آخر الأخبار

اتركوا حلف الناتو يرقد بسلام

شارك

ليس من الدقة في شيء إرجاع الأزمات الراهنة التي يواجهها حلف شمال الأطلسي إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وحده؛ فهذه التحديات ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تراكمات ممتدة عبر سنوات طويلة، بل عقود من التعقيد داخل بنية الحلف.

وفي مفارقة لافتة، يمكن القول إن الحلف بات، إلى حد ما، ضحية نجاحه. إذ شهدت مسيرته التي قاربت ثمانية عقود توسعا غير مسبوق، حولته إلى أكبر تكتل عسكري-سياسي في تاريخ البشرية، وهو ما جعل إدارته أكثر تشابكا وتعقيدا مع مرور الوقت.

منذ تأسيسه عام 1949، شهد الحلف عشر موجات متتالية من التوسع، انضمت خلالها عشرون دولة جديدة إلى الأعضاء الاثني عشر المؤسسين.

واليوم، تمتد البنية التحتية العسكرية للحلف عبر ثلاث قارات، فيما ينفق أعضاؤه أكثر من تريليون ونصف التريليون دولار سنويا على الدفاع، ويستقطبون ما يقارب 3.5 ملايين جندي للخدمة العسكرية والمدنية.

كما يمتلك الحلف قوة عسكرية هائلة تتجسد في عشرات الآلاف من الدبابات والطائرات المقاتلة، وآلاف وحدات المدفعية والسفن الحربية، إلى جانب مئات الغواصات، وغيرها من منظومات التسليح المتطورة.

من الطبيعي أن يغدو التوصل إلى توافق داخل هذا التحالف الواسع ومتعدد المشارب، مهمة بالغة التعقيد، حتى في القضايا المصيرية؛ إذ تتباين، وبشكل لافت، تصورات الدول الأعضاء إزاء طبيعة التهديدات وترتيب الأولويات.

فعلى امتداد الجناح الشرقي للحلف، تظل روسيا في صدارة التهديدات التقليدية، في حين ينصرف تركيز الجناح الجنوبي إلى تداعيات عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وبين هذا وذاك، تتباين الرؤى الإستراتيجية؛ فبينما تدفع لندن بقوة نحو تبني مفهوم "ناتو عالمي" يوسع من حضور الحلف في المحيطين الهندي والهادئ، لا تحظى هذه المقاربة بالحماسة ذاتها في باريس.

وفي السياق ذاته، تنقسم المواقف الأوروبية إزاء التوتر المتصاعد بين واشنطن وبكين؛ إذ تبدي بعض القوى استعدادا للانخراط الكامل في هذه المواجهة، بينما تميل قوى أخرى إلى النأي بنفسها عنها.

إعلان

يتسم مسار اتخاذ القرار داخل حلف شمال الأطلسي بتزايد ملحوظ في التعقيد والتشعب، إذ يغدو أكثر بيروقراطية وبطئا مع مرور الوقت. وفي المقابل، تتصاعد كلفة الجهاز البيروقراطي في بروكسل على الدول الأعضاء، بينما تصطدم أي محاولات – وإن كانت حذرة – لإصلاح بنية الحلف بمقاومة داخلية متنامية.

ليس من قبيل الصدفة أن التساؤلات حول فاعلية هذه المنظومة بدأت بالظهور قبل وقت طويل من صعود دونالد ترمب إلى المشهد السياسي. فحصيلة التدخلات العسكرية التي قادها الحلف في يوغسلافيا السابقة، والصومال، وليبيا، وغيرها من مناطق النزاع، جاءت في كثير من الأحيان دون مستوى التطلعات التي رافقت إطلاقها.

أما المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، التي تعد حجر الأساس في مفهوم الدفاع الجماعي، فلم تفعّل إلا مرة واحدة طوال تاريخ الحلف، وذلك عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 التي استهدفت الولايات المتحدة.

بيد أن العملية العسكرية التي أعقبت ذلك في أفغانستان امتدت لعشرين عاما كاملة، لتنتهي في الأخير إلى نتيجة وصفت بالإخفاق الواضح في تحقيق الأهداف المعلنة.

ولا يبدو المشهد أكثر إشراقا عندما يتعلق الأمر بقدرة الحلف على مواكبة التهديدات المستجدة، مثل الإرهاب الدولي، والهجرة غير النظامية عبر الحدود، أو حتى التغير المناخي.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من دور الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة دونالد ترمب بوصفه عاملا مسرِعا للأزمة الراهنة داخل الناتو. فحلف شمال الأطلسي يقوم في جوهره على معادلة غير متكافئة، حيث كانت التعددية الشكلية تخفي دائما هيمنة سياسية وعسكرية واضحة للولايات المتحدة.

وإذا كانت واشنطن قد دأبت في مراحل سابقة على إدارة هذه الهيمنة بما يضمن احتواء الخلافات وتخفيف حدتها داخل الحلف، فإن ترمب اتخذ مسارا مختلفا تماما.

أسهم الرئيس الأمريكي في كشف تلك التناقضات وإخراجها إلى السطح، بل وصياغتها في إطار أكثر حدة ووضوحا، ما جعل التوترات الكامنة داخل حلف شمال الأطلسي أكثر حضورا وعلنية من أي وقت مضى.

والأهم من ذلك أنه قدم تصورا جديدا وغير تقليدي لطبيعة الدور الذي ينبغي أن يلعبه حلف شمال الأطلسي بالنسبة للولايات المتحدة. فمنذ نشأته، اعتبر الحلف واحدا من أبرز أدوات ترسيخ قيادة واشنطن للعالم.

ورغم ما يعتريه من ثقل مؤسسي وبطء في الحركة وتفاوت في الفاعلية، فإنه ظل ينظر إليه كركيزة لا غنى عنها في منظومة النفوذ الأمريكي.

ولذلك، كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مستعدة لتحمل كلفته بسخاء، باعتباره "استثمارا إستراتيجيا" طويل الأمد.

أما دونالد ترمب، فقد أعاد تعريف هذه المعادلة من منظور أكثر براغماتية؛ إذ نظر إلى حلف شمال الأطلسي بوصفه "خدمة مدفوعة الأجر"، مقابل مظلة الحماية التي توفرها الولايات المتحدة للحلفاء الأوروبيين.

وفق هذا التصور، لا ينبغي للحلف أن يكتفي بتغطية نفقاته فحسب، بل يفترض به أن يتحول إلى كيان يحقق عائدا مباشرا للولايات المتحدة.

ومن هنا تنبع الرغبة في تحميل الأوروبيين قدرا أكبر من عبء الإنفاق الدفاعي الإجمالي للحلف.

إعلان

وليس من قبيل الصدفة أن يعتبر ترمب أن من أبرز إنجازاته في السياسة الخارجية القرار الذي تم التوصل إليه خلال قمة حلف شمال الأطلسي في يونيو/ حزيران من العام الماضي، بإلزام الحلفاء الأوروبيين بإنفاق ما لا يقل عن 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي على النفقات الدفاعية المباشرة بحلول عام 2035، إضافة إلى 1.5% أخرى تخصص للقطاعات ذات الصلة، مثل الأمن السيبراني، والبنية التحتية، والصناعات الدفاعية.

وإلى جانب أبعاده السياسية، يكتسب هذا التوجه بعدا اقتصاديا بالغ الأهمية، إذ يفتح المجال أمام مكاسب إضافية للصناعات الدفاعية الأمريكية، حيث تستحوذ الولايات المتحدة حاليا على نحو ثلثي واردات أوروبا من الأسلحة.

في حال التزم الأوروبيون فعليا بكامل التعهدات التي أعلنوا عنها في العام الماضي لزيادة ميزانياتهم العسكرية، فإن هذه الميزانيات قد تصل في مجموعها خلال عشر سنوات إلى ما بين 800 و900 مليار دولار سنويا، أي ما يعادل تقريبا حجم الإنفاق الدفاعي الأمريكي الحالي.

عندها يمكن أن يتراجع مستوى الاعتماد الأوروبي على واشنطن بشكل ملموس، ليصبح الحديث عن "الاستقلال الإستراتيجي" الأوروبي أكثر واقعية وأقل التباسا. غير أن هذا السيناريو، حتى في أفضل التصورات، لن يتبلور قبل منتصف ثلاثينيات هذا القرن.

لكن السؤال الأهم الذي يظل مطروحا بقوة: هل سيتحقق هذا المسار أصلا، في ظل مؤشرات اقتصادية أوروبية لا تبعث على كثير من التفاؤل، وتزايد الانقسامات السياسية داخل أبرز الدول الأوروبية؟

في كل الأحوال، لا تزال الولايات المتحدة تمثل "الشريك الأكبر" الذي لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للدول الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي. كما أن أجيالا متعاقبة من النخب السياسية الأوروبية، التي تشكل وعيها في ظل مناخ قائم على مفهوم "الوحدة عبر الأطلسي"، لم تتبلور لديها رؤية بديلة للاستغناء عن الهيمنة الأمريكية أو تجاوزها.

ولهذا، لا يبدو أن في أوروبا اليوم من يمتلك الإرادة السياسية لمواجهة القيادة الأمريكية بصورة مباشرة، أو السعي إلى استنساخ تجربة الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي أعلن عام 1966 انسحاب باريس من البنية العسكرية للحلف، قبل أن تعود فرنسا لاحقا إلى هذا الإطار في عام 2009 في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.

لا يتبقى في هذه المرحلة سوى محاولات محدودة لإعادة توجيه المقاربات الأمريكية داخل الحلف، عبر السعي إلى إقناع دونالد ترمب بالاقتراب – ولو جزئيا – من النهج التقليدي الذي اعتمده أسلافه مثل جو بايدن وباراك أوباما، وغيرهما.

غير أن هذه الجهود لا تبدو حتى الآن ذات أثر يذكر، فيما يتضاءل مع الوقت احتمال العودة إلى صيغة التعاون الأمريكي الأوروبي الكلاسيكية.

في المقابل، يفضل ترمب الاعتماد على أدوات أكثر مرونة وأقل مؤسسية، على غرار المبادرات التي طرحت تحت مسمى "مجلس السلام" للتعامل مع قطاع غزة، ومناطق أخرى.

هذا النهج ليس جديدا بالكامل على السياسة الأمريكية؛ إذ سبق لواشنطن أن لجأت إلى صيغ مشابهة، كما في "تحالف الراغبين" الذي شكله جورج بوش الابن عام 2003 من أجل تنفيذ العملية العسكرية في العراق.

حتى مع استبعاد دور ترمب الشخصي من المعادلة، لا يمكن إنكار أن هذا التحالف العسكري السياسي، الذي ولد في منتصف القرن العشرين، بات أقل قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في المشهد الدولي المعاصر.

في هذا الإطار، لم تعد المنافسة التي يواجهها حلف شمال الأطلسي مقتصرة على التكتلات المرنة والصاعدة ضمن ما يعرف بـ"الجنوب العالمي"، مثل بريكس، أو منظمة شنغهاي للتعاون، بل امتدت أيضا إلى أطر وتحالفات أنشأتها الولايات المتحدة نفسها، مثل "أوكوس" و"تحالف كواد الرباعي"، إضافة إلى الشراكة الثلاثية بين واشنطن، وطوكيو، وسول.

إعلان

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحلف يتجه نحو التفكك في المدى القريب؛ إذ من المرجح أن يعيش الكثير منا ليشهدوا الاحتفال المهيب بمرور مئة عام على تأسيس الناتو عام 2049.

ولكن من المرجح أيضا أن يعتبر المؤرخون في المستقبل ولاية دونالد ترمب الثانية نقطة تحول في تاريخ حلف شمال الأطلسي، أثبتت خلالها النزعات الانفصالية داخل الحلف لأول مرة أنها أقوى من نزعات الوحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا