعظم الديمقراطيين، ورغم إدراكنا المتزايد مدى صعوبة تحقيق ذلك بمرور السنين، إلا أن الأمل ظل قائما.
ولا يزال هذا الأمل يراودني كمواطن. أما بوصفي محترفا العمل السياسي، فإنني أرى بوضوح تام حجم الضرر الذي تسبب فيه نتنياهو.
فالأرقام تتحدث عن نفسها؛ حيث فقد المزيد من الناخبين -لا سيما الديمقراطيون منهم- ثقتهم في إسرائيل كدولة ترغب في العيش بسلام أو إنصاف الفلسطينيين.
وقد أصبح دعم نتنياهو ومن هم على شاكلته عبئا سياسيا على معظم أطياف الحزب الديمقراطي، وهذا الواقع السياسي لن يتغير في المستقبل المنظور، ما لم تقرر إسرائيل تعديل مسارها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة