في ظلمة الليل، وبينما ينام أغلب مسؤولي البيت الأبيض، تبدأ منشورات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتواتر، فتارة يستفز أعداءه ويسخر منهم، وتارة يتحدث عن قاعة الرقص التي يريد بناءها، وأحيانا أخرى ينشر صورا له مصممة بالذكاء الاصطناعي.
ويرسم تقريران لصحيفتي تايمز وإندبندنت البريطانيتين صورة متكاملة لسلوك ترمب المثير للجدل على منصات التواصل، بين محاولات داخل البيت الأبيض لاحتواء تداعيات منشوراته، وتحذيرات متزايدة من أطباء نفسيين بشأن ما يكشفه حضور الرئيس الرقمي عن صحته النفسية.
ومن الواضح، وفق تايمز، أن منشورات الرئيس -الذي لا ينام سوى حوالي 5 ساعات يوميا- باتت مصدر قلق لمسؤوليه، مما دفع الصحيفة البريطانية للتساؤل: "هل يستطيع فريق الرئيس كبح جماح منشوراته الليلية؟".
رئيسة الموظفين في البيت الأبيض سوزي وايلز لديها شاشة كبيرة على مكتبها، مخصصة لمراقبة "سيل منشورات" الرئيس
وكشفت تايمز أن رئيسة الموظفين في البيت الأبيض سوزي وايلز لديها شاشة كبيرة على مكتبها، مخصصة لمراقبة "سيل منشورات" الرئيس على تروث سوشيال، بهدف متابعة كل ما ينشره لحظة بلحظة، بل ومحاولة "تشتيت انتباهه" أحيانا لمنعه من الدخول في نوبة نشر مكثفة.
ويعمل تحت إمرة الرئيس -بحسب التقرير- فريق متخصص يدير المحتوى الرقمي، ويضم نحو 12 عضوا بقيادة دان سكافينو، نائب رئيس الموظفين، وهو المشرف على الفيديوهات والميمز (النكات الرقمية).
أما المساعدة التنفيذية ناتالي هارب، فهي "المدونة الرئيسية" للرئيس، وتتولى تدوين ما يمليه عليها أثناء مشاهدته التلفاز أو قيامه بأي عمل آخر، ثم تصيغ المنشور كاملا قبل أن تعرضه عليه، مما يوفر آلية مراجعة أولية -وإن كانت محدودة- للمنشورات.
يكون التحدي الأكبر في الفترات الليلية، حين يغيب الإشراف المباشر على الرئيس
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن سيطرة الفريق الفعلية على ما يقوله ترمب محدودة، مشيرا إلى قول كريس ويبل، الذي أجرى مقابلة مطولة مع وايلز لمجلة فانيتي فير، إن ترمب "غير مقيّد ولا أحد يحاول السيطرة على منشوراته".
ويضيف ويبل: "كل ما يمكنهم فعله هو محاولة مواكبة الوضع والتعامل على الأضرار، ونادرا ما يفعلون ذلك أساسا".
وبحسب الصحيفة، يكون التحدي الأكبر في الفترات الليلية، حين يغيب الإشراف المباشر. ففي إحدى الليالي، نشر ترمب 158 منشورا خلال 3 ساعات فقط، وهو ما يعكس -وفق تعبير التقرير- صعوبة السيطرة على "اندفاعه الرقمي".
هذا النشاط المكثف يتقاطع مع ما رصدته إندبندنت، التي أشارت إلى أن منشورات ترمب الأخيرة المثيرة للجدل -خاصة خلال التصعيد مع إيران- أثارت موجة قلق غير مسبوقة بشأن حالته النفسية.
ويشير التقرير إلى عدة منشورات منها تهديدات ذات ألفاظ بذيئة ضد طهران، وصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر ترمب وكأنه يسوع المسيح، وهجوم على البابا روبرت بريفوست (ليو الـ14) لمعارضة الأخير الحرب على إيران.
وقد أدت هذه المنشورات -وبالتحديد التهديد بمحو الحضارة الإيرانية- إلى دعوات حاسمة لتفعيل التعديل الـ25 من الدستور، وعزل ترمب من منصبه.
المنشورات تتماشى مع "طبيعة ترمب" الحقيقية، فهو يمتص كلام المتملقين المحيطين به، مما يؤدي إلى "نسبة عالية من النرجسية"
بواسطة الطبيب النفسي جيف غرامر
ويرى الطبيب جيف غرامر أن هذه المنشورات تتماشى مع "طبيعة ترمب" الحقيقية، فهو يمتص كلام المتملقين المحيطين به، مما يؤدي إلى "نسبة عالية من النرجسية"، بحسب ما نقلته إندبندنت.
كذلك ترى المختصة النفسية شاري بوتوين أن اللغة الاستفزازية التي يستخدمها ترمب في منشوراته -والتي يكافح مساعدوه للتخفيف من وطأتها- دليل محتمل على نرجسيته، فهو يقول ما يشاء دون أن يكترث لعواقب كلماته وتأثيرها على الدول أو الأشخاص.
وتحذر الطبيبة -المتخصصة في الصدمات النفسية- من أن خلو منشورات ترمب من التعاطف أمر مثير للقلق، ويشير إلى أنه "لا يبالي بمعاناة الآخرين"، وفق تعبيرها.
تؤكد إندبندنت أن كثيرين حذروا من أن ترمب غير كُفء للرئاسة، ولكن "نوبات انفعاله" حول إيران وصلت لدرجات غير مسبوقة، مما أثار قلقا واسعا حول صحته النفسية.
الانفعال العاطفي المتزايد للرئيس قد يدل على أنه يعاني من القلق أو الخوف، وتهديداته بإبادة حضارة بأكملها تُظهر محاولته لإظهار القوة والسيطرة
بواسطة المختصة النفسية شاري بوتوين
ونقلت قول الدبلوماسي الأمريكي السابق بول فريتش إن اللغة "المتطرفة" -وفق تعبير الدبلوماسي- التي يستخدمها الرئيس يمكن تفسيرها على أنها تعبير عن "إحباط" من أزمة لا يمتلك القدرة الكاملة على إنهائها بمفرده.
وأضاف فريتش -وهو مسؤول حالي في حزب الشمال الأطلسي ( الناتو)- أن ترمب "يجد نفسه عالقا في أزمة معقدة"، خاصة بعد تفكيكه المؤسسات الدبلوماسية التي كان يمكن أن تساعد في احتواء التصعيد، ما جعله يعتمد بشكل أكبر على التهديدات العسكرية والخطاب الحاد، وهي أدوات "غير كافية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية".
وفي هذا الصدد، يؤكد الطبيب النفسي غرامر -وهو أيضا ضابط سابق في الجيش الأمريكي- أن تصاعد حدة خطاب الرئيس وعنف كلماته، قد يعودان إلى "شعوره بأنه محاصر" سياسيا.
وتوافق بوتوين على هذا الاستنتاج، مؤكدة أن "الانفعال العاطفي المتزايد للرئيس قد يدل على أنه يعاني من القلق أو الخوف، وتهديداته بإبادة حضارة بأكملها تُظهر محاولته لإظهار القوة والسيطرة".
وفي المحصلة، تتقاطع قراءات الخبراء النفسيين مع تحليلات السياسة الخارجية لتقديم صورة مقلقة لرئيس يتبنى خطابا تصعيديا في لحظة توتر دولي كبير.
وبينما لا يجزم المختصون بتشخيص قاطع، فإنهم يؤكدون أن تصاعد نبرة ترمب العدائية، واندفاعه في التصريحات، وسعيه المتكرر لزيادة التفاعل، كلها عوامل تستدعي القلق، خصوصًا عندما تصدر عن رئيس يقود إحدى أقوى دول العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة