في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القاهرة- طرح السفير معتز أحمدين خليل، مندوب مصر السابق لدى الأمم المتحدة و مجلس الأمن، رؤية تتناول أخطر الملفات المطروحة، من فرضية أن إسقاط النظام الإيراني لا يزال هدفا قائما ومتفقا عليه بين الغرب والولايات المتحدة، مرورا بتأثير أوراق الضغط التي تمتلكها طهران وترقى إلى تأثير القنابل النووية، وصولا إلى دلالات الحشود الأمريكية التي توحي بأن استئناف الحرب قد يكون مسألة وقت.
وفي حوار مع الجزيرة نت، تناول الدبلوماسي المصري أدوار الأطراف الإقليمية والدولية، منها دول الخليج التي قال إنها قد تعيد ترتيب أولوياتها بعيدا عن الدور العربي التقليدي، في ظل نظام دولي يرى أنه تفكك بفعل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وبخصوص دور مصر، فأوضح أنها لا ترفض التحالفات لكنها تتعامل معها من منظور المصالح، وربط أزمة جامعة الدول العربية بغياب الإرادة السياسية.
وفيما يلي نص الحوار:
من الوارد جدا أن نكون أمام جولة جديدة، لكن ليس في القريب العاجل. والقريب العاجل المقصود به أن تلك الجولة لن تكون بعد أسبوع أو اثنين، وذلك لأن الولايات المتحدة اضطرت لوقف الحرب لأنها استنفدت الذخائر الدقيقة التي كانت بحوزة الجيش الأمريكي، وهذا ما أجبرها على وقفها.
وكان هذا واضحا في الأسبوع الأخير قبل التوصل للهدنة عندما كانت صواريخ إيران تصل لنقاط أعمق داخل إسرائيل. وهنا يجب الإشارة إلى أن مسألة استنفاد الصواريخ الأمريكية، توضح حجم القوة النيرانية والإجرام، لدرجة استنفاد مخزون ذخائر أقوى جيش في العالم في فترة أسبوعين أو ثلاثة فقط، وهو ما ظهر في مطلب وزارة الحرب الأمريكية بطلب ميزانية إضافية ضخمة.
كما أن الحشود الأمريكية المستمرة في المنطقة توحي بأن استئناف الحرب مسألة وقت. فالوضع الآن: لا حرب ولا سلم، لكن ربما يحاول البعض تحريك ترمب نحو الغزو البري، وهي الخطوة التي ربما يفكر فيها عندما تكتمل الشروط من حيث حشد القوات اللازمة وفتح الحدود اللازمة.
وهنا يلفت انتباهي وأتعجب من إصرار ترمب على الاتصال أكثر من مرة برئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، ولا أتفهم أو أقتنع أن الهدف هو توسيط رجل عسكري ربما تكون خبرته في المفاوضات محدودة، وما أظنه أنه ربما يتم تحضيره لعمل ما.
لعل ترمب يحلم بذلك، أو يظن أن التقرب من قائد الجيش الباكستاني أو تعظيم دوره قد يساهم في تحقيق هذه المهمة، وهذا لا يعني بالضرورة أن توافق إسلام آباد أو تقبل بذلك أو تشارك. هذا العمل ربما لا يكون المشاركة العسكرية الفعلية، بقدر ما يكون -على سبيل المثال- فتح الحدود الباكستانية أمام القوات أو تقديم دعم لوجستي.
فكرة تغيير النظام في إيران لا تزال قائمة وبشكل أكبر، خاصة أنها فكرة يجمع عليها مؤيدو ومعارضو الحرب داخل الولايات المتحدة وفي المعسكر الغربي في أوروبا، لأنه بدا لهم الآن أن طهران تستطيع إيلامهم واستخدام ورقة مضيق هرمز. ووجهة النظر هذه ربما تكون لدى بعض دول الخليج أيضا، كما تحدثت بعض التقارير.
كانت هناك تحركات سبقت الحرب الحالية بهدف تشكيل تحالفات في الإقليم، وهي تتم بشكل أساسي من أجل أهداف مرحلية لدول المنطقة، والمحور المصري السعودي التركي الباكستاني كان في مواجهة تجرؤ الإمارات على السعودية في اليمن، وتجرئها على السعودية ومصر في الصومال، والتنسيق مع إسرائيل بشأن أرض الصومال. لذلك من الممكن أن تحدث تحالفات جديدة أو تقوية التحالفات التي كانت سابقة على الحرب، مع التأكيد على أنها جميعا تحالفات مرحلية يمكن أن تتغير بتغير المصالح.
بالعكس، مصر تاريخيا لا ترفض التحالفات، هي فقط ترفض الأحلاف الدولية التي تؤثر على مصالحها، حيث كنا نرفض الدخول في أحلاف مع الدول الغربية في الخمسينيات وقت الحرب الباردة. فهي لا ترفض فكرة التحالفات، لكنها تتعامل معها من منظور المصالح.
فعلى سبيل المثال، مقولة "مسافة السكة" التي قالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عام 2014 بالنسبة لليمن، كانت في إطار تحالف، حتى لو كان ما جرى خوضه من مسافة في هذه السكة لم يكن بحجم ومستوى توقع وتقييم البعض، لكنه تم.
بالطبع، كان هناك تعاون استخباري، ودفعت مصر أيضا بقطع بحرية. صحيح أنه لم تتم المشاركة في قتال، لكن كان هناك دعم لوجستي.
رسميا، تقول مصر إنه لم يُطلب منها ذلك، لكنها مستعدة لتقديم ما تطلبه الدول الخليجية كاملا. لكن تقديري الشخصي أن دول الخليج تحتاج إلى خبرة تختلف عن خبرة مصر في مثل ما تتعرض له، والدليل على ذلك هو اللجوء إلى أوكرانيا، بحكم أن لديها خبرة طويلة ومجربة في مقاومة المقذوفات والمسيّرات والصواريخ الروسية عمليا.
وهذا الموضوع لا ينطبق على مصر. وكونها أكدت أكثر من مرة أنها على استعداد لتقديم ما يُطلب منها لا ينفي أن تكون قد قدمت بالفعل أو ستقدم في المستقبل.
كما أن لدى دول الخليج الولايات المتحدة، التي تملك إمكانيات حربية بالطبع أكبر من مصر بكثير. والسؤال هنا يجب أن يكون: هل بالفعل دول الخليج تحتاج إلى مصر، أم أن ما يُطرح هو مجرد مبررات من أجل تغذية الرأي العام الخليجي المتحفظ على الرأي العام المصري المتعاطف مع إيران، من باب اتهام القاهرة بما ليس فيها بأنها لم تقدم الدعم للخليج؟
هناك عدة أسباب؛ أولها أن بعض دول الخليج ترى أن على الدول الأخرى أن تتبنى نفس مواقفها وتحذو حذوها وتسير خلفها، وبالتالي لا تقبل حتى مطالبة مصر بوقف الحرب، وتريد أن يكون موقف القاهرة هو فقط إدانة طهران وعدم المطالبة بوقف الحرب.
السبب الآخر هو التعاطف الواسع من جانب المؤثرين المصريين تجاه إيران.
الحرب كانت بناءً على دفع وقرار من نتنياهو، قام من خلاله بتحريك الولايات المتحدة بشكل يجعل ترمب يعتقد أنه هو صاحب القرار، لكن في النهاية المصلحة كانت مشتركة، لأن إسقاط النظام في إيران هو مصلحة مشتركة للمجتمع الغربي كله.
وكون نتنياهو يخرج في مؤتمر صحفي ليقول إنه يتبع خطوات الرئيس الأمريكي ويمشي خلفه، أمر معروف في السياسة بأنه يؤكد العكس. فترمب يعتقد أنه هو من اتخذ القرار، لكن نتنياهو هو من يحركه، ربما من خلال تقديم معلومات غير دقيقة، وإبلاغه أن أمامه مهمة تاريخية لم يقدر عليها أحد من قبل، وهي إسقاط النظام الإيراني، وهو هدف موجود منذ نشأة الثورة الإسلامية.
ومع صمود طهران واستخدامها للقنبلة النووية الاقتصادية ممثلة في مضيق هرمز، ووجود القنبلة النووية الأخرى في الدرج، وهي مضيق باب المندب، يجعل إسقاط النظام الإيراني هدفا دائما ومستمرا.
في تقديري أن الوساطة ووقف الحرب لن ينجحا إلا بدخول دول مثل روسيا والصين، بإمكانهما الضغط على الولايات المتحدة وردعها إذا لزم الأمر، لأنه في النهاية باكستان تسير في فلك واشنطن. لذلك، أدوار الوساطة القائمة حاليا هي عبارة عن دعوة إيران لضبط النفس أكثر منها التأثير على سلوك الولايات المتحدة، بما في ذلك الوساطة المصرية أو التركية. وعلى طهران أن تحاول إدماج بكين وموسكو في الوساطة بشكل فاعل.
الأمر مستبعد تماما، لأن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تحتاجان السلاح النووي لضرب إيران في ظل ما تمتلكانه من أسلحة نوعية وذخائر، خاصة أن السلاح النووي هو سلاح ردع وليس للاستخدام، بغض النظر عما حدث في هيروشيما و ناغازاكي في السابق، لأن الاستخدام وقتها ربما جاء من باب التجربة لإثبات أن هذا سلاح حقيقي وليس وهميا.
وفي تقديري، وبشكل شبه يقيني، أنه إذا قرر ترمب استخدام السلاح النووي، فإن الجيش الأمريكي لن يستجيب له.
الدبلوماسية العربية ليست خارج المشهد؛ فمصر موجودة في الوساطة، وهناك اتصالات مصرية واسعة ومكثفة، ومن قبل نجحت القاهرة في وساطة بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران، وهو الاتفاق الذي أفشلته القوى الأوروبية بعد إعادة فرض العقوبات على طهران. كذلك هناك اتصالات لسلطنة عُمان والسعودية.
لكن على صعيد جامعة الدول العربية، أقصى ما تستطيع أن تصل إليه هو إدانة إيران واستهداف دول الخليج، ولا تستطيع أن تتجاوز هذا الدور.
الآليات موجودة، سواء في ميثاق الجامعة أو بنيتها المؤسسية، فالأمر ليس عيبا في هيكلها وآلياتها، ولكنه يتركز في غياب الإرادة السياسية للدول الأعضاء، وهو ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرار وتنفيذه. وهذه هي المشكلة الرئيسية، لأن المنظمات الدولية هي عبارة عن مجموع إرادات أعضائها، وإذا كانوا لا يجرؤون على اتخاذ قرار ما، فلا تُلام المنظمة في هذه الحالة.
لا، لأن عددا من دول الخليج في اللحظة الراهنة يقول إن الجامعة ليس لها لزوم، وبالتالي جزء مهم من أعضائها الذين يتحملون الجزء الأكبر من ميزانيتها لا يريدون لها أن تقوم بدور ما. حتى مجلس التعاون الخليجي نفسه يواجه عقبات نتيجة الانقسام بين دولتين رئيسيتين فيه.
هذه هي النية المعلنة من جانب بعض دول الخليج عبر مسؤولين كبار فيها.
القواعد الأمريكية تخدم مصالح مشتركة، منها مصالح الولايات المتحدة، لكنها تشارك في حماية دول الخليج. وصحيح أنها اجتذبت رد الفعل الإيراني، وأعتقد أن هناك نوعا من المبالغة في القول إن تلك القواعد لا تحمي دول الخليج، وإن دول الخليج هي التي تحمي القواعد، لأنه بالأساس تلك القواعد كانت موجودة ربما بسبب العداوة التاريخية بين طهران وهذه الدول.
النظام الدولي بصورته التي نعرفها تفكك نتيجة سياسات الإدارة الأمريكية؛ فترمب منذ البداية يعتبر أن هذا النظام يتربح من الولايات المتحدة ويعمل على حسابها وليس لحسابها، والعكس هو الصحيح. وجاء في ولايته الثانية لينتقم من النظام الدولي. فقبل الحرب على إيران، ما حدث من اختطاف رئيس دولة فنزويلا نيكولاس مادورو من غرفة نومه ومحاكمته في دولة أخرى، كل هذا قوّض النظام الدولي. فالنظام الدولي بصورته الحالية والمتعارف عليها انتهى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة