آخر الأخبار

شاهد.. فلسطينيون تحرروا من زنازين الاحتلال وكبّلتهم حياة النزوح

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

جنين- كان سؤال سائق سيارة الأجرة التي أقلّت محمود شريم من بوابة معسكر سالم الإسرائيلي غربي مدينة جنين ب الضفة الغربية، لحظة خروجه من السجن، مستغربا بالنسبة له حين طلب منه إيصاله إلى المخيم، ليرد السائق مندهشا: "أي مخيم؟"، ثم استدرك بتوضيح أشد غرابة: "ما ظل (لم يبقَ) مخيم، الناس تهجّرت".

خرج محمود (28 عاما) من سجن امتد 8 سنوات، ولم يكن يعلم بموعد خروجه، كما لم تُبلّغ عائلته بذلك، ولذلك لم يجد أحدا منهم في استقباله خارج معسكر سالم، المحطة الأخيرة التي يطلق منها سراح المعتقلين ممن قضوا سنوات أسرهم في سجون الاحتلال شمال فلسطين.

وعن الصدمة التي أصابته حين علم بتدمير جيش الاحتلال للمخيم، تحدّث محمود للجزيرة نت قائلا "لم تكن صدمة فقط، بل كان خوفا كبيرا على مصير عائلتي. لم أصدق أنهم نزحوا، وصرت أسأل نفسي بصوت عال: أين ذهبوا؟ فسمعت السائق يرد: في الغالب نزحوا إلى سكنات الجامعة، وهنا صدمة أخرى، كيف ينزح سكان مخيم كامل؟".

مصدر الصورة الأسير المحرر محمود شريم أفرج عنه الاحتلال ليجد نفسه خارج مخيم جنين (الجزيرة)

إلى خارج المخيم

وعلى الرغم من عدم تبليغ عائلته بموعد خروجه، فإن استقبال والدته وإخوته له بمكان نزوحهم في سكنات الجامعة العربية الأمريكية في جنين كان مؤثرا جدا، ولاقى صدى واسعا على مواقع التواصل حينها.

ومحمود واحد من الأسرى الذين شاركوا في حفر النفق الشهير في سجن جلبوع عام 2021، ونفذ 6 منهم -دونه- في ما عُرف بالهروب الكبير آنذاك، لذا أُضيف إلى حكمه الأصلي 4 سنوات ونصف.

ويقول محمود إنه لم يتقبل النزوح بعد السجن، وإن أمنياته بالخروج من عذابات الأسر والتخلص منها قوبلت بواقع صعب جدا ومرير، مضيفا: "زادت ألقابي لقبا جديدا؛ كنت لاجئا ثم أسيرا محررا، ثم نازحا، وكلها ألقاب تعمق فكرة المعاناة للشعب الفلسطيني وتضاعف الوجع. كنت أعد الأيام لانتهاء محكوميتي والعودة إلى المخيم، إلى ذكرياتي فيه، للقاء أصدقائي، والنوم في غرفتي، كل ذلك تبخر".

إعلان

وبعد نحو 4 أشهر من تحرره، يعيش محمود ظروفا إنسانية صعبة وواقعا اقتصاديا معقدا، حيث يسكن مع أسرته المكونة من 5 أفراد في غرفتين صغيرتين، غير مخصصتين في الأساس للعائلات.

مصدر الصورة الأسير محمود شريم: حياة النزوح تشبه السجن (الجزيرة)

سجن آخر

يقول محمود "هذه السكنات أُسست لتكون لطلبة الجامعة، والبنايات مكتظة جدا، وبالطبع لا توجد أماكن خاصة للأطفال للعب. الأطفال يتكدسون في ممرات البنايات التي تحوي الواحدة منها 83 غرفة، ويوجد في كل غرفة 4 أفراد على الأقل".

ومنذ عمليتها العسكرية التي عرفت بـ"السور الحديدي" وبدأت في يناير/كانون الثاني العام الماضي، هجّرت إسرائيل قرابة 3500 عائلة من مخيم جنين، يعيش غالبيتهم في سكنات طلبة الجامعة الأمريكية، ما خلق أزمة حادة في إيواء النازحين.

وبحسب محمود، فإن الحياة في السكن الجامعي تشبه إلى حد كبير السجن؛ فالغرف متقابلة، وأعداد السكان كبيرة، والنوم شبه مستحيل بسبب الضجيج والأصوات العالية طوال الليل، وهو ما أجبره على مغادرة المكان مؤقتا.

ومنذ 10 أيام، لم يعد محمود إلى سكن العائلة، ويقول إنه يحاول إيجاد مسكن أكثر ملاءمة للظروف الإنسانية، لذا يبحث حاليا عن منزل في مدينة جنين ليستأجره، مشيرا إلى أنه يعمل في كشك صغير لبيع الشطائر للتغلب على مصاعب الحياة بعد أن أوقفت السلطة الفلسطينية مخصصاته.

ممنوعون من العودة

فقد محمود ذكرياته التي كان يحلم بالعودة إليها بعد تحرره، واستشهد شقيقه وعدد كبير من أصدقائه. ويقول إن الأمل في لقائهم هو ما كان يبقيه صامدا في الأسر، وإن فكرة عدم وجودهم وحرمانه من وداعهم وإلقاء النظرة الأخيرة عليهم تُعذّبه كثيرا.

ويعيده حنينه بشكل دائم إلى سطح منزل العائلة المطل على كل حارات المخيم، حيث كان يسهر في ليالي الصيف، ويقول إن هذه الذكرى لا تغيب عن باله.

ويذكر محمود حالات لأسرى أُفرج عنهم ومُنعوا من العودة إلى قرى مجاورة نزحت عائلاتهم إليها، بحجة قربها من جدار الفصل الإسرائيلي.

حيث منع الاحتلال الأسير "م. س" من الوصول إلى قرية فقوعة شرق جنين، وهي المكان الذي نزحت إليه زوجته، بعد تهجيرها من منزلها في مخيم جنين، وقيل له إن فقوعة قريبة من مناطق التماس و الخط الأخضر الفاصل بين الضفة الغربية و الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

1650 معتقلا من جنين

وسجلت مؤسسات الأسرى الفلسطينية 1650 حالة اعتقال من جنين ومخيمها عام 2025، بينهم 85 طفلا و16 سيدة و9 أسرى حكموا بالسجن المؤبد.

وأمام هذا، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يواصل عمليته العسكرية "السور الحديدي" بمخيمات شمال الضفة الغربية الثلاثة (جنين، و طولكرم، و نور شمس).

ويوم الاثنين الماضي، سمحت قوات الاحتلال لعدد محدود من النساء من مخيم جنين بدخول منازلهن فيه وتفقدها لوقت محدد لا يتجاوز ساعتين، وبالرغم من عدم السماح للرجال بدخول المخيم، تمكن عدد قليل منهم من ذلك برفقة النساء، إلا أن الجيش احتجزهم لأكثر من 6 ساعات داخل المخيم قبل إطلاقهم.

مصدر الصورة الأسير المحرر رامي فوده مع طفله في مكان النزوح بقرية ذنابة شرق طولكرم بعيدا عن مخيمه نور شمس (الجزيرة)

قسوة العيش وشعور الاغتراب

ويعيش الأسرى المحررون الذين أفرج عنهم من سجون الاحتلال ولم يتمكنوا من العودة إلى منازلهم في المخيمات الثلاثة حالة من الحنين للعودة إلى البيوت التي اعتقلوا منها، ولحياتهم التي سلبت بعد اعتقالهم.

إعلان

وفي ضاحية ذنابة شرق مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، استقر الحال بالمحرر رامي فودة (44 عاما) الذي أفرج عنه من سجن النقب في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ومثل محمود، تفاجأ رامي بأن عائلته وجميع سكان مخيم نور شمس نزحوا وتفرقوا إلى أحياء وبلدات وقرى حول مدينة طولكرم.

ويصف رامي -للجزيرة نت- حاله بعيدا عن بيته قائلا: "نعيش في غرف لا تصلح للسكن الآدمي، ففي الشتاء يتسلل المطر من جدرانها وسقفها. للأسف خرجنا من السجن إلى واقع شديد المرارة، ونحن نعاني. النزوح يعني حياة شبه مستحيلة، والأيام تمضي وحياتنا متوقفة".

مصدر الصورة رامي فوده فقد 60 كيلوغراما من وزنه بالسجن ويعيش ظروفا صعبه في غرفة غير مؤهلة للسكن (الجزيرة)

"كارثة حقيقية"

يضيف الأسير المحرر والنازح، أن ما يواجهونه نكبة جديدة، وهو "كارثة حقيقية، وواقع أهالي المخيمات أليم جدا"، ويقول "لم أكن أتصور أبدا أن أعود من الأسر إلى منزل لا يعود لي، لم أعش فيه، ولا يربطني به أي انتماء".

وأضاف "صحيح أننا عايشنا عذابات كثيرة في السجن، حيث فقدت 60 كيلوغراما من وزني، لكني فوجئت يوم خروجي بخبر استشهاد زوج أختي، ونجل شقيقتي الثانية، واليوم أعيش وضعا اقتصاديا صعبا جدا. العمل شبه معدوم، والدخل شحيح، وإيجارات المنازل مرتفعة، ناهيك عن شعور الاغتراب الذي نعيشه كمحررين لم نصل إلى منازلنا بعد سنوات في الأسر".

كل ما كان يتمناه رامي أن يتم استقباله في ساحة منزل أهله في مخيم نور شمس التي شهدت طوال السنوات الماضية تجمع أهالي المخيم في أفراحهم وأتراحهم، لكن المنزل لم يعد موجودا، وسكان المخيم تفرقوا، وصار اجتماعهم يشبه الحلم. ويقول إنه لم يعش فرحة الحرية، لأنه وجد نفسه بلا بيت ولا مأوى.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا