آخر الأخبار

لماذا يتنقل نتنياهو بإسرائيل من حرب إلى أخرى؟

شارك

كثف المعلقون الإسرائيليون انتقادهم لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد إعلان وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران، وطُرح سؤال كبير في كتاباتهم: لماذا يصر نتنياهو على إبقاء حالة التوتر وسيف الحرب مُصْلَتاً على جبهته الداخلية؟

المحلل الأمني في صحيفة يديعوت أحرونوت رونين بيرغمان يلفت إلى أن إسرائيل -رغم الإنجازات التكتيكية التي حققها الجيش- بقيت من دون رؤية سياسية تسد الفراغ الذي تتركه العمليات العسكرية، بحيث بدت الحرب على إيران، كما في لبنان، ميدانا لإنجازات عملياتية لا تجد ترجمة إستراتيجية متماسكة.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 الجزيرة تنظم وقفة للتنديد باغتيال المراسل محمد وشاح في غزة
* list 2 of 3 هل يسابق نتنياهو الزمن في لبنان بحثا عن "مشهد انتصار"؟
* list 3 of 3 مقال في دير شبيغل: في حرب إيران منتصر واحد وهو ليس ترمب end of list

أما الكاتب في صحيفة معاريف بن كسبيت فيذهب أبعد من ذلك حين يرى أن نتنياهو لم يحدد للحرب أهدافا قابلة للقياس، بقدر ما جعل هدفه الأساس هو إطالة أمدها، لأن استمرار القتال بحد ذاته صار يخدم احتياجاته السياسية والشخصية.

وقال بن كسبيت: "تكمن المشكلة في أن نتنياهو حكم خلال العامين والنصف الماضيين بتضارب مصالح فادح. فبدلا من أن يسعى لتحقيق غاية سعى في الاتجاه المعاكس. وبدلا من أن يحدد أهدافا مسبقا لم يحدد سوى هدف واحد: إطالة أمد الحرب قدر الإمكان.

وأضاف "كان جل اهتمامه منصبا على نفسه: لا علينا، ولا على المختطفين، ولا على جنود الاحتياط، ولا على الجنود النظاميين، ولا على النازحين، ولا على سكان الشمال أو الجنوب، بل على نفسه وائتلافه الفاسد والمتخبط، الذي واصل النهب حتى في أحلك الظروف التي مررنا بها، بما في ذلك سرقة الميزانية الأخيرة قبل أيام".

وأضاف بن كسبيت أن نتنياهو "استمرّ في الكذب، طوال الوقت ومع الجميع. نأمل ألا تُكلّفنا أكاذيبه لترمب غاليا، وألا تنقلب عليه وتُكلّفنا أمامه، فرئيس الولايات المتحدة -وهو الوحيد الذي يتباهى أكثر من نتنياهو- رئيس متقلب، لن يبقى هنا لثلاث سنوات، بل سنبقى نحن".

تضخيم الوعود

وأحد أسباب انتقال نتنياهو من حرب إلى أخرى هو اعتماده المستمر على خطاب مبالغ فيه عن "الحسم" و"إزالة التهديد" و"تغيير الشرق الأوسط"، ثم اصطدام هذا الخطاب بجدار الواقع.

إعلان

بيرغمان يصف بوضوح "الفجوة الصارخة بين الأقوال والصواريخ"، حيث وُعد الإسرائيليون بإزالة التهديد النووي والصاروخي الإيراني، بينما أثبتت الوقائع أن هذه الادعاءات لم تكن دقيقة، وأن إسرائيل وجدت نفسها مع نهاية الجولة أبعد عن طاولة القرار مما أرادته.

وكتب بريغمان: "ما جدوى كل هذا إن عدنا في النهاية إلى نقطة البداية، ما عرضوه قبل الحرب وما كانوا مستعدين لقبوله قبلها؟ قد توافق إيران أيضا على شروط أكثر صرامة، مثل تخصيب ما يصل إلى 3% فقط من يورانيومها وإرسال كل غرام يزيد على 400 كيلوغرام إلى روسيا، سيقول الكثيرون: "يا ليت"، لكنهم سيتساءلون أيضا: لماذا أقنعت إسرائيل ترمب بالانسحاب من الاتفاق النووي الأصلي لعام 2015، لأن تلك كانت هي الشروط نفسها، وقد أبلغت إيران كبار مسؤولي الاستخبارات والجيش، نيابةً عن الدول الوسيطة، بأن الشرطين اللذين رفضتهما في جنيف، واللذين أديا إلى الانفجار، أصبحا الآن غير واردين".

أما الكاتب في صحيفة هارتس يوسي فيرتر فيُبرز كيف انتهت الجولة الأخيرة بخطاب جديد من نتنياهو لا يحمل طمأنة أو تعويضا أو أفقا، عبر مقطع فيديو بالطبع. بعد ثمانية أشهر من إعلانه زوال الخطر الوجودي الذي يهدد الأجيال، وعد بجولة أخرى قريبا.

وهدد قائلا: "الإصبع على الزناد". لم يُقدم لشعبه أي تأهيل أو تعويض، ولم يُوجه أي رسالة أمل. فقط المزيد من الحروب والدماء والدمار والمعاناة، وللمرة الألف خلال الثلاثين شهرا الماضية، انكشف زيف الحاكم كشخص متملق ومثير للحروب. حتى كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية باتوا يدركون ذلك.

مصدر الصورة من إيران إلى لبنان تتكرر في هذه المادة الصورة نفسها: نجاح عملياتي يعقبه عجز عن بناء نتيجة مستقرة (الفرنسية)

فشل إستراتيجي متكرر

ولا يُنكر المعلقون أن الجيش الإسرائيلي حقق اختراقات ونجاحات عملياتية مهمة، سواء في إيران أو في لبنان، لكن المشكلة -كما يطرحونها بوضوح- أن هذه النجاحات لا تتحول إلى نتائج إستراتيجية مستقرة.

فبيرغمان يشير إلى أن الحرب أظهرت مرة أخرى قدرة استخبارية وعسكرية عالية، لكنها بقيت عاجزة عن سد الفراغ السياسي وعلى مستويات الرؤية الإستراتيجية.

وفي الساحة اللبنانية، يلفت إلى أن ما كان يُفترض أن يكون ردعا طويل المدى بعد ضربات 2024، انقلب إلى جولة جديدة لأن إسرائيل بالغت في تقدير أثر إنجازاتها السابقة، ولم تحسن تثبيت وضع سياسي وأمني مستدام.

أما فيرتر فيختصر الصورة بالقول إن حربا أخرى انتهت بإنجازات عسكرية تكتيكية استثنائية، لكنها انتهت في المقابل بفشل سياسي وإستراتيجي.

وهذا يعني أن نتنياهو بدل أن يستثمر القوة العسكرية لصوغ نهاية واضحة، يعيد توظيفها في خطاب داخلي بهدف تعزيز صورة القائد المنتصر لاستثمارها في حملته الانتخابية المتواصلة عبر إعلان الانتصار، ثم يجد نفسه مدفوعا إلى جبهة جديدة لأن الإنجاز العسكري وحده لم يعالج أصل المأزق.

وبن كسبيت قال: "أولئك الذين نفذوا بدلا من الكلام؛ الذين خططوا بدلا من الهمجية؛ الذين أدركوا أن لقوة الجيش الإسرائيلي حدودا، وأنه يجب أن تقترن بالحكمة السياسية؛ الذين عرفوا أن "إستراتيجية الخروج" ليست مجرد هراء تقدمي، بل شرط ضروري على طريق النصر الحقيقي.

إعلان

بنيامين نتنياهو رجل كثير الكلام، رجل كلام فارغ. في النهاية، غالبا، عندما ينطفئ البارود، لا يتبقى لنا سوى ما تبقى: تصريحات، وتهديدات، وبيانات، ووعود، وتفاخر، وكلام فارغ عن "إخواني وأخواتي" أو "نحن شعب واحد"، وبجانبها فراغ مُريع".

مصدر الصورة المشكلة كما تعرضها القراءات الإسرائيلية ليست في القدرة على القتال فقط بل في العجز عن الخروج من الحرب (الفرنسية)

بقاء سياسي وشخصي

ويكشف مقالا بن كاسبيت ويوسي فيرتر أهداف نتنياهو الشخصية من دائرة الحروب الجهنمية. فبن كسبيت يربط سلوك نتنياهو في الحرب مباشرة بتضارب مصالحه، ويرى أن الرجل لم يتحرك انطلاقا من أولوية المصلحة العامة، بل من حاجته إلى حماية نفسه وائتلافه وإدامة وضع الطوارئ الذي يبدد الضغط عنه.

في حين يصف فيرتر نتنياهو بأنه ينظر إلى الإسرائيليين وقودا لأوهامه الإمبريالية ومؤامراته الشخصية، ويشير إلى أن ازدراءه للجمهور يظهر كل مرة في طريقة إدارته للحرب وخطابه بعدها.

"إن الازدراء الذي يكنّه بنيامين نتنياهو لشعبه، الذي يراه مجرد وقود لتحقيق أوهامه الإمبريالية ("نحن نغير وجه الشرق الأوسط!") ومؤامراته الشخصية -كإلغاء المحاكمة- ليس بالأمر الجديد.

وقد انكشف هذا الازدراء مجددا يوم أمس (الأربعاء) في صمت الحاكم الذي دام نحو 18 ساعة منذ إعلان وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران".

وبهذا بات الانتقال من حرب إلى حرب ليس مجرد نتيجة لفشل الردع أو تعثر التسويات، بل جزءا من بنية حكم ترى في الحرب وسيلة لإعادة إنتاج الزعامة، وحشد القاعدة، وتأجيل المحاكمة، والهروب من سؤال المسؤولية عن 7 أكتوبر، وعن الفشل في غزة، وعن الإرباك في لبنان، وعن حدود القوة في إيران.

ولهذا، كلما اقتربت لحظة النهاية، بدا أن نتنياهو يحتاج إلى جبهة جديدة، أو إلى تهديد جديد، أو إلى عنوان جديد، يعيد من خلاله ترتيب المشهد حول بقائه، لا حول مصلحة إسرائيل بعيدة المدى.

مصدر الصورة حتى خطابات ما بعد الحرب لا تحمل طمأنة بقدر ما تمهد لجولة جديدة (غيتي)

نمط حكم كامل

تدل هذه القراءات الإسرائيلية على أن تنقل نتنياهو بإسرائيل من حرب إلى حرب ليس تفصيلا عابرا، ولا مجرد انعكاس لبيئة إقليمية متفجرة، بل هو نمط حكم كامل.

فالحرب في عهده لم تعد أداة استثنائية تُستخدم ثم تُطوى، بل صارت بيئة سياسية دائمة يعيش عليها خطابه، ويتغذى منها بقاؤه، وتُدار من خلالها أزماته.

وبينما يحقق الجيش إنجازات موضعية، تفشل القيادة السياسية في إنتاج نهاية، لأن النهاية نفسها قد لا تكون في مصلحة نتنياهو.

ومن هنا تبدو إسرائيل -في نظر قطاع متزايد من كتابها ومحلليها- دولة تُدار بين إنجاز تكتيكي وآخر، لكنها تبقى أسيرة فراغ إستراتيجي عميق، يدفعها مرة بعد مرة إلى الحرب التالية بدل الخروج من الحرب السابقة، لتدور حول شخصية نتنياهو ومصالحه الذاتية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا