كشف تقرير تحليلي نشره منتدى الشرق الأوسط عن تحوّل في الاستراتيجية الإيرانية يقوم على توسيع النفوذ في إفريقيا وربطه بالصراع مع إسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن السودان يبرز كأحد أهم محاور هذا التحوّل، مستفيداً من موقعه على البحر الأحمر وظروفه الداخلية، ليصبح نقطة ارتكاز لنشاط عسكري ولوجستي متنامٍ تقوده طهران، يمتد من بورتسودان إلى عمق منطقة الساحل.
من السلاح إلى الشبكة
أوضح التقرير أنه لا يمكن فهم الحضور الإيراني في إفريقيا بمعزل عن الحرب الدائرة في السودان.
ولفت إلى أنه بعد عقود من التقارب المتقطع والقطيعة المتكررة، أعادت طهران والخرطوم علاقاتهما الدبلوماسية في أكتوبر 2023، في توقيت وُصف بأنه "ليس محض مصادفة".
وذكر أن القوات المسلحة السودانية كانت تتراجع أمام قوات الدعم السريع في حرب شوارع مدمّرة، فيما كانت طهران تبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر.
واعتبر أن ما نشأ بين البلدين لا يقتصر على صفقة أسلحة عابرة، بل تطوّر من شحنات متفرقة إلى شبكة لوجستية وعسكرية متكاملة، تُسلَّم من خلالها الطائرات المسيّرة إلى ساحات القتال الإفريقية، بالتوازي مع بناء خطوط إمداد بديلة تعمل خارج دائرة العقوبات الغربية، وترتكز على مبادلة الأسلحة بالذهب والمعادن.
وأشار التقرير إلى أن مقاطع فيديو ميدانية صدرت في أواخر مارس 2026 أظهرت تحليق طائرات إيرانية مسيّرة فوق سماء الخرطوم، إلى جانب مشاهد لمدرّبين عسكريين إيرانيين يلقّنون مجنّدين سودانيين أسس القتال الجوي اللاتماسي.
السودان محور التمدد
أشار التقرير إلى أن السودان يتصدر المشهد بوصفه المحور الرئيسي لعملية التمدد الإيراني، وذلك لأسباب جغرافية وعملياتية معاً.
ولفت إلى أن الساحل السوداني يمتد على البحر الأحمر لمسافة 530 ميلاً، مقابل السواحل السعودية وعلى مقربة من مضيق باب المندب.
وأضاف أن بورتسودان، مقر القيادة العليا للقوات المسلحة السودانية، تمثّل نقطة الوصول البحري والجوي التي يتدفق عبرها الدعم الإيراني، فيما تُعد قاعدة وادي سيدنا الجوية شمال الخرطوم نقطة الانطلاق البرية لمنظومة الطائرات المسيّرة الإيرانية في أفريقيا.
الجسر الجوي بين إيران والسودان
قال التقرير إن محللي الاستخبارات المفتوحة رصدوا ما وصفه بـ" الجسر الجوي الإيراني الإفريقي"، موضحاً أنه منذ أواخر عام 2023 تسير طائرات شحن إيرانية رحلات منتظمة بين بورتسودان ومدينة بندر عباس جنوب إيران.
وأضاف أن طائرة بوينغ 747 مرتبطة بشركة "قشم فارس إير" الإيرانية نفّذت ما لا يقل عن ست رحلات ذهاباً وإياباً بين ديسمبر 2023 ويناير 2024.
وأشار إلى أن صور أقمار اصطناعية صادرة عن شركة "بلانيت لابز" الأميركية في يناير 2024 أظهرت تمركز طائرات مسيّرة من طراز مهاجر 6 على مدرج قاعدة وادي سيدنا الجوية قرب الخرطوم، مصحوبة بعربات التحكم الأرضية.
وأوضح أن فحص حطام الطائرات في مواقع القتال أكد هذه الهوية، لافتاً إلى أن طول المنصة يبلغ 6.5 أمتار وقادرة على حمل ذخائر موجهة بدقة بمدى عملي يتجاوز 1200 ميلاً.
ورأى التقرير أن وصول هذه الطائرات مطلع عام 2024 ساهم في تغيير موازين القوى، إذ استعادت القوات المسلحة السودانية أحياء رئيسية في أم درمان وبحري، وأحكمت سيطرتها على أبراج التلفزيون الحكومي، وشنّت ضربات مركّزة على مواقع قوات الدعم السريع من دارفور إلى سنّار.
وأضاف أنه في مارس 2025 أعلنت القوات المسلحة استعادة الخرطوم.
السيطرة على الممرات
اعتبر التقرير أن الوجود الإيراني في السودان يُقرأ في سياق أوسع يتعلق بالسيطرة على ممرات الطاقة والتجارة الدولية، مضيفا أن تعزيز نفوذ طهران في الخرطوم يمنحها ميزتين استراتيجيتين.
وأوضح أن الأولى تتمثل في الوصول إلى البحر الأحمر عبر 530 ميلاً من الساحل السوداني، مقابل السواحل السعودية وعلى مقربة من مضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 12 بالمئة من التجارة العالمية.
وذكر أن الثانية تتمثل في تعزيز خط الإمداد الجنوبي للحوثيين، بما يختصر المسافة بين إيران واليمن ويدعم الضغط على الملاحة الدولية بالتوازي مع مضيق هرمز.
وأشار إلى أن هذا التمركز يخلق معادلة ضغط مزدوجة على الممرات البحرية، من الجنوب عبر باب المندب ومن الشمال عبر هرمز، لافتاً إلى أن تصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر أدى إلى تحويل مسارات الشحن البحري نحو طرق أطول حول إفريقيا، ما يضيف بين 10 و14 يوماً إلى زمن الرحلة.
البعد الأيديولوجي
أشار التقرير إلى أن الحضور الإيراني لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى بُعد أيديولوجي، يتمثل في سعي الحرس الثوري إلى ترسيخ ثقافة عسكرية متأثرة بالنموذج الإيراني داخل المؤسسة العسكرية السودانية، المرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية (الإخوان).
ورجّح أن يؤدي ذلك إلى نشوء قيادة عسكرية مستقبلية أكثر ارتباطاً بطهران، على غرار النموذج الحوثي الذي تشكّل في اليمن.
التوسع نحو الساحل
لفت التقرير إلى أن التمدد الإيراني لا يتوقف عند السودان. وقال إن وزير الدفاع الإيراني زار في فبراير 2026 بوركينا فاسو، عارضاً طائرات مسيّرة وتعاوناً دفاعياً مقابل امتيازات في الموارد الطبيعية، مع تحركات مماثلة تجاه مالي ودول الساحل.
وحذّر من سيناريو محتمل يتمثل في قدرة مصنع واحد للطائرات المسيّرة في الخرطوم على تزويد جماعات مسلحة في منطقة الساحل بحلول عام 2027.
كما أشار إلى تعدد المسارات اللوجستية، بما في ذلك موانئ إريتريا مثل عصب ومصوع.
الموقف الدولي
قال التقرير إن هناك فجوة بين حجم التمدد الإيراني والاستجابة الدولية، موضحاً أن القوى الغربية تركز على الجوانب الإنسانية وجهود التهدئة، بينما يتواصل النشاط الإيراني على الأرض.
ونقل عن دبلوماسي أميركي قوله: "جهات خارجية كإيران تصبّ الزيت على النار. هذه لم تعد حرباً أهلية سودانية، بل ساحة صراع بالوكالة".
وأضاف أن هناك تحركات إسرائيلية غير معلنة، من بينها إحباط مخططات استهداف سفارات في إفريقيا خلال عام 2025، بالتعاون مع شركاء إقليميين.
السودان وملامح التحول
خلص التقرير إلى أن السودان يمثل نموذجاً لتوسع مدروس في الاستراتيجية الإيرانية داخل إفريقيا، مستفيداً من بيئة سياسية وأمنية هشة يعززها وجود التيارات الإسلامية (الإخوان) على الأرض وفوضى الحرب.
ورأى أن ما يحدث يعكس نمطاً سبق أن تكرر في مناطق أخرى، يقوم على الدعم العسكري ثم الترسخ المؤسسي والأيديولوجي، وأوصى بضرورة قطع خط الإمداد قبل أن يتحول الجيش السوداني إلى امتداد استراتيجي لإيران في إفريقيا.
وطرح التقرير تساؤلات بشأن ما إذا كان المجتمع الدولي يدرك أبعاد هذا التحول، في وقت تتقاطع فيه الأزمات الإنسانية مع تحولات جيوسياسية أوسع في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
المصدر:
سكاي نيوز