تشكّل جزيرة تايوان منذ عقود، واحدة من ملفات التوتر المعقدة بين الصين والولايات المتحدة، لكن الصراع حولها اليوم لم يعد محصورا في سؤال "من يمثل الصين؟"، إذ تتجه الأنظار أكثر فأكثر إلى الممرات البحرية التي تطوّق الجزيرة وتربط شرق آسيا بالعالم.
وبينما تحاول بكين بناء جدار قانوني ودبلوماسي حول تايوان، تدفع واشنطن بزوارقها وقطعها البحرية إلى خطوط التماس، لتنقل بذلك معركة الجزيرة من القاعات الدبلوماسية إلى البحار.
تتبنى بكين خطابا ثابتا يقوم على مبدأ "الصين الواحدة"، وترى أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها وأنها لا تملك الحق في الحصول على تمثيل دولي مستقل.
وتناولت الصحيفة القريبة من السلطة "غلوبال تايمز" الصينية الناطقة بالإنجليزية، في افتتاحيتها واقعة منع طائرة زعيم تايوان لاي تشينغ‑تي من عبور أجواء سيشل وموريشيوس ومدغشقر باعتبارها نموذجا لهذا التوجه.
وترى الصحيفة أن هذه الحادثة ليست منفردة، ولكنها "أحدث مثال على تزايد عزلة قوى استقلال تايوان الانفصالية على الصعيد الدولي، وعجزها المتزايد عن التقدم"، مشيرة إلى سلسلة خطوات من بينها نقل حكومة جنوب إفريقيا مكتب تايوان التمثيلي وإعادة تسميته "المكتب التجاري لتايبيه"، وتصحيح ليتوانيا قرارها بشأن المكتب التمثيلي لتايوان، وإعادة تأكيد ممثل البرازيل أن "تايوان جزء من الصين".
أما بكين فترى تصوير ممارسة الدول الإفريقية لحقوقها السيادية في إدارة مجالها الجوي والدفاع عن مبادئها الدبلوماسية على أنه إكراه صيني، "تشويها للحقائق وانتقاصا من سيادة تلك الدول وازدراء لقواعد القانون الدولي"، حسب الصحيفة.
وفي السياق نفسه تستند الصين إلى قاعدة أوسع، إذ تشير الافتتاحية إلى أن جميع الدول الإفريقية الـ53 باستثناء إسواتيني، تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، وأن نسبة 53 إلى 1 تتحدث عن نفسها فيما يتعلق بموقف إفريقيا من قضية تايوان.
وبعد فشل خطة زيارة لاي لإسواتيني، لجأت سلطات الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان وداعموها الخارجيون إلى تكتيكهم المعتاد في إلقاء اللوم على الآخرين، متهمين الصين بـ"الإكراه الاقتصادي"، في حين وصفت الصحيفة تعليقات الخارجية الأمريكية بأنها محاولة "لتشويه الحقائق وتزييف الواقع".
ونقل المقال عن الأكاديمي وانغ يي وي في مقابلة مع الصحيفة أنه "من منظور القانون الدولي والمعايير الأساسية للعلاقات الدولية، فإن للدول ذات السيادة الحق في اتخاذ قرار مستقل بشأن كيفية إدارة أراضيها ومجالها الجوي".
وأضاف الأكاديمي أن "تصريحات الولايات المتحدة حول هذا الشأن تضمنت بوضوح التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية الثلاث، وعدم احترام لسيادتها، كما عكست الممارسة الأمريكية المعتادة في توجيه أصابع الاتهام إلى شؤون بعض الدول في إطار مسائل ذات صبغة دولية".
تركيز الولايات المتحدة على المضائق البحرية العالمية، من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا، إستراتيجية بحرية تهدف إلى احتواء الصين عبر الضغط على شرايين تجارتها
ولا ينفصل التحرك الأمريكي في تايوان عن رؤية أشمل للممرات البحرية العالمية، وقد تناول مقال في صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" ما يسميه أحد الباحثين الصينيين "واقعا لا يمكن إنكاره"، واصفا تركيز الولايات المتحدة على "المضائق البحرية العالمية"، من مضيق هرمز إلى مضيق ملقا، بأنه إستراتيجية بحرية تهدف إلى احتواء الصين عبر الضغط على شرايين تجارتها.
وفي توصية سياسية لبكين، حذر الباحث غو دينغ قوه من أن المواجهات الأمريكية مع إيران في مضيق هرمز تعكس توجها أمريكيا بـ"التركيز على المضائق البحرية العالمية، واستهداف ممرات الشحن في محاولة كبح جماح النمو الصيني"، معتبرا أن "الرغبة الأمريكية في الخروج من الشرق الأوسط تعود إلى تركيزها على احتواء الصين وروسيا".
وسط هذه الإستراتيجيات المتقابلة تجد تايوان نفسها على مفترق بري بحري، فعلى المستوى السياسي والقانوني تواصل الصين ما تصفه صحيفة غلوبال تايمز بأنه إضافة لبنة صلبة إلى الجدار الدولي ضد "استقلال تايوان"، معتبرة أن كل انتكاسة تواجهها قوى الاستقلال هي "درس يقدمه المجتمع الدولي"، وأن "كل خطوة متهورة من هذه القوى لن تجلب إلا مزيدا من المقاومة والعزلة".
على الناحية الأخرى، تتحول الممرات البحرية حول تايوان إلى ساحة متقدمة للاحتكاك بين الأسطولين الصيني والأمريكي، وحسب التحليل المنشور في ساوث تشاينا مورنينغ بوست، انتقل التركيز البحري الأمريكي تدريجيا نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث أعادت واشنطن تموضع قواتها، ونشرت نحو 60% من قواتها البحرية، وأكثر من نصف قواتها البرية، وثلثي قوات مشاة البحرية في المنطقة، في إطار "إستراتيجية واضحة لتطويق واحتواء الصين".
ويذكر الباحث غو دينغ قوه أن الولايات المتحدة تتحرك خارج نطاق الاحتواء القريب من الشواطئ، نحو تطبيق إستراتيجية حصار بحري عالمية، تستهدف الموانئ الإستراتيجية وخطوط الشحن الأساسية حول العالم، محذرا من أن مضيق ملقا يأتي تاليا في قائمة التركيز الأمريكي، وهو الممر الذي يمر عبره حوالي 80% من واردات الصين من النفط الخام، فيما تتحرك 90% من تجارة الصين عبر البحر.
في هذا السياق تصبح تايوان نقطة ارتكاز حساسة في شبكة أوسع من المضائق والممرات، لا سيّما أنها جزيرة تقع على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وتنتج في الوقت نفسه جزءا حيويا من أشباه الموصلات التي تقوم عليها الصناعات الحديثة.
معركة تايوان لم تعد تدور حول انتماء هذه الجزيرة فقط، وإنما حول من يسيطر على البحار التي تحيط بها؟
ما تكشفه صحيفة غلوبال تايمز، وما يحذر منه الخبراء في صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست هو أن معركة تايوان لم تعد تدور حول "انتماء هذه الجزيرة فقط"، وإنما حول "من يسيطر على البحار التي تحيط بها؟"
فبينما تراهن بكين على أن "مبدأ الصين الواحدة" أصبح إجماعا عالميا وأن الاتجاه التاريخي نحو إعادة التوحيد لا يمكن إيقافه، تحاول واشنطن أن تمنع هذا الإجماع من التمدد إلى المحيط المفتوح، عبر إستراتيجية بحرية تركّز على المضائق البحرية وعلى حرية الملاحة.
وهكذا تبقى تايوان عالقة بين ضغوط بكين وزوارق واشنطن، تدفع ثمن موقعها الجغرافي والاقتصادي الفريد، فيما يتجه صراع الجزيرة أكثر فأكثر إلى البحر، حيث تُرسم الحدود بنفوذ خطوط الملاحة ومسارات الأساطيل البحرية دون مراجعة للخرائط والاتفاقيات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة