آخر الأخبار

لماذا لم نفهم المنطقة؟ ولماذا نتعثر؟

شارك

تمثل حرب إيران وصراع الولايات المتحدة، وتوجه الأخيرة نحو تأمين أي مظهر من مظاهر النصر في ذلك الصراع، أحدث وأكثر الأمثلة حدة على سنوات من التوجيه الإستراتيجي الذي فشل في إعطاء الشرق الأوسط الأولوية الكافية.

وعلاوة على ذلك، تمخض ما يقرب من شهرين من الصراع عن حالة جمود إستراتيجي هش وألم اقتصادي، كشفت بوضوح عن نقاط ضعف في البنية الأمنية الإقليمية، والتي يجب في الوقت نفسه إعادة تزويدها وبنائها وتحديثها من أجل التعامل بشكل أفضل مع التهديدات الحالية والناشئة.

ويتطلب تحقيق ذلك إعادة تقييم شاملة للأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، على أن يكون ثمة توضيح دقيق لكيفية تحقيق تلك الأهداف، مع دمج أفضل لجميع أدوات نفوذها.

وقبل عقد من الزمن، ومع انتهاء الحرب في العراق وتوقف العمليات القتالية في أفغانستان، أدى فشل "حروب الاختيار" الأمريكية إلى تسهيل الدعوات بين صانعي السياسات في الولايات المتحدة، إلى فك الارتباط الإستراتيجي مع الشرق الأوسط لصالح العودة إلى منافسة الند شبه المتكافئ المتمثل في الصين، وروسيا.

وعلى الرغم من أن هذا المنظور قابل للدفاع عنه من حيث المبدأ، فإنه أخفق في مراعاة أهمية المصالح الأمريكية، وقابلية المنطقة للتأثر بأحداث كبيرة وغير متوقعة.

وقد تجلى ذلك بشكل أوضح في وثائق إستراتيجية الأمن القومي (NSS) الصادرة عن الإدارات الحكومية الثلاث الماضية.

وفي إستراتيجية الأمن القومي لعام 2017، وضعت إدارة ترمب الأولى الشرق الأوسط في المرتبة الثالثة من حيث الأولوية، معلنة أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يعد العقبة الرئيسية أمام السلام الإقليمي.

أما إستراتيجية عام 2022 لإدارة بايدن فقد خفضت المنطقة إلى المرتبة الرابعة وسعت إلى تجنب السياسات "المرتكزة على العمل العسكري" التي تم اتباعها في السنوات التي سبقت ذلك.

إعلان

وأخيرا، ففي نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي فقط، صنفت الإستراتيجية الحالية الشرق الأوسط رابعا بين خمس مناطق ذات أولوية، وأعلنت أن إيران أصبحت إلى حد كبير قوة مستنزفة بفضل ضربات أمريكية وإسرائيلية مشتركة "قصيرة وحادة وحاسمة" نُفذت في يونيو/حزيران 2025.

لقد تُرك تقليل الولايات المتحدة من الأولوية الإستراتيجية لهذه المنطقة -مرارا- في موقع ردات الفعل تجاه تداعيات إجراءات قامت بها، مثل الضربات التي استهدفت أبو بكر البغدادي وقاسم سليماني، وكذلك أحداث كبرى خارجة عن سيطرتها، لكنها غيرت المشهد الإقليمي، مثل انهيار نظام الأسد، وهجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والحرب اللاحقة في غزة.

وفي جميع هذه الحالات، واجهت واشنطن تحديات مرتبطة بمحدودية رؤيتها على الأرض وخياراتها الضئيلة في استخدام الأصول العسكرية المنتشرة في أجزاء أخرى من العالم.

وفي ظل إدارة ترمب الحالية، أصبح التباين بين التفضيلات المعلنة للولايات المتحدة والضرورات التشغيلية أكثر وضوحا، فقد صورت إستراتيجية الأمن القومي ما كانت الإدارة ترغب في رؤيته في الشرق الأوسط، وليس الواقع الذي تواجهه.

وتحت شعار "تحويل الأعباء وبناء السلام"، اعتبرت واشنطن المنطقة -وبشكل ليس خاطئا تماما- كمنطقة فرص اقتصادية، لكنها إما تجاهلت أو قللت من التقلبات والمخاطر الناجمة عن التوترات الكامنة والصراعات غير المحلولة.

كما ساوت بين "فعل المزيد" في مجال الدفاع وبين شراء الأنظمة الأمريكية، وأشادت بدول الخليج لالتزامها في هذا الصدد.

لكنها أولت اهتماما أقل بكثير للتهديدات المحتملة، بل أعلنت أن المنطقة "لم تعد ذلك العامل المزعج الدائم، ومصدر الكارثة الوشيكة، كما كانت في السابق".

وبناء على هذا التوجيه، وربما مدفوعة بنجاحات عسكرية سريعة في أماكن أخرى، بدأت إدارة ترمب حرب إيران استنادا إلى افتراضات إستراتيجية ضعيفة تجلت في المستوى العملياتي.

وقد أثبتت الاستثمارات الكبيرة التي قام بها الشركاء العرب في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي قيمتها بالفعل، ومع ذلك، فإن قدرة إيران على إلحاق أضرار فعالة بالقواعد الأمريكية والبنية التحتية الحيوية في جميع أنحاء المنطقة، وقدرتها على التغلب على ضعفها العسكري بوسائل غير متماثلة، وعلى الصمود أمام ضربات واسعة ومستمرة، وضعت واشنطن في موقف صعب مع خيارات سياسية محدودة وقليل منها الجيد.

وفي غياب تصعيد كبير، وما يترتب عنه من تكاليف باهظة وعدم وجود جدول زمني محدد، يتأكد أنه لن يكون هناك حل عسكري لحالة الجمود المستمرة، وفي ظل الظروف الحالية هناك احتمال كبير أن تخرج إيران من هذا الوضع في موقع أفضل مما كانت عليه عشية الحرب.

وعلى الرغم من أن الأمر قد لا يكون مريحا سياسيا، فإن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي لإنهاء الصراع في أقرب وقت ممكن سيتيح للولايات المتحدة البدء في عملية مدروسة لإصلاح إستراتيجيتها في الشرق الأوسط.

لكن، على خلاف السنوات الماضية، سيكون من الحكمة بالنسبة لواشنطن ألا تكرر خطأ الاعتقاد بأن مجرد الانسحاب من المنطقة سيعوض عن الأخطاء الإستراتيجية السابقة، إذ ستؤدي التداعيات المباشرة للحرب إلى ظهور مجموعة من الديناميكيات الجيوسياسية الجديدة والعوامل المحيطة التي سيتعين على واشنطن التعامل معها.

إعلان

لكن، قبل النظر إلى الخارج، يجب على واشنطن أولا ترتيب بيتها الداخلي وصياغة توجيه إستراتيجي شامل للشرق الأوسط يأخذ في الحسبان الدروس المهمة لحرب إيران ويُحسن استخدام الأصول العسكرية والدبلوماسية المتاحة لدى الولايات المتحدة، عندها فقط يمكنها الانخراط مع الحلفاء والشركاء الإقليميين في السعي نحو نظام إقليمي جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا