لا تزال إيران تحكم قبضتها على مضيق هرمز باعتبار ذلك أحد أقوى أدواتها الإستراتيجية في مواجهتها مع أمريكا وإسرائيل، وفق موقع ذا هيل الأمريكي الذي يرى أن كسر تلك الهيمنة يبدو أصعب بكثير مما توقعت واشنطن.
واستقى الموقع آراء محللين قللوا من مفعول إستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي قرر الإبقاء على الحصار البحري على حركة الملاحة من الموانئ الإيرانية، ووفق أولئك المحللين فإن تلك الإستراتيجية قد تخدم إيران أكثر مما تضعفها.
ويقول عالم صالح، وهو محاضر في الدراسات الإيرانية بالجامعة الوطنية الأسترالية، إن الحصار الأمريكي ليس عمليا بالضرورة ولن يجبر إيران أبدا على التراجع أو الاستسلام.
ويوضح صالح في حديث مع ذا هيل أنه إذا منعت إيران نقل نفط الآخرين عبر مضيق هرمز، بينما تمنع الولايات المتحدة نفط إيران عبر البوابة ذاتها، فإن النتيجة ستكون أن "المضيق يُغلق بالكامل بفضل الولايات المتحدة وإيران معا".
وقد أغلقت إيران فعليا مضيق هرمز بعد وقت قصير من بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة قبل أكثر من 50 يوما. ورغم أن المناورات الحربية الأمريكية توقعت منذ سنوات هذا السيناريو، فإن سرعة التنفيذ الإيراني وفعاليته فاجأتا واشنطن.
ويقول جيم كرين، خبير الطاقة في معهد بيكر بجامعة رايس، إن إيران أثبتت الآن أنها قادرة على "احتجاز الاقتصاد العالمي رهينة" إذا تعرضت لهجوم، وهو ما يمنحها "قدرة ردع قوية جدا" ضد أي ضربات مستقبلية.
وقد ظهرت تداعيات هذا المأزق عالميا إذ تواجه أمريكا ارتفاعا في أسعار الوقود، بينما تعاني دول أخرى من أزمات أشد، إلى درجة أن بعضها أعلن حالة طوارئ وطنية، كما يواجه المزارعون حول العالم نقصا متزايدا في الأسمدة.
وفي الوقت نفسه، لم تتوقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل. ويشير صالح إلى أن وقف شحنات النفط المتجهة إلى الصين، التي تستورد نحو 90% من الخام الإيراني، مسألة أكثر تعقيدا بكثير.
ورغم الأضرار العسكرية الكبيرة التي لحقت بإيران نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، فإن الجغرافيا لا تزال تعمل لصالحها، وفق الموقع.
ويؤكد صالح أن أقوى جيش في العالم "لا يستطيع السيطرة على أكثر من 3000 كيلومتر من البحر"، ولا التحكم الكامل في خطوط الملاحة المعقدة وسواحل المضيق.
ومن جانبه، يؤكد الأستاذ السابق في الأكاديمية البحرية الأمريكية مارك نيفيت أن إيران ما دامت قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة من أي مكان داخل البلاد، فإنها ستظل قادرة على تهديد السفن وبالتالي السيطرة على المضيق.
وتتفق معه سحر رضوي، مديرة مركز الدراسات الإيرانية والشرق أوسطية بجامعة ساكرامنتو الأمريكية، مؤكدة أن "أمريكا لا تستطيع عمليا فعل أي شيء لإزالة النفوذ الإيراني بالكامل على المضيق ما دام النظام الإيراني قائما".
ومن مصادر القلق الكبرى أيضا الألغام البحرية الإيرانية؛ إذ نقل التقرير عن مسؤول دفاعي أمريكي أن إزالة الألغام الموجودة قد تستغرق 6 أشهر، ولا يمكن أن تبدأ أصلا قبل انتهاء العمليات العسكرية.
كما تستغل إيران الأزمة لإعادة تشكيل التحالفات الدولية؛ فقد طرحت فكرة فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق، وربما مطالبة بعض الدول بالدفع باليوان الصيني أو العملات الرقمية، ما يقلل الاعتماد على الدولار الأمريكي ويضعف فعالية العقوبات.
ويرى جون كالابريس، الباحث في معهد الشرق الأوسط، أن السماح لسفن الدول الصديقة بالمرور بسهولة مقابل تقييد الآخرين قد يؤدي تدريجيا إلى "تفكيك التحالف المناهض لإيران".
وذكر الموقع انزعاج عدة دول بينها بريطانيا وفرنسا من قرار ترمب شن الحرب دون تنسيق مسبق. وتقول رضوي إن إيران تحاول استغلال هذا الانقسام، خاصة أن الولايات المتحدة نفسها هي التي كانت السبب فيه.
ومع ذلك، يحذر المحللون من المبالغة في تقدير القوة الإيرانية؛ فبحسب كالابريس، لم تحقق إيران سيطرة دائمة أو مطلقة على مضيق هرمز، لكنها أثبتت قدرتها على تقييد الملاحة فيه، أي أنها كسبت "ورقة تفاوض قوية"، لكنها لم تصل بعد إلى القدرة على إعادة تشكيل النظام الإقليمي بمفردها.
وعلى المدى الطويل، يرى الخبراء أن الحل الحقيقي الوحيد هو بناء طرق تصدير بديلة، عبر خطوط أنابيب وسكك حديدية تتجاوز مضيق هرمز، لكن تنفيذ هذه المشاريع سيستغرق سنوات. وحتى ذلك الحين، سيظل المضيق السلاح الإستراتيجي الأكثر فعالية بيد إيران.
ويختتم عالم صالح بالقول إن التصعيد العسكري وحده لن يحل الأزمة، وإن السبيل الوحيد لحل هذه المشكلة هو التوصل إلى تسوية، داعيا الجانبين لأخذ ذلك بجدية.
المصدر:
الجزيرة