طهران- "أجواء طبيعية على السطح، لكنها تحمل في تفاصيلها ترقبا حذرا لتداعيات القرار الرسمي حول عدم الذهاب إلى الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد"، هكذا تبدو العاصمة الإيرانية طهران عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار إلى حين تقديم إيران مقترحها واستكمال المناقشات معها بوساطة باكستانية.
وبعد أقل من ساعة، من تمديد الهدنة إلى أجل غير مسمى، رصدت الجزيرة نت مسيرات راجلة وبالسيارات تجوب شوارع طهران على وقع أناشيد حماسية وهتافات منددة بالهجمات الأمريكية والإسرائيلية على البلاد، مما تسبب في أزمات مرورية لم تعتد عليها المدينة خلال ساعات منتصف الليل، وذلك على وقع انتشار حواجز أمنية في بعض التقاطعات والساحات العامة لكنها لا تشير إلى حالة استنفار غير عادية.
والتقت الجزيرة نت في جولة عقب تمديد الهدنة -الليلة الماضية وصباح اليوم الأربعاء- عددا من المواطنين الإيرانيين في العاصمة طهران، تفاوتت ردودهم بين لامبالاة ظاهرية تجاه ما ستؤول إليه التطورات وقلق خفي من عودة القصف خلال الفترة المقبلة.
وعلى هامش إحدى التجمعات الليلية المتواصلة منذ اليوم الأول لحرب رمضان، يعتبر رضا (26 عاما) تمديد الهدنة نتيجة طبيعية لعدم استسلام بلاده واتخاذها قرارا بمواجهة العدوان حتى الرمق الأخير، على حد تعبيره، موضحا أن الوقت الحالي ليس مناسبا للتفاوض، وعلّل رأيه بحجتين:
وفي حديثه للجزيرة نت، يعتبر رضا أن تمديد الهدنة يأتي محاولة يائسة لشراء واشنطن الوقت تمهيدا لهجوم مباغت كما اعتادت عليه، ثم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، داعيا إلى توجيه ضربة استباقية حاسمة للقطع البحرية الأمريكية المشاركة في محاصرة الموانئ الإيرانية.
وصباح اليوم الأربعاء، تواصل محطات الوقود عملها بانتظام، دون أي مشاهد للازدحام أو الطوابير الطويلة التي رافقتها خلال الأيام الأولى من حرب رمضان وكذلك عقب استهداف مخازن الوقود في مدينتي طهران وكرج، بعد مضي أسبوع على بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الشهر الماضي.
وبينما كانت شاشات مضخات الوقود تحدد أسعار البنزين المدعوم بحدود 15 ألف ريال للتر الواحد وبحدود 50 ألف ريال للكميات التي تفوق حصة الـ60 لترا للوقود المدعوم شهريا (الدولار يوازي مليونا و530 ألف ريال)، أكد عامل في إحدى محطات الوقود بشارع "مكتب العباس" غربي طهران أن أسعار البنزين لم تشهد أي زيادة منذ أكثر من 4 أشهر.
وعلى بعد أمتار من محطة الوقود، كانت المخابز التقليدية تفتح أبوابها للزبائن، في مشهد لا يختلف عن الوضع اليومي المعتاد في طهران، لكن الزبون محمد (41 عاما) يربط انعدام الطوابير القصيرة أمام المخابز بتخزين شريحة كبيرة من المواطنين كميات من الخبز حتى مساء يوم أمس خشية عودة الحرب فور انتهاء مهلة الهدنة فجر اليوم، إذ فسّر المواطن قرار إيران عدم مشاركة وفدها في مفاوضات إسلام آباد مؤشرا على استئناف القصف.
وفي حديث للجزيرة نت، يؤكد محمد أنه سبق أن اشترى بالفعل مقادير بسيطة من المكسرات والبسكويت وربطة من الخبز المجفف ومياه معدنية استعدادا لأي طارئ خلال الجولة المقبلة من الحرب التي يراها شبه محتومة طالما لم يتمكن الطرف المعتدي من تحقيق أهدافه، مستدركا أن إيران دولة كبيرة جدا ولن يستطيع العدو شل الحياة فيها بين ليلة وضحاها لكنه يخشى استهداف محطات الكهرباء وزعزعة استقرار الشبكة المدنية.
وعلى النقيض من مستوى القلق الذي يستشعره محمد، كانت الأجواء الربيعية المعتدلة تفرض إيقاعا مختلفا في إحدى الحدائق العامة وسط طهران، حيث تختلط فيها أصوات العشرات من الرياضيين من الشباب وكبار السن المنهمكين في لعب الشطرنج أو كرة الطاولة وآخرين يمارسون رياضة المشي في مشهد صباحي اعتاده الطهرانيون منذ عقود.
وعما إذا كان المشهد هذا مؤشرا على إدارة شريحة من المواطنين الإيرانيين الظهر لتطورات أمنية وعسكرية أضحت تؤرق العالم، هز المتقاعد ياسر (68 عاما) -وهو يمارس رياضة المشي- كتفيه بلا مبالاة وقال "لقد عشتُ 8 سنوات من الحرب مع العراق في شبابي، ورأيتُ تقلبات الوضع السياسي في البلاد وكذلك انهيار العملة مرات لا تحصى، ناهيك عن حربي الـ12 يوما ورمضان.. ماذا عساي أن أفعل بقلقي؟".
وأضاف -في حديث للجزيرة نت- وهو يشير إلى المارة من حوله "انظر إليهم.. الحياة مستمرة. السياسة لها أهلها ونحن نثق بهم… وإذا عادت الحرب من جديد فحينها لكل حادث حديث"، ثم يصمت قليلا قبل أن يواصل حديثه بالقول "لا أرى حربا في الأفق لكن إذا عادت الهجمات سنواجهها كما واجهنا سابقاتها".
الهدوء النسبي في الحديقة العامة ينعكس على البقالة بالقرب منها؛ إذ يلاحظ توفر المواد الغذائية الأساسية والسلع الاستهلاكية على الأرفف، "دون مؤشرات على حركة تسوق استثنائية ولا تقلبات محتملة في الأسعار" وفق صاحب المحل مهرداد (58 عاما) الذي أكد للجزيرة نت أن "الجهات المعنية في وزارتي التجارة والزراعة وكذلك غرفة إيران للتجارة والصناعة ضخت كميات كبيرة من المخزون الإستراتيجي في الأسواق خلال الأيام القليلة الماضية، والثابت أن قائمة الأسعار الرسمية لم تشهد أي ارتفاع جديد".
توفر المواد الغذائية الأساسية والسلع الاستهلاكية على الأرفف في المحلات التجارية الإيرانية (الجزيرة)لكن في المحل ذاته تقول الشابة مهتاب (38 عاما) وهي موظفة في إحدى الدوائر الحكومية، "أسعار البضائع كانت باهظة الثمن حتى قبل أزمة الحرب، ولم يعد في جيب المواطن متسع لموجة غلاء جديدة"، مضيفة وهي تضع حقيبة يدها بحذر على منضدة المحاسبة "تصوروا أن اليوم هو الثاني من الشهر الثاني في السنة الفارسية الجديدة، وأنا لم أتقاض راتبي بعد.. الكثير من زملائي الموظفين في الدوائر الأخرى يعيشون الحال نفسه".
تتساءل مهتاب: كيف يمكن أن نتحدث عن احتمال ارتفاع جديد للأسعار والمواطن لا يملك ثمن ما هو موجود أصلا؟ وتخلص إلى أنه لا علاقة للموضوع باحتمالات استئناف الحرب من عدمها بل بتراجع القدرة الشرائية للمواطن.
ودون أن ترفع عينيها عن قائمة مشترياتها، توضح مهتاب للجزيرة نت أنه منذ يومين، عاود سعر الدولار ارتفاعه التدريجي في السوق الحرة، وتقول "هذا هو المؤشر الحقيقي الذي يقلق المواطن وليس سعر المعكرونة والجبنة، فمهما حاولت الحكومة ضبط أسعار الرفوف، يبقى سعر العملة الخضراء هو المحدد الرئيس لمؤشر التضخم والمحرك الأساس للأسعار ولو بعد حين".
في الطريق إلى حي "سبلان" شرقي المدينة استقلنا سيارة أجرة، وبمجرد أن سألنا السائق مرتضى (51 عاما) عن نقاش الركاب الآخرين، قال بنبرة حادة "أنا لا أفهم في السياسة ولا في مفاوضات إسلام آباد، لكن اسمعوا ما قاله أحد الركاب الذي يملك مصنعا صغيرا غرب طهران.. يقول إنه كمنتج لم يستلم حصته من العملة الأجنبية المدعومة منذ أكثر من سبعة أشهر ومصنعه الذي كان يشغّل 25 عاملا يعمل بنصف طاقته… مخزون المواد الأولية أصبح صفرا، ولم يعد قادرا على دفع رواتب العمال من جيبه".
وبينما كانت سيارة الأجرة تشق طريقها ببطء، يبدو مشهد عمال بلدية طهران -وهم يواصلون عملهم المعتاد حيث تدور آلات الكنس بانتظام والمياه ترش على الأسفلت- لافتا. قبل أن تحدثنا سيدة كبيرة في السن كانت تجلس في المقعد الخلفي، قالت بصوت هادئ "انظروا.. البلدية تنظف الشوارع وسيارات الأجرة تنقل الركاب وكأنه يوم عادي ولم تبلغ البلاد منعطفا خطيرا حتى مساء أمس.. هذا هو الإيراني، يتشبث بالحياة مهما اشتدت العواصف من حوله".
ثم استدركت بنبرة يخالطها ارتياح مشوب بحذر عميق "نحن بالطبع مرحبون بتمديد الهدنة، فمن منا لا يريد أن ينام وأفراد أسرته آمنون دون صوت الانفجارات؟"، ثم أمسكت بطرف حجابها وأردفت "لكن ارتياحنا ليس كاملا، قلوبنا معلقة. نعيش هذه اللحظات وكأننا نختلسها من فم الحرب، وكل دقيقة تمر نسأل أنفسنا: هل ستصمد الهدنة أم أنها مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة أعنف؟".
وقبل أن تفتح باب السيارة للنزول، ختمت حديثها بجملة لخصت حال الشارع الإيراني الذي وصفته بأنه يعيش حالة لا حرب ولا سلم، فقالت "نفرح بالهدوء، نعم، لكن فرحتنا فرحة من يمشي على أطراف أصابعه في غرفة ينام فيها أسد، لا يدري متى يصحو".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة