قالت مجلة فورين بوليسي الأمريكية إن دول جنوب الكرة الأرضية تتحمل العبء الأكبر جراء التداعيات الاقتصادية للحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل على إيران، وأشارت إلى أن المواطنين الأمريكيين بدورهم يواجهون ضغوطا اقتصادية جراء ذلك الصراع.
وفي مقال عن الموضوع، أوضح رئيس تحرير المجلة رافي أغراوال أن الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خصوصا في الاعتماد على الطاقة، وقوة العملات، والقدرة المالية، تجعل آثار الحرب على إيران أكثر تدميرا خارج الولايات المتحدة.
وأشار أغراوال إلى أن الداخل الأمريكي ليس بمنأى عن التأثر بتداعيات الحرب حيث ارتفعت أسعار الوقود بشكل ملحوظ، ومن المتوقع أن يتصاعد التضخم وأن يتباطأ النمو الاقتصادي.
وتجلى ذلك التأثير في حالة القلق التي عكستها استطلاعات رأي أظهرت أن معظم الأمريكيين يعارضون الحرب ويعتقدون أنها ستؤثر سلبا على أوضاعهم المالية.
وتوقف الكاتب عند مفارقة لافتة ذلك أنه رغم تلك المخاوف، فإن البلاد لم تشهد احتجاجات واسعة النطاق ضد الحرب، ويعزى ذلك جزئيا في نظر الكاتب إلى ضعف الوعي العام، حيث أفاد كثير من الأمريكيين بأنهم لم يسمعوا سوى القليل عن الصراع، إلى جانب انشغالهم بقضايا داخلية مثل الرعاية الصحية.
كما أن هناك عوامل بنيوية تخفف من وطأة الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، مثل كونه أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، واستفادته من قوة الدولار، إضافة إلى ازدهار سوق الأسهم المدفوع بقطاع الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تتحول هذه العوامل ذاتها إلى مصادر ضعف في بقية العالم، لأن معظم الدول تعتمد على استيراد الطاقة، مما يجعلها شديدة التأثر بارتفاع الأسعار.
ويشدد أغراوال على أن الاقتصادات النامية تفتقر إلى القدرة المالية لدعم مواطنيها في مواجهة هذه الزيادات، بينما يعاني سكانها من آثارها بشكل مباشر.
كما يؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة كلفة الواردات على الدول ذات العملات الأضعف. أما المكاسب الناتجة عن الطفرة التكنولوجية، فهي تتركز في الشركات الأمريكية، مما يفاقم فجوة عدم المساواة عالميا.
وتشير فورين بوليسي إلى أن منطقة جنوب آسيا من أكثر المناطق تضررا. ففي باكستان، التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة، أدت الحرب إلى ارتفاع قياسي في أسعار الوقود، مما دفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات تقشفية طارئة مثل تقليص أيام العمل، وإغلاق المدارس، وخفض رواتب المسؤولين.
كما اضطرت البلاد إلى طلب دعم مالي من السعودية، أما في بنغلاديش فقد فرضت الحكومة قيودا على الوقود وأُغلقت مرافق عدة، بينما شهدت سريلانكا ونيبال إجراءات مماثلة وسط ارتفاع أسعار الغذاء.
أما الهند، ورغم امتلاكها هامش مناورة أكبر، إلا أنها تأثرت بشدة. فقد خفضت الحكومة الضرائب على الوقود لحماية المستهلكين، لكن ذلك جاء على حساب الميزانية العامة. كما أدت أزمة الطاقة إلى تعطيل الأعمال وتهديد الإنتاج الزراعي بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة، فضلا عن تراجع الأسواق المالية وتوقعات النمو.
وعلى امتداد آسيا، تواجه الدول المعتمدة على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز أزمات متصاعدة، من إعلان حالات طوارئ إلى فرض إجراءات تقشفية وتعطيل قطاعات مثل الطيران. ويزيد ارتفاع أسعار الأسمدة، إلى جانب موجات الحر، من مخاطر انعدام الأمن الغذائي.
ولا تقتصر التداعيات على الدول النامية. ففي أوروبا، تعاني اقتصادات متقدمة من ارتفاع تكاليف الطاقة وتباطؤ النمو. وقد أعلنت ألمانيا عن حزم دعم، بينما شهدت أيرلندا احتجاجات على غلاء المعيشة. كما تواجه بلدان الاتحاد الأوروبي عموما تحديات مستمرة في قطاع الطاقة، مع انخفاض مستويات تخزين الغاز.
ورغم هذا التأثير العالمي، يحذر أغراوال من أن الأمريكيين لن يبقوا بمنأى عن العواقب من خلال مسارين رئيسيين، يتمثل الأول في التباطؤ الاقتصادي العالمي، حيث يتوقع صندوق النقد الدولي انخفاض النمو العالمي إلى نحو 2%، وهو مستوى يرتبط عادة بالركود.
وحسب الكاتب، فإن ذلك سيؤثر على الشركات الأمريكية عبر سلاسل الإمداد، إذ ستنعكس زيادة تكاليف الإنتاج في آسيا على أسعار السلع في الولايات المتحدة.
أما المسار الثاني، فهو التكلفة المباشرة للحرب، التي قد تصل إلى تريليون دولار يتحملها دافعو الضرائب الأمريكيون، مع ارتفاع كبير في الإنفاق الدفاعي. ومن شأن هذه الضغوط المالية أن تؤثر في الاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل.
وخلص الكاتب إلى أن دول العالم تدفع أثمانا غير متكافئة نتيجة الحرب على إيران، إذ يقع العبء الأكبر على الدول ذات الموارد المحدودة بحيث إن الدول الأشد فقرا تدفع الثمن الأكبر، في عالم مترابط تتجاوز فيه آثار النزاعات الحدود الجغرافية لتصيب الأكثر هشاشة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة